خبز ورسالة حبّ ولعناتٌ أخرى

ياللّعنة.. أنا في الشارع منذ الفجر، الساعة ربّما تكون الخامسة، وآثار نومي وإن كان قصيراً لاتزال متبديةً على وجهي ومشيتي، على وجهي بصورة ِ ملامح عصبيةٍ وشرودٍ لاينتهي، وعلى مشيتي التي تبدو كمشية حاجٍّ لا غفران له. أماّ السبب في هذه الرحلة القسرية فهو البحث عن مخبزٍ يبيعني بعض الخبز، ونفسي موزعةٌ بين الغضب الشديد من الاستيقاظ في هذا الوقت المبكر، وبعض من الأمل بتناول رغيف الخبز الحار علله يسكّن اضطراب معدتي الذي رافقني منذ أبدلت عادة تناول العشاء بأربع كؤوس من العرق أو خمس أو ست أو ….. قبل النوم.

      وقت الفجر، حركةٌ لاتتعدى بضع أشخاصٍ وسياراتٍ يعبرون الشوارع الفارغة والتي تبدو لكآبتها أقرب إلى الأنفاق منها إلى الشوارع، أغلب المارة من أصحاب بقاليات بيع الخضار الذين يتجهون في هذا الوقت إلى السوق المركزي ليشتروا بضائع دكاكينهم، أما البقية فبعض مجندو الخدمة الإلزامية الهاربون من سأم الحراسة إلى الشوارع، وها هم بعد ان أنهوا تسكعهم الليلي ينتظرون سيارةً عابرةً تقلهم إلى أماكن قريبةٍ من ثكناتهم، وبعض العجائز الذين توقظهم شياطين الفجر والخبز في هذا الوقت، ومراهقون عائدون من سهراتٍ لا تنتهي.

فجرٌ رمادي، نسمات خريفية باردة، شوارع مقفرة، وهدوءٌ لاتقطعه إلا ضحكات المراهقين الصاخبة أو ثرثرة العجائز الذين يلتقون صدفةً في رحلتهم اليومية. ذاك هو البورتريه الحي المتكرر لمدينتي في كل فجر، والذي لم أعد جزءاً من تفاصيله ربما منذ سنوات سبع.

بعد جولةٍ على أربعة أو خمسة أفران فشلت في الحصول على الخبز منها، وصلت إلى فرنٍ بعيدٍ نسبياً عن منزلي، واقفاً قرب النافذة ناظراً بشهوة مفضوحة إلى إبريق الشاي المسود الجوانب، والذي يبدو أن عمال المخبز قد حضروه منذ وقتٍ ليس بالقصير، باغتني أحد العمال المتجهمين بعبارةٍ تقليدية: (أمور معلّم).

اللعنة على الوجوه المتجهمة في الصباح. وجهي ليس أفضل حالاً. من يصدّق أنّه سيرى كلّ هذا التجهّم في مدينةٍ تطلق أكثر من تسعة أعشار النكات التي يتداولها سكان المدن الأخرى في بلدي.

عاملٌ آخر يكرر سؤال زميله مردفاً إياه بمزحتين قصيرتين وبارعتين ـ ها نحن في حمص حقاً ـ أجبت السؤال بمزحةٍ بدت لي سمجةً بعد أن قلتها ( أريد طلاء أظافر)، وبجملةٍ جافة: ( تلت رُبَط خُبْز معلِّم) قلت الجملة الأخيرة بالعامية الممطوطة التي أكره سماعها ولفظها.

فاجأني العامل بردٍّ غريب إذ مدَّ يده بثلاثة أكياس برتقالية من النايلون وطلب مني أن أدخل القسم الثاني من المخبز وحدي وأمد يدي إلى السير الحديدي الذي تمشي عليه أرغفة الخبز لحظة خروجها من بيت النار وأتناول أرغفتي.

شعرت باستغرابٍ شديد، لمَ يطلب البائع منّي أن آخذ خبزي وحدي ومن داخل المخبز، والمفترض أن العامل هو من يتولى عدّ الأرغفة الثماني، ثم وضعها في الكيس ذي اللون الشفاف عادةً. على كلٍّ، لمَ الاستغراب؟ للحماصنة في ما يربطون مذاهب.

دسست في جيبي الليرات الخمس التي أعادها لي البائع من أصل خمسين ليرة دفعتها له، واتجهت إلى القسم الثاني من المخبز وأنا أفكر: ثلاث ربطات من الخبز بخمس وأربعين ليرة، أي أن سعر كيلو الخبز الواحد تقريباً عشر ليرات. ياللرفاهية. من قال أننا نعيش على حافة الفقر. ابتدأت بسل الأرغفة عن السير الحديدي، ونقلت الدفعة الأولى منها ووضعتها بشكلٍ منفرد على حافة جانبية واطئة كي تبرد حرارتها قليلاً قبل أن أضعها في كيسٍ النايلون.

يا إلهي… إنها الأرغفة الشهية المحمرة الجوانب، مثيرةٌ هذه الأرغفة.. ربما تشبه أثداء النساء اللواتي رأيتهن مرة ً يلطمن صدورهن حزناً على موت أحبتهنّ . لكن لا.. أثداء النساء أشهى وأشد حرارةً. ياللّعنة.. ماهذه الشهوانية المرتبطة بالموت في هذا الفجر المبكر، ربما أن الأرغفة تشبه خدود الأطفال على ما يقول الرومانسيّون ومغنّو الالتزام.. لست أدري حقاً.

انتهيت من فرد الأرغفة على الحافة، وعدت لآخذ القسم الثاني من السير الحديدي، اللعنة الخبز الذي يعبر السير الآن محترقٌ بأغلبه، لن آخذ أرغفتي الآن، فلأنتظر قليلاً. ثمة أشياءٌ غريبة ٌ تعبر السير الحديدي، فطائر محلاة، حلويات مختلفة الأشكال، خبزٌ عربي يُصنع عادةً في التنور لا في هذه المخابز الحديثة، تساءلت بدهشةٍ عن سبب وجود هذه الأشياء هنا، إلا أن الاستغراب سرعان ما يخلي مكانه لأحاسيس أخرى، رسائل المعدة الفارغة تشتدُّ تواتراً، وتوحي لك بفعلٍ ما…..؟ السرقة؟.. لكن من أين أتت هذه الأشياء إلى المخبز المختص فقط بصنع الخبز، وأنا هل سأسرق…؟ لايهم، سيلان اللعاب يتغلب على الأخلاق، وانكماش المعدة بسبب الكحول أقوى من الأسئلة الفارغة. ثم قطعتان أو ثلاث لن تؤدي إلى نقصان كبير في هذه الكمية الهائلة من الحلويات. قطعة، فاثنتان، فـَ……..

أخذت القسمَ الثاني من الأرغفة وعدت إلى  الحافة الواطئة، ياللعنة… ثمة من سرق خبزي، ماهذه الصفاقة، كدت ان أطلق شتائمي على لا احد لكني هدأت فجأةً، ضحكت، وأنا؟ ماذا كنت أفعل منذ قليل؟ فلأعد إلى السير الحديدي وآخذ بدلاً من أرغفتي المسروقة. الخبازون لايروني الآن، وإن كنت منذ البداية لم أفكر بتجاوز الكمية المخصصة لي رغم سهولة ذلك، فإني لن أفكر الآن بذلك، والبائع لايحصي أرغفته وانا سآخذ نفس الكمية الأولى بالضبط، الكل راضٍ، والأهم من هذا سريري ينتظرني ولم يتبقَّ لي سوى نصف ساعة من النوم.

عدت بالأرغفة الجديدة إلى الحافة وإذا بالقديمة قد سرقت أيضاً، لاوقت للتفكير، إلى السير الحديدي مرةً أخرى. ثمة عجوزان يقفان على نافذة المخبز ويثرثران بحماقة عن أزمة الخبز ويتذكران أزماتٍ سابقة ماثلة، اللعنة على العجائز وعلى الأزمات السابقة واللاحقة، وعلى اللص اللعين الذي يسرق خبزي، من يظن نفسه (جان فالجان) هذا، لم لا يأتِ ويسرق الخبز  من السير الحديدي ويترك خبزي وشأنه؟.

جمعت أرغفتي كلها دفعةً واحدة وقررت أن أحزمها في الكيس دون تبريد، فأنا على هذه الحال منذ أكثر من نصف ساعة، ويمكن لي أن أبرّد الخبز في المنزل.

خرجت من المخبز، الصباح تقدّم بشكل كبير، آخر ألوان الفجر قد تبددت تماماً، الشمس تصارع للخروج من الرمادي الكثيف في الأفق، عمال ورشات البناء بدؤوا بالخروج من منازلهم إلى صباحات الشقاء، والعسكريون وباصاتهم القادمة من عصرٍ آخر باتوا  يملؤون الشوارع، ما أكثر العسكريين في هذا البلد، وما أقلَّ الحروب، ليس شأني هذا.

أتلفَّت يميناً وشمالاً بحثاً عن وجه امرأةٍ يُدخل بعض التغيير على المشهد الرمادي الممتزج بالأخضر المموَّه، لكن عبثاً، بعض العجائز فقط، اللعنة على العجائز. ما من امرأةٍ شابة تخرج من منزلها في هذا الوقت، الموظفات وطالبات الجامعة لازال يفصلهن أكثر من ساعة عن الخروج إلى يومياتهن، والأمهات الشابات (آه من الأمهات الشابات) لم يخرجن بعد لانتظار باصات المدارس مع أبنائهن المذعورين.

أعوِّض خيبتي الصباحية بمحاولةٍ محمومةٍ لتخيّل صور النساء اللواتي بدأن بالاستيقاظ الآن، ناعساتٍ ينضحن بالغنج الكسول عند الصباح، أو نشيطاتٍ متأهباتٍ دوماً لموعدهن الصباحي الدائم مع الحمامات والجمال والمرايا، اللعنة على النساء في الصباح، بأي شياطينٍ حلمت كل هؤلاء النساء المعجزات في نومهن، وأي دفءٍ لذيذ تركنه الآن مهجوراً على الملاءات والأسرة. كتفاي ترتجفان بلذةٍ محمومة، ومشيتي تزداد تعثراً، اللعنة على ملاءات وأسرة نساء العالم بأسره، اللعنة على اللورد بايرون الذي تمنى لو أن لكل نساء العالم فماً واحداً يقبله مرةً واحدة ويرتاح، اللعنة على أبي الذي لم يكن لورداً أرث لقبه، وأستطيع حينها ان أتمنى ما أشاء، من يعطيني أسرة نساء العالم كله أتخبط بدفئها في هذا الصباح الأحمق، اللعنة على الشهوة اللعينة التي تمسك بتلابيبي في هذا الصباح، لا أريد أسرّة نساء العالم، أريد سرير حبيبتي فقط، أغرق في روائح ليلها وأسري عن جسدي بدفء أحلامها، اللعنة على الخدمة الإلزامية فأنا لم أرَ حبيبتي منذ أكثر من شهر، المغادرات قصيرة ولا تسمح لي بالسفر إلى مدينةٍ أخرى لأمضي معها يوماً كاملاً ولا حتى ساعتين أو ثلاثا. ساعتان أو ثلاث تكفي لعبور الخيال والصدى عشر مراتٍ برفقة جميلتي. اللعنة على المفتاح الذي يدور في القفل بلا جدوى، وعلى أصابعي التي لا تتوقف عن الارتجاف في الصباح، الباب ينفتح أخيراً، وها هي غرفتي في أول المنزل، عالمٌ كاملٌ من النوم والأحلام سأعبره في نصف ساعة، وليذهب تبريد الخبز إلى الجحيم.

استلقيت بخدرٍ لذيذٍ على الفراش، وسرعان ما وجدت نفسي أقترب من حافة النوم، فكرت للحظاتٍ قليلة بحبيبتي النائمة الآن، تخيلت صدرها يعلو وينخفض ببطءٍ شديد، ويد الأحلام تهدهد نومها البعيد، فكرت بكلماتٍ أرسلها لها عبر الموبايل قبل أن أعود إلى نومي، ربما سأكتب لها أنها أشهى من الخبز في الفجر، أو أنها أكثر طمأنينة من النوم، أي هراءٍ مماثل سيكون جيداً الآن طالما أنه سيجعلها تحس أني أذكرها في كل الأوقات، فتحت عيني، بحثت عن موبايلي على الطاولة المجاورة، أمسكته لأكتب الرسالة، لكن ثمة شيءٌ غير طبيعي، لم الغرفة مظلمة بهذا الشكل، دققت النظر، ياللعنة، الساعة الآن لاتزال الثالثة والنصف فجراً، صحيحٌ أني نمت ثملاً، لكني أذكر بوضوح آخر ما سمعته قبل النوم، كان صوت أمي يعبر ممرّات المنزل الهادئة:(( اللعنة عليك ـ

لا تستغربوا لعنات أمي فنحن أسرةٌ تعتاش على اللعنات ـ الساعة الآن تجاوزت الثانية وأنت لازلت تسكر، أنسيت انك يجب ان تستيقظ في الصباح المبكر لتعود إلى الثكنة قبل أن يكتشف أحدٌ هروبك)). فإذاً أنا نائمٌ منذ ساعة أو أكثر، ولا خبز ولا نسخةٌ من جان فالجان ولا من يحزنون، وسيكون عليَ أن أمضي مكرهاً بعد ساعتين من الآن لأشتري الخبز، اللعنة على الأحلام، آه… لكن لحظة.. عمري الآن سبعة وعشرون عاماً، ومذ بدأت أعي أحلامي لم أرَ حلماً كاملاً، مذ بدأت أعي أحلامي وأهتم بتفسيرها وأنا انتظر حلماً كاملاً، وهاهو يأتيني الآن محمولاً على أرغفة الخبز والسيور الحديدية، حلمٌ كامل، هل أصدِق نفسي، أم أني الآن في حلمٍ آخر، لا أنا في اليقظة، ولا وجود لأكياس الخبز في الغرفة حيث وضعتها في الحلم منذ قليل، اللعنة على النوم، وعلى آلام المعدة التي تدهمني فجأةً الآن، لكن فرحة الحلم التام تجب ما عداها من أحاسيس، وتقضي على أي أملٍ بالعودة للنوم، وإذاً…..؟ لاشيء أبداً، ها أشباح الأرق تعاود رقودها في سريري بعد ان تغيبت بشكلٍ طارئ ٍ في الليلة الماضية، وإذاً…..؟ فإلى المطبخ عسى أن أهدّئ آلام معدتي بقطعةٍ من الخبز الجاف المتبقي منذ اليوم السابق، ربما أنا مصابٌ بقرحة معدية، لا يهم الآن، عليَّ أن أبحث عن قلمٍ وورقةٍ أدون عليها حلمي مستعيداً حتى أدقَ التفاصيل، ها هو حلمي يتحول ورقاً وحبراً، حلمي الجميل الكامل، فلأنته من تدوينه قبل موعد شراء الخبز والالتحاق بالثكنة، وهذه المرة دون أن أفكر بتفسيره أو فك رموزه أو بطريقة روايتي له، سأفكر فقط باكتماله، وربما سأرسل نسخةً عنه إلى حبيبتي على بريدها الإلكتروني في المغادرة القادمة، هذا هو حلمي، مجرد حلم ساذج وبسيط لكنه تام، واللعنة على تفسير الأحلام. اللعنة على فرويد وجاك لاكان. واللعنة على الفجر الرمادي الذي بدأ ينتشر في أفق نافذتي.

إلى من يفصل بين الخيط الأبيض والخيط الأسود ومن يصل أحلامي بحياتي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق