التفكير الأدنى، التكفير الأقصى

لا يمكن عزل ما يصدر من كتب في الآونة الأخيرة، وخاصّة في مجال دراسات الفكر السياسي والديني، عن خصوصية الظرفية التي نمرّ بها على مستوى وعينا بتحولات واقعنا المعاصر وبجذور الثقافة التي ننتمي إليها وطبيعة المؤثرات الفاعلة فيها. عندما تتوجه النخبة الجامعية العربية، خاصة اللائكيّة منها، لدراسة الفكر الديني، فإنها تعترف بشكل مباشر بالتأثيرات التي لا تزال تحدثها الأفكار الدينية في صياغة الوعي الجمعي لشعوب يفترض أنها تخطت منذ زمن سحيق مرحلة “السذاجة الثقافية” لتلج عالم “الكهولة الحداثية”، على الأقل بالنسبة للنخب الفاعلة فيها. لم يعد يكفي فيما يبدو إطلاق الحداثيين لنعوت التخلف على الآخرين للحد من انتشارهم أو التخفيف من غلواء ما يسميه البعض “ردة ثقافية”، بل أصبح الأمر يتطلب عودة لدراسة النسق من داخله من أجل فهم الميكانيزمات المؤثرة في سيره واستباق تحولاته، وهو أمر محمود في حد ذاته. انقضى زمن تجاهل ما يحدث على الساحة الدينية عندما امتدت تأثيراتها إلى الساحة السياسية العامة والخاصة، وعندما استولى “المتدينون” على أكبر مساحة حضور في الإعلام المسمى “إسلاميا” وعندما أصبح الإسلام، بشكل من الأشكال، في مقدمة نشرات الأخبار والطبق الرئيسي في مناقشات الخاصة والعامة.

في هذا الإطار العام يمكن تأطير كتاب حمادي الرديسي وأسماء نويرة الموسوم “الرد على الوهابية في القرن التاسع عشر”، وهي دراسة بالغة الجدية، شديدة التوثيق، كثيفة المضمون. تطلب هذا البحث من المؤلفين تتبعا دقيقا لتاريخية الدعوة الوهابية، عبر بحث دؤوب في أدبياتها والأدبيات المضادة لها، والقيام بعمليات استكشاف مرهقة في مخازن المخطوطات والمكتبات العريقة عبر العالم، من تونس إلى المغرب الأقصى إلى الولايات المتحدة وغيرها.  والمؤلفان باحثان في مجال العلوم السياسية، يدرسانها بالجامعة التونسية ويهتمان بإشكاليات الإسلام السياسي وبالثقافة الدينية في الواقع المعاصر، مما يفسر عنايتهما بجذور الثقافة الدينية الراهنة وسعيهما، في هذا الكتاب بالخصوص، لتقديم قراءة تاريخية لإحدى أهم الظواهر الراهنة، ظاهرة انتشار الوهابية بوصفها أهم مخبر نشأ فيه الإسلام السياسي، مثلما يصرحان في ثنايا الكتاب.

ينقسم الكتاب إلى جزأين: جزء تحليلي قدم فيه المؤلفان قراءة لظرفية نشأة الدعوة الوهابية وتحولها من مجرد دعوة لترك “البدع” إلى نظام سياسي عماده التحالف، عبر “ميثاق نجد”، بين رجل دين قليل الثقافة وزعيم قبيلة طموح، وحللا فيه طبيعة الردود عليها في المغرب والمشرق نوع الرهانات العقائدية التي كانت تطرحها تلك الدعوة. وجزء توثيقي احتل ثلثي الكتاب جمعا فيه أهم الردود على الوهابية في بلاد المغرب الإسلامي، تونس والمغرب الأقصى، وهي ردود تميزت غالبا بالشدة فيما عدا بعض الحالات. ذلك أن تلك الردود، وإن عبرت عن تصور مختلف تماما للإسلام ظل مميزا لثقافة أهل المغرب، فإنه كان أيضا حاملا لتصور السلطة والنخب الدينية المرتبطة بها، وهي نخب شعرت بخطر تلك الدعوة وسعت إلى نقضها من داخل المنظومة الفقهية الإسلامية.

يشير المؤلفان في تقديم الكتاب إلى طبيعة الرهانات التي ألفا من أجلها هذا العمل، وهو تقديم “عبرة لمن يعتبر في الحاضر المرير من تناول حركات إسلامية راديكالية وسلفية جهادية للفكر الإقصائي والمتطرف نفسه من تكفير المسلمين وواجب محاربتهم”، معتبرين أن “نجم الوهابية قد أفل وأصبحت جزءا من المنظومة التقليدية وكأنها فوضت الجهاد لغيرها ممن تأثر بمقولاتها مباشرة أو بالصدفة” وأن انتشار الفكر الإقصائي وشيوع التكفير يعبر عن “فشل الفكر السني المتمثل بالعلماء الرسميين الذين فقدوا من جهة الكاريزما الدينية التقليدية التي تحلى بها نظراؤهم في الرد على الوهابية” و عن “كسل” العلماء واستكانتهم إلى تكرار  مقولات الأسلاف وسقوطهم في نفس منطق التكفير.

هل أفل نجم الوهابية حقا؟ إذا كان المقصود بذلك تلك الدعوة الأولى، بأساليب رسائل “أسلم تسلم”، بتلك الحركية التي يصفها المؤلفان بين أصحاب الدعوة ومعارضيها، فربما كان الأمر صحيحا. ولكن الوهابية اليوم تعود بقوة، ويكفي لنفهم ذلك أن نطلع على الجدل الديني والفقهي الذي يتم في كثير من الفضاءات، الواقعية والافتراضية، بين الوهابيين وخصومهم المعاصرين. كما أن ما ينفق من أموال تحت غطاء نشر الإسلام يعطينا فكرة عن حجم المشروع برمته، وهو مشروع يتوجه إلى خارج الفضاء الإسلامي وإلى داخله في الوقت نفسه. إلى خارج الفضاء الإسلامي عبر دور الخواص والمؤسسات الناشطة على سبيل المثال في إفريقيا السوداء غير المسلمة، وإلى داخله عبر الفئات الشابة وغيرها من التي لا تملك القدرة على الغوص في معاني الإسلام الحقيقية بوصفه ديانة تقوم على مفهوم عدم الإكراه في الدين وأهمية المقصد وعلى منطق منفتح للهوية لا يحتاج أصلا إلى التكفير لتأكيد نفسه. يكفي كنموذج عن الحالة الأولى أن نشاهد بعض الوثائقيات عن الداخلين من الأعاجم في الإسلام عبر هذه المسالك لنرى أنهم نسخة طبق الأصل من النموذج الحرفي للإسلام، كما يكفي أن ننظر في حالة بعض الفئات المتأثرة داخل مجتمعاتنا بتلك الدعوة وميلهم إلى الانغلاق واستسهال تكفير الآخرين لنخرج بانطباع عن خطورة الوضع. بالإضافة إلى الأموال التي تضخ لنشر تلك المفاهيم (عبر الإعلام المرئي بالخصوص) تستند ترسانة الضغط إلى التحكم في أحد أركان الإسلام الخمسة، وهو الحج، وفرصة الدعاية التي تمنحها هذه المناسبة سنويا، بل وطيلة السنة عبر منسك العمرة.

يشير المؤلفان في معرض الحديث عن محمد بن عبد الوهاب إلى ثقافته الدينية وإلى مؤلفاته، معتبرين أنها ثقافة دينية سطحية لا تؤهله لأن يكون مجتهدا دينيا، كما أن مؤلفاته تتسم بإيجاز شديد ليس بالمرة إيجاز القادرين. وبالفعل فإن ما سمي برسائل محمد بن عبد الوهاب التي حاول فيها بسط نظرته لدعوته وإقناع خصومه أو مهاجمتهم لا تدل على باع طويل في المعرفة الدينية، حيث يسقط خطابه بسرعة في الشتيمة والتكفير لكل من خالفه، بمن فيهم أخوه سليمان بن عبد الوهاب الذي كان من أول معارضيه وأشدهم ضراوة. والحقيقة أنه ليس مطلوبا في دعوة دينية تنشأ في وسط بدوي شديد التخلف أن تكون نابعة عن معرفة متينة بالعلوم الشرعية ذلك أن أفق الانتظار للجموع المتلقية لتلك الدعوة لم يكن يتطلب أكثر من ذلك أو قادرا على استيعابه.

إن من يتابع “الفقه الوهابي” يلاحظ دون شك عملية الاختزال الشديد التي قام بها صاحب الدعوة لكل التراث الفقهي الإسلامي ليصل في النهاية إلى تلخيصه في بعض النقاط التي لا تهم سوى الجانب الطقوسي، بل ومختزلة الجانب الطقوسي نفسه في فقه الموت واللباس. يتمثل هذا الاختزال في الانتقال من المفهوم الواسع والمنفتح للإسلام، بالقفز على اجتهادات المذاهب الأربعة، وعلى ثراء الحنبلية النسبي، وعلى كل ابن تيمية وابن القيم الجوزية، ليصل في النهاية إلى نوع من التمثلات البدائية للإسلام. والحقيقة أن آخرين، في الجهة الأخرى تماما، يقطعون نفس المسار، ولكن في اتجاه عكسي، ليصلوا في النهاية إلى تقييم للإسلام من خلال بعض تعبيراته الأكثر سطحية وحرفية مثل الوهابية، فتصبح هذه الأخيرة هي الإسلام، وهي ممارسة لا تقل اختزالا وحرفية وسطحية. في كلتا الحالتين يعبر الأمر عن كسل فكري شديد وعن رغبة في الانتهاء سريعا من تصنيف طرف لا يروقنا وكذلك عن هوية منغلقة عن ذاتها، بغض النظر عن طبيعتها وشكلها. وفي حين يتكفل الوهابيون بإعطاء تلك الصورة عن الإسلام، يتلقف المناوئون لهذا الأخير الفرصة لتصفية حسابات أخرى لا تقل سخافة.

من الغريب أنهم كانوا يدرسوننا الدعوة الوهابية في التعليم الثانوي في إطار حركات الإصلاح الديني، في صلب حركة النهضة الفكرية في العالم الإسلامي، مع تركيز مبالغ فيه على دورها في “مقاومة البدع” و”العودة إلى نبع الإسلام الصافي”، مع تجاهل تام لطبيعة “الإنجازات” التي قام بها أنصارها وحماتها ضد قبائل شبه الجزيرة ومدنها وعلمائها حيث كانت تطلق على كل مخالفيها تسمية “الطاغوت” وتعتبر ذلك التصنيف مبررا لاستحلال دمائهم وأملاكهم. من زاوية نظر تاريخية بحتة جاءت الوهابية استجابة لحاجيات محلية ضيقة في بيئة منغلقة على نفسها لم تعش التحدي الأجنبي ولم تكن بالتالي قادرة، ولا كان مطروحا عليها من الأصل، أن تنطق بأسئلة الحداثة. غير أن بعض المصلحين، ومنهم رشيد رضا، وجدوا  في دعايتها طاقة اعتقدوا أنه يمكن تجييرها لتكتيل العالم الإسلامي ودفعه إلى إعادة اكتشاف جذور هويته الثقافية بما يمكنه من الصمود بنجاعة أكبر في وجه خطر الهيمنة الأجنبية. نجد هذا السلوك السياسي-الثقافي أيضا لدى الكثير من رموز العمل الوطني في المغرب العربي. فعبد الحميد بن باديس قاوم أيضا “البدع” وكذلك الشيخ الثعالبي وبورقيبة لاحقا في تونس، وكانت تلك أول مخابر العمل الدعائي الوطني، لكنها كانت مقاومة تستند إلى وعي أعمق بطبيعة المجتمع والفئات المهيمنة عليه وإصرار على تحريره من القوى المكبلة لمسيرته، وخاصة الطرق الصوفية التي كانت، في هذه الفترة، خير مساعد لمخططات الاستعمار في الهيمنة على المجتمع.

ومنطق “مقاومة البدع” ليس سيئا في حد ذاته مبدئيا، ولكن وجب علينا أن نحدد طبيعة البدعة ومقاييس تصنيف السلوكات العامة والخاصة التي تدخل تحت طائلتها. وبافتراض اتفاقنا على أن تلك مثلا بدعة، فإن المرور من التصنيف إلى التكفير وإلى الإقصاء من دائرة الإسلام، ثم إعلان الحرب على آتيها واستحلال دمه وماله، يعبر عن سلوك لا يبدو أن الإسلام ومحاولة تنقيته من الشوائب غرضه الأصلي. عندما تلتقي الدعوة الدينية بمشروع سياسي، لا يصبح البحث في طبيعة الأولويات إلا تأكيدا للعلاقة بين حاجيات كلا الطرفين، وهو ما شكل “ميثاق نجد” انطلاقته الفعلية: دعوة في حاجة للانتشار، وزعيم قبيلة في حاجة إلى شرعية دينية من أجل إعطاء مشروعه السياسي مقبولية لدى الآخرين. هنا تصبح الدعوة عصبية سياسية الهدف منها الهيمنة والتجميع، وتصبح طبيعة الدعوة جد ثانوية. لا يصعب بعد ذلك التحول من الإقصاء الديني إلى الإقصاء السياسي، بل يصبح هذا الأخير هو صاحب الأولوية في المنطق الداخلي للميثاق المذكور. تعطي الوهابية إيديولوجيا للنظام ونقيضه في الوقت نفسه، وهو دليل على الدور الخطير الذي يمكن أن يلعبه التقاء الدعوة الدينية بالمشروع السياسي. وفي المثال السعودي بالذات، فإن الدعوة الوهابية التي تعطي للنظام الملكي عصبيته الدينية، تمنح نقيضها السياسي، تنظيم القاعدة، نفس الشرعية.

يسهب المؤلفان في تناول الردود الكثيفة على الدعوة الوهابية في شبه الجزيرة وخارجها إلى حدود الهند، مع بعض التأكيد على طبيعة الظرفية التاريخية التي جعلت بعض الفضاءات تتقبلها جزئيا أو كليا. كما يتناولان دور الحج في نشرها، حيث يميلان مثلا إلى اعتبار أن الرسالة الوهابية إلى تونس والمغرب لم تكن رسالة مباشرة من سعود إلى حكام البلدين وإنما كتابات وروايات نقلها الحجيج العائدون،  وهو أمر يجعله إيراد ابن أبي الضياف للرسالة الوهابية شديد النسبية. يتناول المؤلفان أسباب تقبل المسلمين الهنود للدعوة الوهابية ويفسران ذلك بطبيعة العزلة الإثنية والدينية التي كان هؤلاء يعيشونها في وسط الأغلبية الهندوسية، مما يجعل من ذلك التقبل نوعا من البحث عما يؤكد هوية مخصوصة. أما في مثال مولاي سليمان سلطان المغرب، فإن تعاطفه النسبي(1) مع الدعوة الذي جاء بعد التصريح بموقف السلطات الدينية برفضها الشديد لها أمر مرتبط طبيعة التحديات التي كانت تواجهها سلطته حيث سعى للتخلص من سيطرة الطرق الصوفية ذات الحضور اللافت في الفضاء العمومي. فيما عدا ذلك واجهت الوهابية رفضا باتا، حتى على أبواب عاصمتها “الدرعية” وفي مكة والمدينة عاصمتيْ العلم الشرعي، ولم ترضخ لها تلك المعارضة إلا بعد إلحاق الهزيمة العسكرية بها على يد قبيلة عنزة والقبائل المنضمة إليها. في أثناء ذلك يتوقف المؤلفان على مادية عملية الانتشار ودمويتها، ملتقطين من المصادر شناعة عمليات التدمير والقتل التي صاحبته، مثلما حصل في كربلاء(2) وحتى في المدينة، ونهب حجرة الرسول، وتدمير مقابر الصحابة والتابعين، كل ذلك بحكم تأويل ظاهري لحديث منسوخ بواضح التصريح (“كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها)، وتجاهلا لعبرة زيارة القبور (سورة التكاثر). تحولت دار الإسلام إذا إلى دار حرب، ولم يعد للنية التي تعتبر الركن الأصلي للإيمان  لكل طقوس الإسلام أية قيمة، واعتبر كل من عارض الدعوة خارجا عن الملة الإسلامية يصبح قتله ونهب ماله حلالا محللا.

في ثنايا الكتاب يستنتج المؤلفان أن الوهابية قد دشّنت عصر التكفير ومفاهيمه التي تبنتها الحركات الإسلامية منذ سيد قطب، وخاصة استخدام مصطلح “الطاغوت” و”حكم الجاهلية”، معتبرين الوهابية أصل التحول من الإسلام إلى الإسلام السياسي ومدشنة عصر التكفير المعاصر. كما يعتبران أنه في مواجهتها لم يكن بوسع المؤسسات الرسمية الدينية من فقهاء وشيوخ دين سوى النهل من نفس منبع الإقصاء والتكفير، مما يسقط الجميع في الفخ ذاته. نعتقد أن الخلاصتين متسرعتان بعض الشيء، بل إنهما تبدوان ضعيفتيْ العلاقة بمضمون الدراسة الدسم. ففيما يخص العلاقة بين الوهابية والحركات الإسلامية، تقفز الخلاصة على التباينات داخل هذه الحركات، وهي تباينات ليس من الهين اعتبارها ثانوية. فمصطلح “الطاغوت” لدى سيد قطب يختلف في معناه عن ذلك الذي استخدمته الوهابية، حيث يركز بصفة واضحة على “الطاغوت السياسي”، في حين تعمم الوهابية استعماله على كل الفضاءات، بل تجعل مغزاه السياسي ضعيفا جدا مقارنة بمغزاه الديني. أما الخلاصة حول طبيعة ردود الفعل على الوهابية في العالم الإسلامي فإنها بسعيها إلى التعميم بين الماضي والحاضر تبتعد قليلا أو كثيرا عن المشهد الراهن للجدل المحتدم بين الوهابية ومعارضيها. هل يعتبر المؤلفان أنه من الضروري “لتنشيط” الرد على الوهابية وعلى كل “الخطاب التكفيري”  لحركات الإسلام السياسي أن تقع إعادة الاعتبار للمؤسسة الدينية الرسمية ودفعها للانخراط في مسار الرد من منطلق يلغي التكفير والاستناد إلى التصنيفات المنطلقة من فهم للإسلام دون آخر؟ أم أن على أطراف أخرى أن تواجه الأمر؟ نعتقد أن المؤلفين يكتفيان بطرح المشكلة دون إسهاب في احتمالات التصدي الممكنة والأطراف التي يحتمل أن تقوم بتأمينها، وهو ما يدلّ على حيرة حقيقيّة قد نشاركهما إياها.

كما أن طبيعة الجدل والصراع في المشهد الإسلامي قد تحول الآن بما جعله يتجاوز الجانب الفقهي المخصوص ليتخذ صبغة طائفية يصبح الوهابيون بمقتضاها محتكرين الساحة السنية في مواجهة ما يسمى بالتمدد الشيعي، وهو ما يعيدنا حتما إلى المربع الأول: الإيديولوجيا الدينية التي تغطي على مصلحة سياسية إستراتيجية تغذيها صراعات القوى الدولية والإقليمية.

إن ما نعتقده هو أن طموحات الأفراد السياسية وكذلك مخططات الهيمنة التي تصوغها مصالح الدول هي الأساس، وليس طبيعة الدعوة الدينية التي تغدو مجرد غطاء للتبرير وستارا من الشرعية المحتاج إليها لتكتيل الجموع وراء مشروع سياسي بالأساس. لا يبدو الأمر، من زاوية تاريخية صرفة، مقصورا على الإسلام، ولا على المسلمين، بغض النظر عن مذهبهم أو طبيعة الدعوة التي ينساقون فيها. فقد شهدت المسيحية حروبا أعنف وأطول مدى لتناقضات في تأويل نصوصها ظاهريا، أنتجت انشقاقات لا تزال مظاهرها ماثلة إلى اليوم في خريطة المسيحية والغرب. غير أنّ حدّة هذه الانشقاقات قد خفّت إلى درجة الزوال تقريبا عندما وقع تحرير الكنيسة من سيطرة الدولة، وعندما تحرّرت الدولة من الاضطرار للشرعية الدينية، لتؤسّس لنفسها شرعية الانتخاب الديمقراطي.

ألم يحن الوقت بعد لوضع الحصان في مكانه الصحيح، أمام العربة وليس وراءها، بالنسبة إلينا نحن؟
الهوامش:
1-  ينبغي في نظرنا الإشارة إلى أن تأويل المؤلفين لرسالة السلطان والقصيد المدحي الذي أرسل مع وفد الحجيج بقيادة ابن السلطان كدليل على إمكانية أن يكون المولى سليمان قد تبنى الدعوة الوهابية أمر قابل للنقاش. فالرسالة المعنية تبين نقاط الالتقاء بكثير من الحذر ودون دخول في التفاصيل، مما يجعل منها رسالة ديبلوماسية أكثر منها رسالة مبايعة/ أما القصيد، فقد نظم على وزن قصيدة البردة، بل إنه يبدو كمعارضة شعرية لها، وهو ما يحمل الكثير من المعاني الرمزية التي تبتعد بنا عن احتمال تبني السلطان وممثليه  للدعوة المذكورة.
2- دخول 14 ألفا المدينة ونهبها وقتل ثلث سكانها الستة آلاف في ظرف خمس ساعات (قتل ألفي شخص حسب ابن بشر و5 آلاف حسب بيركهارت من ضمن عدد حملي للسكان يقارب الستة آلاف).

– الردّ على الوهابيّة في القرن التاسع عشر، نصوص المغرب الإسلامي نموذجا، حمّادي الرديسي وأسماء نويرة، (دار الطليعة، بيروت 2008).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This