أَخْتَـامُ الْبَـرْقِ

  خَتْمٌ 1

             طِفْلَتِي،

كَالْمِيــاهِ  تَ مَ زْ زَ قُ

فِي قَاعِ هَذِي الصُّخُورْ …

كُلُّ شَيْءٍ لهَا فِطْرَةٌ لَمْ تُعَوَّدْ عَلَيْهِ

كُلُّ شَيْءٍ لَهَا غِبْطَةٌ وَحَرِيرْ

كُلُّ شَيْءٍ لَهَا…………

كَحَليبِ السُّلالَةِ عُمْقَ الْعُصُورْ.

وَأَنَا وَلَدٌ مَاطِرٌ فِي بِلاَدِ الصَّحَارَى. أُطَوِّفُ

مُرْتَبِكَ الرَّغَبَاتِ عَلَى حَجَرِ اللاَّزَوَرْدِ،

وَمُعْجِزَتِي فِي وِفَاضِي، وَأَسْئلَتِي مُشْرَعَةْ…
  خَتْمٌ 2

اِمْتَلأْتُ، كَجَرَّةِ خَمْرٍ

بِضحْكَتِها. وَبَدَأْتُ أُفَكِّرُ فِي

عَالَمِي الدَّاخِلِي. قُلْتُ: ( لِي أَنْ أُحِبَّ

جَدَائِلَهَا البَدَوِيّةَ جِدًّا. أُحِبَّ شَراَسَتَهَا

فِي الْغِيَابِ. أُحِبَّ الأَقَاصِي… )

وُقُلْتُ: ( أَنَا بَيْدَقٌ تَائِهٌ فِي الدُّرُوبِ،

وَلِي وِجْهَتاَنِ عَلَى رُقْعَةِ الشِّطَرَنْجِ،

هُنَا قَاتِلِي، وَهُنَــاكَ  ……. خَلاَصِي )

وَقُلْتُ: ( أُشَرِّدُ فِي شَجَرِ اللَّوْزِ قَلْبِي. وَأَحْرُسُ

مَخْطُوطَةَ الشِّعْرِ – هَذِهِ – مِنْ دُودَةِ الْجَدْبِ،

تَزْحَفُ فِي زَمَنٍ فَاجِعَةْ… )

خَتْمٌ 3  

عَادَةً، مَا تَجِيءُ الْقَصِيدَةُ فِي أَوَّلِ الْفَجْرِ،

لَكِنَّ مُفْرَدَتِي أَرْهَقَتْنِي كَثِيرًا. وَسُرَّتُهَا،

دَاخِلَ الْعَتَمَاتِ، مُضَلِّلَةٌ مِثْل دَغْلٍ غَرِيبٍ.

هِيَ الْوَرْدَة ُ الْمُسْتَحِيلَةُ، نَائِمَةٌ

فِي كِتَابِ الأَسَاطِيرِ كَالْمَلِكَاتِ،

وَمَحْفُوفَةٌ بِحَرَائِقِ وحْدَتِهَا…

أَيَّ عَاجٍ أَبُوسُ عَلَى رُكْبَتَيْهَا !؟

وَأيَّ مِيَاهٍ مُهَجَّجَةٍ بِالتَّعَاوِيذِ، أَمْتَحُ

مِنْ عُمْقِهَا الشِّعْرَ، مُزْدَحِمًا بِغوَايَتِهَا !!؟

قَدْ تَجِيءُ الْقَصِيدَةُ فِي أَوَّلِ الْفَجْرِ،

فَانْتَظِرِ الْفَجْرَ، وَانْتَظِرِ الْمَرْأةَ السَّاطِعَةْ.

    خَتْمٌ 4
( رُبَّمَا بِمَهَارَةِ قِطٍّ، سَأَدْخُلُ عَرْشَكِ.

صَارِيَةٌ لِلتَّرَحُّلِ أَنْتِ. وَأَنْتِ الْبَهَاءُ الْمُحَاصَرُ

بِالْعَسَسِ السَّاقِطِينَ. وَأنْتِ الْمَمَالِكُ، تَسْبَحُ

مَخْبُوءَةً فِي الأَسَافلِ – قُلْتُ لَهَا –  سَوْفَ أدْخُلُ

عَرْشَكِ مُرْتَبِكًا، كَالطُّيُورِ الشَّرِيدَةِ. أَرْقُدُ

مُحْتَفِلاً، بِضَفَائِرِ لَيْلِكِ. أَكْتُبُ شِعْري بِيُسْرٍ،

كَمَا يَعْبَثُ الطِّفْلُ بِالْعُشْبِ وَالْمَاءِ وَالتُّوتِ،

فِي بَاحَةِ الْبَيْتِ. لاَ خَوْفَ، لاَ دَمَ، لاَ مَوْتَ.

أَحْلُمُ : فِي وُسْعِ صَوْتِي اسْتِعَادَةُ مَا ضَاعَ

مِنْ لَحْمِنَا، لَوْ كَتَبْتُ الْقَصِيدَةَ وَاضِحَةً.

سَوْفَ أَكْتُبُهَا فِي غَدٍ قَادِمٍ، سَوْفَ أَكْتُبُهَا

رَغْبَتِي، سَوْفَ أَكْتُبُهَا هَذِهِ الْ … مُوجِعَةْ. )
    خَتْمٌ 5

هَكَذَا،

سَأَعَضُّ عَلَى ذَهَبٍ لَيِّنٍ يَتَمَوَّجُ،

كَالْوَهْمِ فِي جَسَدِ البُرْتُقَالةِ. أُبْدِعُ  مَرْجَانَهَا

الأُفْعُوَانِيَّ مِنْ ضَرَبَاتِ البُرُوقِ الرَّجِيمَةِ. أَنْقُرُ،

فِي لَوْحِهَا، صَرَخَاتِيَ فِي ظُلُمَاتِ اللَّيَالِي…

هَـكَذَا،

سَأُعَلِّقُ رَأْسِي عَلَى بَابِ سُرَّتِهَا. وَأُكَلِّلُ

هَذِي الْعَنَاقِيدَ بِال تْ تَ مْ تَ مَ ا تِ.

وَأُطْلِقُ تَفْعِيلَتِي فِي الأَعَــالِي…

هَــكَذَا،

تَسْتَطِيعُ الْحَمَامَةُ أَنْ تَتَأمَّلَ صُورَتَهَا جَيِّدًا،

فِي مَرَايَا الْخَلاَيَا، تَرَى أُمَمًا تَتَجَمْهَرُ

مِثْلَ الصَّعَالِيكِ فِي رِعْشَتِي الشَّاسِعَةْ.

خَتْمٌ 6

كُلُّ شَيْءٍ سَيَسْقُطُ مُحْتَرِقًا، في يَنَابِيعِ بُحَّتِهَا.

كُلُّ شَيءٍ سَيَسْقُطُ فِي قَبْضَةِ الرِّيحِ، لَوْ صِرْتُ

شَاعِرَهَا في الْوُجُودِ، وَخَزَّافَ شَهْوَتِهَا…

كُلُّ شَيْءٍ سَيَسْقُطُ، مُنْدَهِشًا :

اَلْغَمَامَاتُ فِي الأفْقِ/ أَوْرَاقُ أَشْجَارِنَا

فِي الْحَدِيقَةِ/ شَوقِي إِلَى أَنْ أَرَاهَا قَرِيبًا بِبَاجَةَ(1)

عَلِّيَ أَقْرَأُ آخِرَ مَا تَرْجَمَتْهُ أَصَابِعُهَا

مِنْ قَصَائِدِ إِلْيُوتَ، مُنْسَحِقًا في مَحَبَّتِهَا…

كُلُّ شَيْءٍ سَيَسْقُطُ يَسقُطُ

يَسْقُطُ

مُلْتَبِسًا بِالخُرَافَةِ، فِي لَحْظَةٍ لاَ تُسَمَّى،

تَحَنَّطُ فِيهَا دُرُوبُ الدُّنَى الأَرْبَعَةْ.
خَتْمٌ 7   
( نَحْنُ صِنْوَانِ

– قُلْتُ لَهَا –  كُلُّ مَا فِي دَمِي

مِنْ حَلِيبٍ جَسُورٍ يَتُوقُ إلَيْكِ. يُحِبُّ

يَدَيْكِ الْبِدَائِيَّتَيْنِ. يُسَبِّحُ بِاسْمِكِ

فِي مَهْمَهِ اللَّيْلِ، مُشْتَعِلاً بالْحَنِينِ…

فَهيَّا امْنَحِينِي قَلِيلاً مِنَ الْوَقْتِ،

حَتَّى أُضِيءَ لَكِ الْفَجْرَ مِن شَبَقِي. وَأُعِدَّ،

مِنَ الكَلِمَاتِ الشَّهِيَّةِ جِدًّا، لِقَلْبِكِ هَذَا الصّغِيرِ

فَطُورَ الصَّبَاحِ. وَأَنْفُخَ فِي الكَائِنَاتِ الّتِي

لَيْسَ يُدْرِكُهَا أَحَدٌ، كَيْ تَجِيءَ، وَتَأْكُلَ مِنْ

بَهْجَةِ الْعَاشِقَيْنِ، عَلَى قِمَّةِ التَّلِّ، وَحْدَهُمَا… )

( نَحْنُ صِنْوانِ

– قُلْتُ لَهَا –  وَتَذَكّرْتُ خُطْوَتَنَا،

وَهْيَ تعْبُرُ، وَاثقَةً، مَدْخَلَ الجَامِعَةْ… )

  خَتْمٌ 8

               لَوْعَتِي

عَسَلٌ غَامِضٌ،

كَذُهُولِ الْعَصَافِيرِ، وَهْيَ تُطِلُّ

عَلَى مَشْهَدِ اللَّذَّةِ الْمُسْتَعَادَةِ مَنْذُورَةً لِلصُّعُودِ.

لَوْعَتِي

عَسَلٌ فَادِحٌ،

كَبُكَاءِ الطُّفُولَةِ أوْ كَبُكَاءِ الْبِيَانُو،

أَمَامَ أَصَابِعِ شُوبَانَ، يَعْزِفُ

دَاخِلَ وحْدَتِهِ فِي شِتَاءٍ بَعِيــدِ…

لَوْعَتِي

عَسَلٌ مُرْبِكٌ، يَتَفَجَّرُ

كَاللُّؤلُؤِ الْفَذِّ في عَظْمِنَا، وَيُفَتِّتُ

صَخْرَ اللُّحُودِ، وَيُعْلِي عَذَابَاتِنَا الرَّائِعَةْ…

    خَتْمٌ 9

( اِحْتَرَقْتُ  كَثِيرًا، بِحُبِّكِ

               – قُلْتُ لَهَا –  أَنْتِ فِي الْقَاعِ،

مُوغِلَةٌ فِي خَفَاءِ الْعُرُوقِ، تَنَامِينَ

مَسْحُورَةً، لَكَأنَّكِ آلِهَةٌ زَاهِدَهْ.

 

وَأَنَا مُومِيَاءُ الْحُرُوبِ الأَخِيرَةِ،

مُنْهَزِمٌ كَالْحَضَارَةِ، مُنْهَزِمٌ

كَالْعُرُوبَةِ فِي الْقَلْبِ، مُنْهَزِمٌ

كَالْكِتَابَةِ فِي وَهْمِهَا / غُنْمِهَا صَاعِدَهْ !

يَتَآكَلُ، مُذْ أَوَّلِ الْحُلْمِ وَجْهِي. وَأقْبَعُ،

مِثْلَ الفَرَاشَةِ، فِي ظُلْمَةِ الْقَوْقَعَة…ْ )

  خَتْمٌ 10

مُنْذُ شَهْرَيْنِ، وَاجَهْتُ ” رَامْبُو”

             صَدِيقِي، وَحَدَّثْتُهُ عَنْ رُؤَايْ :

( صَارَ لِي أُفُقٌ مُغْلَقٌ، كَالْقَصِيدَةِ تَجْرِي

عَلَى الْمُتَدَارِكِ فِي زَمَنِ الاِنْكِسَارَاتِ

أَوْ كَالْهَوَاءِ الْمُخَثَّرِ تَحْتَ سَمَاءِ الْحَرِيقِ )

كَانَ لاَ بُدَّ مِنْ شَرِّ أسْئِلَتِي :

( مَا الَّذِي يَدْفَعُ الشُّعَرَاءَ إِلَى الْمَوْتِ صَمْتًا ؟! )

وَلَكِنَّهُ لَمْ يُجِبْ. لَمْ يُعِرْنِي اهْتِمَامًا،

كَأَنَّهُ أَنْكَرَنِي، وَكَأَنِّي ضَلَلْتُ طَرِيقِي…

إِنَّمَا، خَاتَمُ الْبَرْقِ آيَتُهَا. كُلَّمَا أَشْرَقَتْ

فِي عِدَادِ الصَّبَاحَاتِ، تَنْدَعِكُ الشَّهَوَاتُ بِقَامَتِهَا،

وَ تُ غَ مْ غِ مُ  فِي لُغَتِي الْبَجَعَةْ…

هامش:

1-   مدينة في الشّمال التّونسيّ.

المكّي الهمّامي:  شاعر من تونس

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This