محمّد أركون: نظريّتي ليست لإصلاح النصّ القرآنيّ، ولكن لتطوير المجموعة الإسلاميّة

من الصعب اختزال حوار مع محمّد أركون في صفحات. تجلس إليه فيسحرك بهدوئه ورصانته، وحميميّة غير مفتعلة. تتحدّث إليه فيعطيك المعرفة دون شرط أو تعال. أغلب الحوار معه كان بالعربية، وعلى عكس ما يعتقده البعض فأركون يتقن العربيّة بل إنّه كان أستاذ عربيّة في الجزائر. قرأ القرآن وأمّهات الكتب والفلاسفة بالعربيّة. وقد حضرت له لقاءات في بعض البلدان العربية قدّمها باللّغة العربيّة، وكذلك النقاش، لكنه يعتقد أنّه لا يملك اللّغة بما فيه الكفاية لعرض بحوث عميقة ودراسات، ويفضّل ترك ذلك للمختصّين.

التحق محمد أركون بالسوربون في منتصف الخمسينيّات من القرن الماضي، ودفعته أجواء فرنسا ما بين الأعوام 1950 – 1960  للتركيز على مصطلح مفهوم “النهضة”، فانهمك مثل بقية أبناء جيله بهموم العالم الثالث والبحث عن “طريق ثالث”، كما تنامى لديه الوعي السياسي الذي دعمته طروحات الطبيب النفسي فرانز فانون. ثم جاء استقلال الجزائر وفترة الرئيس هواري بومدين، وأخيراً النكسة العربية عام 1967، وهي النكسة التي دفعت به إلى مأزق نفسيّ عميق تقاسمه مع بقية أبناء جيله. تتحاور نظريات محمد أركون، اليوم، مع نظريات ميشيل فوكو وبيير بورديو وفرنسوا فورييه وبلاشير وغيرهم في الوقت الذي يلعب فيه، ومنذ سنوات طويلة، دوراً مهمّاً كرائد في الفلسفة والتنوير الإسلامي بين الشرق والغرب.


في رأيك هل حقّقت دراساتك في الفكر الإسلامي والثقافة العربية بعضا من  الأهداف والغايات التي تريد الوصول إليها؟

ما زال هناك الكثير من الدراسات والآراء لم أصرح بها،  بسبب الرِّقابة وهي أحيانًا ذاتيَّة. وأيضاً لأنني لا أريد أن أقطع صلتي مع البلدان العربية والإسلامية. أنا – كأستاذ وباحث – أَوَدُّ أن أَطْرَح بعض الأسئلة، لكني لا أستطيع أن أفعل ذلك و كي نَتَقَدَّم في حَلِّ بعض المشاكل حسب ما يقتضيه العلم ، دون أن تَنْقَطع الصِّلَة بين الباحث وسائر الناس. لهذا أقبل بالرغم من أني أتمتع بكل حريتي هنا كأستاذ في السُّوربون أن أفرض على نفسي هذا النوع من الرِّقابة، فالباحث لا يحق له أن يَجْرَح نفوس الذين لا يَزَالُون غير مُسْتَعَدِّين ليفهموا ويُدْركوا بعض المشاكل التي يمكن أن تُطْرَح. هذه الأمور كلّها تجعل الفكر العربي لا يقدم على طرح المشاكل التي لابد من طرحها في هذه الفترة، وعلى التَّخَلِّي عن هذه المواقف الأيديولوجية التي يفرضها نوع من الإجماع الاجتماعيّ والسِّياسِيّ السَّائد عندنا. هناك محرّمات.

هل دراستك لعلم النفس وعلم الإنسان وعلم الاجتماع هيّأتك للغوص في البحوث السياسيّة؟

أذكر دائماً أنّنا نتاج أحداث وظروف، والجراحات التي عشتها في حياتي الخاصة والفكرية. هذا وذاك جعلا منّي ما أنا عليه اليوم. هناك تناسق أو تلاحم في توجه عملي سببه تباين الأحداث والجراحات. في البداية كان هناك فضول دون تخوم أو نهاية، فلا يوجد محظورات في تفكيري. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد عشت مراحل من الأحداث المتناقضة، فمثلاً في البداية تحصّلت على بكلوريا آداب وفلسفة عربيّة، لكن عند التحاقي بالجامعة لم يكن هناك أستاذ للعربية، فاضطررت إلى الالتحاق بقسم اللّغة الفرنسية. وكان من المفروض الذهاب إلى القاهرة أو دمشق للدراسة، لكنني وجدت نفسي مضطراً للانتقال إلى باريس. وصلت فرنسا متأخراً بعد ابتداء الدورات، ولم أجد من الدروس المتاحة إلا علم النفس السريريّ، بينما كنت أودّ دراسة علوم سياسيّة. كذلك، تلعب الأقدار في حياتي الخاصة والعائلية. كنت بدون إقامة قارّة ، دون أهل ، وفي بحث مستمرّ عن سكن خاصّة خلال العطل ، ورغم أنّني كنت الأوّل في دفعتي، ولديّ الاختيار بين ثلاث منح دراسية لم ترضني وترض تطلعاتي لأنّني كنت أتوق إلى الالتحاق بدروس جون لابلانش ، فوجدت نفسي في باريس للدراسة دون أيّ منحة..

 كنت تتوق لدراسة علوم سياسية، لكنْ ما أبعد ذلك عن أطروحتك حول ” البكارة عند العذارى في الإسلام “..

لكنّي استطعت دراسة علوم سياسية فيما بعد. ثمّ كانت لديّ رغبة ملحة في الحديث عن هذه الإشكالية. والقليل يعرف أنّه، عند عودتي للجزائر للتدريس في الجامعة، طردت لأنّني أدرس الانحرافات الجنسية. في الفترة التي بدأ فيها التطرف الإسلامي في النمو والازدهار، طلبوا منّي ترك القاعة التي ألقي فيها الدروس لأنّهم يريدون توسيع الجامع، وكانت بداية النهاية في الجزائر. ثمّ، غادرت إلى اليوم.

 اليوم هناك العديد من الدراسات المهمة في المغرب العربي حول الإسلام كفكر وتاريخ وتشريع وأدب؟

إنّ صحوة الوعي للمثقفين والباحثين المغاربة تفتح المجال لهم اليوم للقيام بدور عملي في الداخل حتى يضطر الملاحظون الأجانب إلى عدم إعطاء أهمّية كبرى في اتجاه واحد فقط حول ما تظهره المجتمعات الإسلامية من صورة متأزمة عن أوضاعها الداخلية.

لكن ما هي آفاق الإسلام العملية كفكر وإمكانية شروطها؟

الآفاق ما زالت بعيدة المدى وصعبة المنال، فالأعمال والأبحاث لا تؤهّل الموجود للتطبيق العملي للمطالب. مجتمعاتنا اليوم متأزمة، وهذا سيتطلب وقتاً مهما، وجهداً خاصاً. ولا بد من التفكير في تربية تعليم الأديان، لا الدين الإسلامي فحسب، بل – الأديان اللاهوتية – في البلاد الإسلامية عامة وفي المغرب خاصة، فمنذ الاستقلال  فرضت مجتمعاتنا تعليم الدين بطريقة بعيدة عن العقلانية.

كيف يمكن أن تتبدّل العقليات؟

الهوّة شاسعة بين الفرد والفرد، والفرد والمجتمع. منذ فترة تلقيت مكالمة هاتفية من شقيقي المقيم في الجزائر يخبرني فيها أنّ ابنه المصاب بنوبات صرع يقع تحت تأثير الجنّ التي سيطرت عليه، وأن العائلة تلجأ إلى السحرة وقراء القرآن لتعويذ الفتى من تأثير وسيطرة الجن. ها نحن في نفس العائلة واختلاف عقليات مثل اختلاف الأرض والسماء. فكيف يمكن تغيير العقليات وبأي سرعة وعلى أي مدى.

حسب كتاباتك فإنّ أحد أسباب توقف الفكر العربي عن التقدم هو التبعية. وحكايات الجنّ والشعوذة هي من عاداتنا وجذورنا دون أدنى شك. ألا تعتقد أنّه أولاً وقبل كل شيء تحرير العقول ثم إزالة التبعية؟

بداية من اللحظة التي نؤكّد فيها على الجسد، وتحرّر لغة الرغبة والخطاب، نجد الفكرة عن التعددية تدخل ضمن مفارقات دقيقة تجبر الإنسان المنغلق إما على الانفتاح، أو على الردّ بحدة وسرعة. الإنسان المتمسك بيقينه المطلق لا يمكنه أن يستمع إلى غيره، لكن لو حاول الاستماع سيبدأ التحرر من التبعية الفكرية.

في كتابي ” الجسد في الإسلام ” الذي صدر سنة 1984 ، لم يكن هناك اهتمام بالجسد حتى في فرنسا، فما بالك في بلدنا. أثار الكتاب ضجة ورفض من العديد من الجهات، لكن عندما أعيد طبعه قرأه العديد من الطلبة والقراء. هناك الجسد، والهوية، والإغراء، وذهنية الحريم التي تحكي الممارسات الجنسية.

تطرقت أيضاً إلى مواضيع مشابهة؟

بدأت سلسلة حول مواضيع الحبّ، الجمال، الحنان، والجنس.. هذا يعني نوافذ وطرقا مفتوحة على تتحرر الأذهان..

هل تحررت أنت؟

شخصياً تحررت بهدوء وتأنّ.

 أليس من المطلوب تحليل عربيّ إسلاميّ يتماشى مع مجتمعنا؟

بالطبع، لكن كلّ ما نعبر عنه هو بمثابة تحليل نفسي، هو تطهير للنفس. الناس تحتاج للبوح بكلّ ما في الصدور. أغلب أسفاري نحو بلدان عربية، عند الحوار المباشر، يكون اللّقاء الفكري والمعنوي مهماً جداً. أنا أحمل المعرفة، لكنّني ما زلت منهم.

 كتبت أيضاً عن الذوق. هل له علاقة بالفلسفة، أم بعلم الاجتماع؟

لم تهتمّ الفلسفة كثيراً بهذا الموضوع. هناك من كتب عن المجاملة واللّطف وعن الآداب، لكن لا شيء عن هذا العلم لتلك المرحلة من تاريخنا الإسلامي. المجتمع العربي لا يعتبر الذوق المرهف شيئاً مهماً أو صفة قريبة من الغنج والتصنع. ضمن الذوق هناك أشياء سطحية وهي التي نراها، لكن الذوق المرهف كبناء وتركيب هو شيء رائع. مجتمع يمكنه الحصول على آلية الاحتفالية وترتيب الأشياء حسب الزمن تدفعنا لتأمّل المجتمع كمسرح، مسرح الحياة، مسرح الحي، مجتمع يشاهد مشهداً عزيزاً عليه، لقراءة أدبية ولقراءة العقليات والمفاهيم كثمرة تثمر أكثر إن ظلت مغلقة. الرفاهة تحمل حيوية الروح، حيوية التصرف، لكن عندما تعمل داخل قوقعتها، تنغلق على نفسها، وتنقطع عن الواقع.

في بلاط شرقي، عندما يقرر الحاكم خليفة الله على الأرض، بسبب مزاج شخصي، إلغاء منطق الرفاهة ليكون سبباً في فساد الذوق والهمجية، والحرمان من أصول الآداب، واللجوء إلى بدع الرفاهة المزيفة، وليحرمنا من إرث مغتصب باسم تعصب متحجّر. وإذا كان لدى المجتمع العربي المعاصر إلمام بتأثير هذه القيم التاريخية، فنحن لا نجد ذلك الوعي عند أصحاب السلطة والقرار، ( إلا بطريقة فردية ) خارج منطقة السلطة البعيدة عن الشفافية، والتي تفتقد الفطنة وبعد النظر، بسبب قيامها على منطق العنف، فجل العالم العربي يرزح تحت حكم عسكري، وما زالت العائلات تحافظ عبر الأجيال على تقاليد وعادات منغلقة. فكيف يمكن معرفة الرفاهة الحقيقية التي تكون أحياناً شبه إهانة في مجتمع لا يحصل على قوته اليومي. لذلك أفضل أن أتكلم عن الرفاهة كوحدة جمالية، حيث تحاول المجموعة تقليد المرهفين، كالشعراء والفنانين والمغرمين بكل ما هو أدب وفن وثقافة ورفاهة مدنية. فلا يمكن أن يتعادل الحق السائد بين تباين الطبقات الاجتماعية، بين نخبة غارقة في التصنع وهي الفاعلة وبين عامة منغلقة. لا يمكن هنا أن يكون مجال لرفاهة ما، لبناء مجتمع متوازن وسليم . الرفاهة ضرورية كالماء، لكن لا يمكن أن تكون فردية وأنانية. يجب أن تكون متناصفة ومشتركة، وكان لا بد من فتح هذا الملف للقراء الذين يتوقون إلى عبير الأشياء كدليل للذوق المرهف، ومكتبة الذواقين من الكتاب تقدم طابعاً مباشراً سهل المنال عندما نحكي الطقوس: كالحمام، العطور، الحنّة، الشطرنج، الشاي، الودع..

 عندما تكتب في المواضيع الشائكة على ماذا تعتمد؟

أعتمد خاصة على نزاهة الفكر. وبكل تواضع إذا أراد البعض تطوير معرفتهم بما تعنيه السنّة، والحديث، والقرآن، والرسول، والفقهاء ومعارضوهم من العلمانيين وأصحاب الفكر الحرّ كالمعتزلة وإخوان الصفاء وغيرهم، فليفتحوا كتاباتي وسيجدون كل هذه المواضيع مدوّنة بطرح واضح معتدل، ومرجعية دقيقة. لا أتعرض في كتاباتي أنّ البعض على حقّ، والآخرين على خطإ، بل أشرح عبر العمل أنه من الممكن أن نصل يوماً إلى تحريك هذه الكتلة من الجليد التي تجمد القلوب.

إنَّ أحد ميادين تطبيق هذا المسار الذي اخترت، والذي فرضته علي الأحداث كذلك، هو دِرَاسة القرآن. ولكنها دِراسة بمثابة إعادة قراءة مُسْتَنِدَة، في آنٍ واحِد، على كل التَّجارِب الثَّقافيَّة التي بَلْوَرَها الفِكْر الإسلاميّ على قاعدة القرآن في المرحلة الكِلاسِيكيَّة، وكذا على الاستعمال الحالي للنَّصِّ القُرْآني من قِبَل المسلمين في مُخْتَلَف المُجْتَمَعات الإسلاميَّة. وهو استعمالٌ مُغايِر لما كان عند مُفَكِّرينا القُدامى.

وبالطبع، فإنَّ المسلمين أَحَسُّوا أنَّهم يعيدون إحياء القَوْل القُرآني وأنّهم يعيشون بالقول القرآني، ولكنّهم لا يحسُّون، وهذا بسب غياب مَسْعى ثقافي ملائم. إنّهم يعيشون القرآن إيديولوجيا بكثافة؛ لأنَّ القرآن يَشْغَل وظيفة سيكولوجية مهمّة، وهذا لا جِدَال فيه، ولكن هذا أيضا يعمي المسلمين عن أن يعيشوا القرآن ثقافيًّا؛ كما عاشه فقهاء وفلاسفة المرحلة الكلاسيكيَّة. إنّ هذا يشغلني ويسكنني وجوديًّا وثقافيًّا، وهو ما أعنيه بإعادة قراءة القرآن، وهو مثال يُبَيِّن تَجَذُّر البحث والتأمل، فيما يجري حاليًا في الاستعمالات التي نقوم بها نحن المُسْلِمين، بصرف النَّظر عن استشراق أو غَرْبنة. استعمالات بل مُناورات نقوم بها لأهداف وحاجات عاجلة، هي ليست حاجات ثقافيَّة، ولكنها سياسيَّة، اجتماعيَّة، سيكولوجيَّة، وبصنيعنا هذا نقيم عوائق أمام دخول حقيقي للثَّقافة الإسلاميَّة، وللصُّعوبات الرَّاهِنَة لاستعمال هذه الثَّقافة. وبالطَّبع، فمن أجل إكمال هذا العمل، أي دراسة الماضي بتاريخ، وبمنهج تاريخي نقدي، لا يتنازل في شيء لا للتَّمجيد أو الزَّهْو ولا للسُّهولة التي تَتَواتر عند العديد ممن يبحثون في هذا الميدان، ويتحدثون عن العَصْر الذَّهَبِيّ، للوصول إلى هذا الفِكْر الكِلاسيكيّ وإلى غناه، والنَّظَر في كَيْفِيَّة ترابطه مع المُتَطَلَّبات الحاليَة، فإنني أَعْمَد إلى الاستمداد مما أسْمَيْته الفِكْر العِلْمِيّ المُعاصِر..

 وضع الغرب مرحلة مهمة للوصول إلى علمانية اليوم، في رأيك كيف يمكن أن ينجو الإسلام من المحور الرصاصي الذي يعرقل تحرره الممكن؟

لا بد من دراسة نقدية للاجتهاد ، وإعادة دراسة الفكر حسب دريدا. يجب أن نرفض فتاوى رجال الدين الذين يحتكرون الإسلام مغالطين المسلمين نحو الطريق غير المستقيم باسم الله جلّ جلاله.

شخصياً بعثت منابر حرّة للتشهير بالضلال المطبق، ولقضية الاستئصال عند الفتيات والتي ذكر فيها أحد رجال الدين أنها متلائمة مع قيم الإسلام بينما لا يوجد أي تلميح لا في النص القرآني ولا في الحديث عن هذا النوع. لم يذكر أبداً في الإسلام أنه يمكن تشويه جسد النساء. العلمنة هي موقف للروح وهي تناضل من اجل امتلاك الحقيقة أو التوصل إلى الحقيقة. على الباحثين أن يتجاوزوا ثقافتهم الخاصة، وتاريخهم الحافل بالأحداث، وحتى دينهم، لكي ينفتحوا على الجميع من دون استثناء. هكذا تصبح العلمنة أحد مكتسبات وفتوحات الروح البشرية.

 هل يمكن أن نتحدث عن العلمنة في المجتمعات الإسلامية والعربية؟

المجتمع الإسلامي عرف العلمنة قبل المعتزلة، عندما استولى معاوية على السلطة السياسية، واضطهد أنصار علي بن أبي طالب، واستقر في دمشق بدلا من المدينة. وبعد انتصاره، خلع عليه رجال الدين رداء الشرعية الدينية. فتشكلت عند ذلك إيديولوجيا التدبير التي تعطي الحق للحاكم في كل شيء باسم الدين. هذا الأمر وغيره من الخلافات حول السلطة ليست إلا عملاً واقعيا لا علاقة له بأي شرعية غير شرعية القوة . الدولة الإسلامية علمانية منذ بدايتها، واجهت مشكلة ضبط المجتمع كسائر الدول. لكننا لا يمكن أن نكتشف هذه الحقيقة التاريخية، إلا إذا طبّق الباحثون المنهجية النقدية – التاريخية على التراث الإسلامي. هذه المنهجية يمكن أن تبرز لنا كيف كان القضاة في بداية القرن الأوّل للهجرة يستوحون الأعراف المحلية التي سادت قبل الإسلام والتي كانت تختلف باختلاف المناطق. كذلك كان القضاة يرجعون في الكثير من الأحيان إلى رأيهم الشخصي، لكي يفصلوا في المسائل المطروحة.

 الإمام الشافعي حصر أصول التشريع في الإسلام في القرآن والسنّة والإجماع والقياس.  كيف أتى الخلط بين القانون الشرعي والقانون الديني؟

العودة إلى الشريعة الإسلامية، كما وردت في القرآن، تمّت بشكل غير منتظم عبر الزمن. من هنا يمكن أن نفهم أهمّية الرسالة التي كتبها الشافعي. خلال عامي 800م 820م ليعالج مشكلة الفوضى القضائية وتبعثر الأحكام. هذه الحالة تظهر لنا مدى الخلط الذي حدث بين القانون الشرعي والقانون الديني، أو بعبارة أخرى بين ما هو زمني وما هو روحيّ. كذلك عندما وضعت السلطنة العثمانية نظامها، كان هناك نوع من العلمنة. فالسلطان هو الذي يمارس السلطة بالمعنى السياسي الدنيوي. بينما نجد أن الخليفة هو بمثابة نائب النبيّ الذي يعمل على ضمان استمرار وظائفه، والإمام يتمتع عند الشيعة بمهام روحية تكمن في إمامة المؤمنين خلال الصلاة بالإضافة إلى مسؤولياته الزمنية. هكذا نرى أن السلطان يمارس السلطة التي اكتسبها و لا يمكن أن تستمرّ بمعزل عن القوة.

قدّم المعتزلة فكراً سابقاً لعصره إلى يومنا هذا؟ فلماذا لا يعتمده رجال الدين؟

لقد عرفت القرون الأربعة الأولى للهجرة حركة ثقافية مهمّة استطاعت الخروج على القيود التي فرضتها السلطة الدينية، على الصعيد اللغوي والأيديولوجي والنفسي. وحقيقة الفكر الإسلامي التاريخية تشهد على أن المعتزلة عالجوا مسائل فكرية أساسية، انطلاقا من ثقافتهم المزدوجة التي ترتكز على الوحي الإسلامي والفكر اليوناني . اضطهدوا وحرفت تسميتهم من الذين اختاروا العزلة للتأمل والتفكير، إلى أولئك المعزولين عن الأمة. والجاحظ واحد من الشخصيات العربية والإسلامية التي أبدعت مؤلفات تتسم بالحداثة رغم كونها من القرن الثالث الهجري. وهو من أفضل الممثلين لكل المواقف الفكرية والثقافية التي حفلت بها الثقافة العربية الإسلامية، فترة الاستكشاف والمغامرة والفتح والتحرر في منطقة العراق وإيران. لقد اتخذ المعتزلة مواقف يمكن نسبتها إلى الحداثة في القرن الثاني الهجري- الثامن الميلادي، عندما طرحوا مسألة خلق القرآن، واعترفوا بها متخذين موقفا من ظاهرة الوحي غير مسبوق. استطاع فكر المعتزلة أن ينتج موقفا عقلانياً نقدياً كالموقف الغربي في القرن الثالث عشر الميلادي. لقد أدخلوا بعداً ثقافياً ولغوياً في طريقة طرحهم مسألة خلق القرآن. فالبشر هم الذين يصنعون الثقافة ويضعون اللغة، ومن دونهم لا يستطيع أحد أن يمتلك رسالة الوحي. اعترفوا بمسؤولية العقل ودوره في فهم النص الموحى به وامتلاكه. طرح المعتزلة بجرأة مسألة التمييز بين كلام الله والخطاب القرآني، لكن هذا التيار الحديث اصطدم بتطلب الخليفة القادر الذي يمثل السلطة التي تضرب بقسوة حتى تحافظ على نفوذها، فأهدر دم من ينتمي إلى المعتزلة ويقول أن القرآن مخلوق. واستمرت هذه الحال في المجتمعات الإسلامية، حتى زاد التشدّد مع الزمن ضدّ كل من حاول أن يحقّق استقلالية العقل عن الوحي.

 هل يمكن أن تعتبر التجربة التركية مع أتاتورك التجربة الوحيدة الإسلامية نحو العلمانية منذ 1924؟

تعتبر تجربة أتاتورك للعلمنة فريدة من نوعها في المجتمعات الإسلامية، لأنها طرحت العلمنة بشكل جذري يعادي التراث والتقاليد بشدّة. لكنّها بقيت كمشروع أجنبي أُنزل في بلد إسلامي دون أن ينبع من صلب المجتمع، ومن إرادة شعبه وتفكير باحثيه.

تأثّر أتاتورك بالفلسفة الوضعية التي سادت خلال القرن التاسع عشر في فرنسا، حيث أتم دراسته الجامعية والعسكرية. عندما عاد إلى تركيا كان يحمل الكثير من الأفكار واليقينيات التي طبعت شخصيته، فحاول أن يطبقها حال استلامه الحكم كقائد عسكري، فأنهى نظام السلطنة الذي كان بمثابة غطاء شرعي إسلامي يشكّل امتداداً للخلافة. أسّس الجمهورية التركية على نحو غربي، فحظر ارتداء الطربوش، ومنع اللباس التقليدي ليفرض الزي الأوروبي. تدخّل في حياة المسلم العادية، ومنعه من إرخاء لحيته وشاربيه. أوقف التعليم الديني في المدارس. بدّل حروف الكتابة العربية، كذلك فعل بالتقويم الإسلامي. هكذا أصبحت تركيا صورة كاريكاتورية للعلمنة. عوض أن تدخل العلمنة في صلب تفكير الشعب رويداً رويداً. لا يمكن أن ننكر أن لهذه التجربة نتائج إيجابية، فقد عمّقت فكرة العلمنة داخل المجتمع التقليدي، لكنها في الوقت نفسه خطرة من الناحيتين العقلية والثقافية. أهملت العلمنة في تركيا بُعداً مهماً في المجتمع ألا وهو البعد الديني الراسخ عميقاً، وتغاضت عن معاناة الشعب الحقيقية، وأهملت التعدد الطائفي والعرقي داخل مجتمع واحد. لذلك اجتمعت كل هذه الأمور لتشعل نار الايديولوجيات، دينية كانت أم عرقية أم طائفية. من هنا عاد التيار الإسلامي بعنف عام 1940 ليسترجع ما سُلب منه.

في كتاباتك تعود باستمرار إلى التراث؟

أعود إلى التُّراثِ لأنَّ المُجْتَمَعات العربيَّة تعود إليه وتطالب به. الأمر لا يتعلق بي شَخْصِيًّا ولكنه يتعلق بالمجتمع العَرَبي. أسمع في جميع البيئات العربيَّة جميع الناس يطالبون بالرجوع إلى التُّراث ويستخدمون التُّراث؛ كوسيلة إيديولوجية ووسيلة للكفاح، ويزعمون أنهم يستخدمونه؛ كوسيلة ثقافية علميَّة من أجل مُكَافَحَة الغرب الذي تَغَلَّب ثقافيًّا على المجتَمَعَات العَربيَّة.

أنا أنتمي في فرنسا، إلى جَامِعَة مَعْروفة جدًّا بالحُرِّيَّة الوَاسِعَة التي تَمْنحها لكل أعضائها؛ لتوجيه أبحاثهم في السُّبُل التي (يرونها) أفضل علميًّا، وأفضل من حيث ما يمكن أن يَعْتبره كلُّ فرد على حدة بمثابة التزامه الشَّخْصِيّ، في عالم المعرفة وفي المُجْتَمَع الذي يعمل فيه، والمجموعة التي ينتمي إليها في الآن عينه. وأنا أنتمي إلى  ثقافة إسلاميَّة، لنَقُل (إنها الثَّقافة العربيَّة الإسلاميَّة)، وقد أَحْسَسْتُ دائمًا بِتَضَامُن تاريخيّ مع المَجْموعة الإسلاميَّة، في التَّاريخ، في القِيَم في التَّدريس، والتي طبعتني في أسرتي الصَّغيرة حيث كان الإسلام يَتَمَتَّع دَوْمًا بحُضُور حيّ وفَعَّال، ولأنَّني أَحس بهذا التَّضامن مع هذا المجموع التَّاريخي، فإنَّ أبحاثي وأعمالي الجامعيَّة ارتَبَطَتْ وتَلَبَّسَتْ بها. وقد عَبَّرَتْ منذ بعيد، عن هذا الموقف الذي يقوم على البحث عن مسائل كباحث ومدرس، ليس فقط في المِضْمَار الجامِعِيّ وبالخضوع إلى مُقْتَضَيات جامعيَّة، ولكن انطلاقًا من حقل مُحَدَّد، هو حقل المُجْتَمَعات الإسلاميَّة، ومنها مُجْتَمَعي.

لذلك اخترت طريق المنهج العلمي والبحث والثقافي عن قصد ومعرفة. وهذا يجعلني أحارب على جَبْهَتَيْن، داخل المجتمع العربي الإسلامي اتجاهًا ذا سيطرة وتوسع، وهو الاتجاه الذي يريد إعطاء الأَوْلَويَّة للحَلِّ الإيديولوجي لمشاكِلِنا بدل حل قائم على البحث العِلْمِيّ. وفي نفس الوقت أُحَارِب ضد نَوْع من الاسْتشراق يزعم المراكمة المعرفية، ومُرَاكمة مَعلومات تقنيَّة عن هذه المرحلة من التَّاريخ حول تلك المسألة دون الاهتمام بربط نشاط الباحث بالمُتَطَلِّبات القائمة والمُلِحَّة لمُجْتَمعاتِنَا.

 ولكن هل تعود إلى التراث لتستدلّ منه؟

ذكرت في الكلمة التي ألقيتها عندما منحت جائزة ابن رشد للفكر الحرّ في معهد جوته ببرلين، أنّه لا يمكنا تجاهل ظاهرة الحداثة، وأنّه لا بدّ من بنائها كإطار فكري، وليس مجرّد تطبيقها دون سؤال، ودون التعرف على التاريخ، والتقديم التاريخي النقدي لجميع التراث العربي. لذلك، لا يمكنني أن أكتفي اليوم بكيفية الاستدلال الذي نجده في فصل المقام مثلاً عند ابن رشد لأعالج اليوم قضايا الشريعة، وأعالج نفس الموضوع الذي عالجه بين الحكمة والشريعة. هذا يؤدّينا إلى نقد العمل الإسلامي اليوم. هذا النقد هو الذي يربطني بابن رشد.

أكّدتم ضرورة الصلة بين الإيمان والحداثة ؟ وفي هذا المجال كيف تقرؤون القرآن اليوم؟

حفظت القرآن عن ظهر قلب منذ الطفولة، وانكببت على دراسة نصوصه أكثر من عشرين سنة. عملت على قاموس “شامل ” للقرآن، وأصبحت قراءتي، اليوم، للنص القرآني تتماشى مع العصر، لكنني أحاول أن أصل إلى أكبر قدر من المعرفة عبر المناهج والأسئلة التي تعترضني، انطلاقاً من مبدأ أن القرآن ليس دستوراً، وليس كتاباً للاستعمال الدنيوي. هو نظام سلوك في حياة المسلمين له علاقة مع المولى تعالى. أحترم هذا النص كنصّ مقدس، ولا أعترض على محتواه ، لكنّه نصّ من القرن السابع ولا بدّ من أخذ المرحلة التاريخية وتطورها بعين الاعتبار، ونظريّتي ليست لإصلاح النص القرآني، لكن لتطوير المجموعة الإسلامية. يهمّني جداً سلوك المؤمنين، وضع المرأة، التعليم، وكلّ السلوك الجماعيّ …

كتابك ” بيان من أجل إسلام الأنوار ” يتطرق إلى مواضيع متعدّدة : دين سياسة، أخلاق ، بيئة ، اقتصاد، مجتمع ، أكلّ هذه المجالات مرتبطة بالديانة؟

لا يوجد في الإسلام تفرقة بين دين وسياسة، حتّى ولو طالبنا وبإلحاح باستقلال الدين عن السياسة أو العكس. لا بدّ أن نواجه الواقع أمام المشهد الحالي. الكلّ ينبع من الإسلام، رغبة الرجل والمرأة، الأخلاق، التجارة.. منذ اللحظة التي يبدأ فيها الوعظ يندمج الدين مع السياسة. الكتاب هو صورة لإسلام مضادّ لأحداث مدريد و11 سبتمبر وأنفاق باريس، كتبته ببساطة وبطريقة محكية، حتّى يكون في متناول جميع المسلمين. هو يفضح الأصولية، ويدافع عن القيم المعترف بها عالمياً. هدفي لفت الانتباه إلى التعددية في الإسلام، عبر سبع وعشرين فقرة من أجل إسلام الأنوار اليوم. يصبو البيان إلى تنسيق الإسلام مع واقع معاصر يمكن أن يشارك في تأسيس مجتمع إسلامي حديث.
هل كان عصر التنوير العربي شبيها بعصر التنوير الغربيّ ؟

لا بدّ من الإشارة بدءا بأنّ الحضارة العربية تميزت بالتعدّد. بغداد كانت مدينة عالمية. وبالنسبة للقرون الوسطى مدينة كبيرة جداً، تطور فيها ما نصطلح عليه اليوم التعدد الثقافي، وتطوّرت بها شروط تنوير للعقل وبناء عقل نقدي. كانت هناك أنوار، لكنها أنوار لا يمكن مقارنتها بما حدث في أوروبا خلال القرن الثامن عشر. فالقرن الثامن عشر استفاد من إنجازات القرون الوسطى في مجال العلوم الفلسفية والدينية، بل داخل هذه الأنوار نفسها يمكن الحديث عن حقب فكرية متعددة، فابتداء من النصف الثاني للقرن التاسع عشر جاء ماركس لينتقد العقل المثالي ويؤسّس لعقل جدلي، ونيتشه الذي انتقد القيم وعبادتها واعتبرها بنت محيطها، وأنّها تتغير بتغير المحيط الاجتماعي، دون أن ننسى فرويد واكتشافه لحياتنا الداخلية. إنّها إذاً آفاق أخرى للأنوار..

 ” الطهور ” ” الفكر الحرّ ” نساء النبيّ ” جرائم الشرف ” وكأنّك تختار مواضيع تحمل جدليّة تستفز بها المحافظين والمتعصّبين؟

ربّما. لكن هدف المثقف هو حسب قول ريلك ” تحريك البحر الجامد داخلنا “. أحاول أن أحقّق ذلك. أنا أناضل من أجل إسلام حقيقي وحقّ أي معاصر، لأنّه منذ البدايات حمل الإسلام في طيات تعاليمه حداثة واضحة أتى الصليبيّون إلى المشرق لمحاربة “الكفار”، فاكتشفوا حضارة أكثر رقة ورخاء من حضارتهم. تتملّكني الدهشة باستمرار عندما أقرأ لعلماء الإسلام في الأندلس، وأحاول أن أستوحي من بحوثهم وكتاباتهم، وأثبت أنه ما زال ممكناً الحوار حول إسلام مختلف عن الأصولية والتطرف.

 بقي تابو الجنس. لماذا يعتبر الإسلام اليوم الجنس منكراً، بينما بحث الفقهاء موضوع الجنس ببساطة مثل فقه اللذة، وطوق الحمامة، والروض العاطر، ونواضر الأيك في معرفة النيك للسيوطي وغيرها …؟

لأنّ الرجعيين خوصصوا موضوع الجنس، وتبنّوه كلّ بتفكيره الخاص، وتحليله الشخصي. هذا سخيف وغير معقول. الإسلام في الأساس دين يعتبر اللذة شرعية وإنسانية. تسمح للإنسان بأن يتمتع بلذاته الدنيوية، وهناك نصوص تحكي أنّ الحبّ الجسدي يرتقي بالإنسان نحو الحب الإلهي. وعندما سئل الرسول عمّا فضل في الأرض أجاب ” النساء والعطور والصلاة “. وتذكر السنة أنّه كان له من النساء تسع، وأنه قضى مع زوجته ماريا القبطية تسعا وعشرين ليلة متتالية. كلّ الحضارة العربيّة تنصّ على أنّ العلاقة بين زوجين هي نعمة من المولى.

رشأ كامل التونسي: كاتبة من تونس.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق