العدالة والحرية

تختلف القيم باختلاف وتعدّد المجتمعات التي تتبنّى هذه القيم، وحتّى الدول قد تتأسس على قيم متعددة ولكنها تهتم – بالضرورة – بالعدالة والحرية، وإلى ذاك الحد فهي مقيدة في قراراتها التي قد تتخذها.

من منظور آخر بإمكاننا أن نقارن مُثل العدالة والحرية مع مُثل الديمقراطية لنجد أنها متممة لبعضها البعض وفي الواقع فإنها مؤسِّسة لها. فالقرارات قد تُتَّخذ بشكل ديمقراطي ليس من جهة من اتخذها بل من جهة الكيفية والظروف المصاحبة لاتخاذها. القرار الديمقراطي هو القرار الذي يُتخذ بعد مناقشة مستفيضة عادلة تحيط بجميع جوانب القضية مثار البحث، وكل من له الحق في أن يدلو بدلوه فيها يأخذ حقه في إبداء الرأي، ومرة ثانية فالقرار يكون ديمقراطياً إذا أخذ أصحابه بعين الاعتبار كل ما بُحِث في المسألة، وحاولوا أن يصلوا إلى إجماع معقول بحيث يقبله جميع الفرقاء. إن مُثل العدالة والحرية بالتالي ليست فقط متأصلة في مفهوم الدولة ولكنها أيضاً ضرورية لتجعلنا قادرين – بشكل عام – على أن نتماثل ونتوافق مع القرارات التي تتخذها الدولة. لا نستطيع القول أننا نشارك في إصدار القرارات فقط على الأسس التي تم التوصل إليها والمتطابقة مع شرائع العدالة والحرية، ولكننا نرغب أن نعترف ونقر بأنها قراراتنا بالاعتماد على هذه الأسس بالذات. لذا فقط في دولة حديثة كبيرة يمكن أن تُعتبر معظم القرارات ديمقراطية بالمعنى الحقيقي للكلمة مع إمكانية تطابق إجراءات اتخاذ القرار مع متطلبات العدالة والحرية بمعناهما الواسعين.

إن الفرد هو محط اهتمام العدالة والحرية ولكن من وجهتي نظر مختلفتين. فالحرية تطرح على نفسها السؤال التالي: “من الذي ينبغي أن يتخذ القرارات؟” وتجيب على نفسها:” يجب أن يكون الفرد من يتخذها”. إلا أن العدالة لا تعير اهتماماً لمن ينبغي أن يتخذ القرارات بل لكيفية اتخاذها والظروف المصاحبة لإصدارها، من هنا يعرِّف كل من جاستينيان وأكويناس العدالة على أنها (الإرادة الثابتة طويلة الأمد لإعطاء كل ذي حق حقه). لقد أصبح اهتمام المحامين في ممارساتهم منصباً أكثر على الإجراءات: فهم يصرون على أن يتم الاستماع إلى طرفي القضية وأن الحكم ضد مصلحة أي طرف – كالحرمان من الحياة أو الحرية – يجب أن يتم التوصل إليه عن طريق قوانين محددة واضحة يتم تطبيقها على ضوء براهين قوية مستندة إلى أدلة ثابتة لا لبس فيها، وللتوصل إلى قرار ما يجب أن يكون هناك نوع من الكياسة النزيهة المعقولة. فالقرار على العكس من مصالح أفراد المجتمع يجب ألّا يتخذ مالم ……  وإتمام جملة “مالم …..” هذه يعتمد على نوعية القرار المُتَّخذ ونوعية الاعتراض الذي سيفرد ضده. ولإثارة مسألة العدالة يجب أن يكون الاعتراض على القرار مستنداً إلى حالة التعارض المؤثرة على مصلحة الفرد أو الجماعة صاحبة الشأن.

نستطيع أن نرى لماذا نحن بحاجة إلى العدالة، فلكل شخص منا مصالح ذات أهمية كبيرة بالنسبة له ولكن ليس بالضرورة أن تكون هامة للآخرين. فالبعض قد يتعاطف معي إذا سمعوا أن حياتي أو عملي في خطر ولكنهم لن يرهقوا أنفسهم بالتفكير في حالتي، ولذلك فالمصالح ذات الأولوية الاستثنائية تهم فقط الأشخاص ذوي الصلة، مع أنها ومهما كانت تعني هؤلاء الأشخاص فإنها ستلقى  عدم اهتمام ولامبالاة العامة من جهة أخرى. ولكن بما أننا جميعاً غير محصنين فكلنا نتفهم الأخطار، وبما أن مصالح كل فرد هامة – وبعضها ذات أهمية قصوى – له، وبما أن الفرد يفترض أن للآخرين مصالح أيضاً كمصالحه فإن لنا أرضية وأسسا جيدة ليكون لنا اهتمام منطقي ومتعاطف بمصالح بعضنا البعض. في ثقافتنا الحالية نميل إلى الاندماج بشكل غريزي لنؤكد أن حياة وحرية كل شخص منا هي تحت حماية العملية القضائية. من السهل أن نتوافق مع الآخرين بما أننا كلنا نعي فكرة أهمية الحياة والحرية لكل فرد منا، الأمر الذي ينطوي على حكمة لأن حالتنا ستكون أفضل إذا لم يُعامل أو يُحاكم أي شخص بطريقة غير عادلة حتى ولو كلفنا الأمر القليل من الجهد والضغط العصبي في سبيل جعل مصالح الآخرين ذات اهتمام مشترك.

نحن نعتقد أن العدالة منطقية، وهي كذلك، ولكن ليس بشكل تامّ. فهي بحاجة لأنْ تكون منطقية لأننا فقط بهذه الحالة نبرّر لأنفسنا الإضرار بمصالح الآخر وفي الوقت نفسه نأمل أن نستميله إلى قرارنا المخالف لرغبته. ولكن غالباً – كما في أي تحاجج عملاني – هنالك نقاشات وحجج وجيهة على كلا الجانبين ومن الصعب علينا والحال هذه تحديد نقطة التوازن بينهما أو اختيار جهة ما بأنها الأكثر إقناعاً لتبرير اتخاذنا قراراً ضد الشخص الآخر. ولكن في النهاية يتحتم علينا أن نختار جهة دون الأخرى. وإذا كنا دائماً قادرين على الوصول إلى قرار ما – والذي سيكون حتماً مستنداً إلى أسباب وحجج مقنعة – فعلينا أن نعزز من قوة الحجة والبراهين بحمايتها وإيلائها منعة متميزة خاصة، لذا فنحن نستخدم الشرعية – حيث هنالك دائماً التصريح باحترام الأعراف والمواثيق – لتطبيق ونشر العدالة ومعالجة أية أجزاء غير واضحة أو مبهمة فيها، ولتمكينها من الوصول إلى غايتها الاجتماعية وهي إصدار قرارت حاسمة ونهائية في النزاعات.

على الرغم من أننا قد نختلف، وقد لا تكون هنالك ربما طريقة لحل اختلافاتنا، في الوقت نفسه الذي نأخذ بعين الاعتبار فقط استحقاقات طرفي قضية معينة بمعزل عن أي شيء آخر، لكننا نأخذ أشياء أخرى بالحسبان، فنحن لا نعيش حياتنا في فراغ. ومع أن من متطلبات العدالة أن القضية يجب أن تحسم بالنظر إلى الوقائع الموضوعية لطرفي النزاع بمعزل عن أية أسباب عرضية وثانوية أخرى فيجب أن تفسر القضايا ضمن السياق المحيط بها، وأن تعزز بعناصر معينة على ضوء الافتراضات الحالية والقرارات السابقة. إن دور (السابقة)  – والتي يعني أن القضايا المتشابهة يجب أن تحسم بالمثل – ليس فقط من المتطلبات الشكلية للمعقولية ولكنها أيضاً قد تشكل دعماً مادياً بالنسبة لقرارات القضايا الفردية. وحالما تبين لنا بطريقة ما أننا رجحنا أحقية طرف على الطرف الآخر فإن هذا الترجيح يعرِّف ويحدِّد الحق ويعطيه معنىً أكثر تحديداً في المستقبل، فالحقوق بحاجة إلى أن تحدد وتوضح، وعلينا أن نبين إلى أي مدى يمكن أن تصل في وجه الادعاءات المتعارضة من قبل الآخرين وأن نقرر بشكل حاسم – في العديد من الحالات عندما يكون الجانبان على حق – لمن ستكون الغلبة. عندئذٍ سيعرف الناس على أية أرضية يقفون، وإن أية ترتيبات يتم وضعها ستُفهم بشكل واضح ويتم قبولها بحرية تامة.

وضمن نطاق الآراء المختلفة  بالنسبة لمسألة العدالة قد نتفق على أن نعطي الأولوية لرأي من الآراء وأن نتجاهل الأخرى. إن هذا الاتفاق أو الميثاق ليس فقط يكتسب منفعة ما ولكنه –  ولأنه ليس مرتبطاً بأطراف النزاع ومستقلاً عنهم وهو متاح للعامة – يمتلك بعضاً من علامات العدالة أيضاً. والعرف أو الميثاق إن كان منخرطاً في سياق إقرار قضايا محددة أو تم تبنيه بصراحة من خلال العملية الشرعية، بإمكانه أن يحدد وأحياناً حتى أن يسُنَّ العدالة. العديد من المفكرين المعاصرين قد ذهبوا إلى أبعد من ذلك بتصريحهم أن العدالة ما هي إلا العُرف، وهذا ليس صحيحاً البتة فبعض القرارات يمكن النظر إليها على أنها غير عادلة بشكل صريح دون الحاجة إلى الرجوع إلى قضايا أخرى أو إلى تشريعات خاصة.

حتى القوانين نفسها يمكن أن تُنتقد على أساس أنها غير عادلة. وفي إقرار كيف ينبغي للقوانين – عموماً لا يمكن الاعتراض عليها  بحد ذاتها – أن تنطبق على قضايا معينة فإننا نرجع دوماً إلى الاعتبارات العامة للعدالة. يجب ألا نعتبر أن الشرعية تحل محل العدالة بل على العكس تماماً. نحن نحتاج إلى مواثيق وأعراف في مسائل العدالة كما في أية مسائل أخرى لأننا بشر نعتمد على المنطق، ولكننا غير كاملين، نعمل ضمن شروط محددة ونعتمد على معلومات ناقصة. القوانين تعطينا التوجيه الذي نحتاج ولكن ليس أية قوانين. فبعض القوانين قد تكون بصريح العبارة ظالمة، والعديد منها أقل جدارة مما يجب أن تكون في مهمة تحديد كيفية تحقيق العدالة. من هنا فإن السلطة على العموم هي ذات قيمة كبيرة لأنها تعطي تعريفاً وتحديداً للفعل السياسي ولكنها بحد ذاتها لا تمنح وتُقيْم النفع السياسي، من جهة أخرى يمكن أن تُنتقد، وحتى في الحالات الشديدة أن يتم نبذها ورفضها إن فشلت في تحقيق خير ورفاهية المجتمع، وبنفس المقياس فالشرعية تكتسب قيمة كبيرة لإعطائها تعريفاً عملياً لفكرتنا عن العدالة دون أن يعني ذلك أن تحل محلها. إنها تضفي نوعاً من الخشونة على القانون ما قد يؤدي إلى نوع من القسوة والظلم. ولكن المبدأ العام لتحديد العدالة على أساس حقوق معينة مناسب وعادل كفاية، بالإضافة إلى أنه الوسيلة الوحيدة التي من خلالها يمكن تحقيق تلك الغايات في عالم البشر الخطائين ومحدودي القدرة.

إن العدالة توَلِّد شكلاً واحداً من المشاركة. وكما رأينا فعلى الرغم من أنه ليس محدّدا دائماً في القواعد الإجرائية أنّ من قد تتأثر مصالحهم يكون لهم الحقّ في الاستماع إليهم إلا أنه على العموم يتم ذلك الأمر. وبمجرد إعطائنا المرء الفرصة لتحدي القضية المثارة ضده فإننا فعلياً نظهر معارضة حقيقية للقرار والحكم ضده. من هنا – وكما سنرى – ترتكز واحدة من أفضل وأكثر الحجج إلحاحاً للمشاركة على العدالة. ومن الناحية العملية فإن هذه الحجج غالباً ما تتظلل تحت تلك التي تميل إلى الحرية وذلك لأنه من الصعب تحديد أو تصنيف العديد من المصالح الثانوية لفرد ما تحت وصف خاص محدد. مع ذلك حتى في الحالات القصوى حيث المرء ببساطة مهتم بالسياسة وله بعض الآراء حول الشؤون العامة فإن مسألة العدالة تثار وهي التي تتعلق بكيفية التوصل إلى القرارات والظروف التي ينبغي أن نتخذها فيها. نحن ندين بذلك لكل شخص كفرد مستقل بذاته بأن نحترم حريته في التفكير، وسنكون ظالمين له بالقدر الذي سنكون منكرين عليه الحرية السياسية إذا منعناه من التعبير عن أية آراء أو وجهات نظر عن السياسة، أو صَمَمْنا آذاننا عنها بشكل دائم ومنهجي. إن اهتمامنا بحقوق الأقليات تَشكَّل جزئياً على مبدأ العدالة، وأدخلنا اهتمامنا هذا في فهمنا لكلمة “ديمقراطي” والتي تتطلب من الناس ليس فقط أن يقرروا بل أن قراراهم هذا خاضع لإجراءات وقائية محددة وفقط في ظروف معينة.

هنالك تعارض ما بين غايات العدالة والحرية، ولكن ليس الغاية المطلقة، لأن فكرة الحرية هي حول (من الذي يجب أن يتخذ القرار) بينما فكرة العدالة هي عن كيفية وظروف اتخاذ هذا القرار. وبإمكان الحرية والعدالة أن يندمجا أو يتحدا إذا تم اتخاذ القرارات من قبل الأشخاص المعنيين مباشرة بالقضية – كما تنشد الحرية – وإذا ما اتخذ هؤلاء الأشخاص هذه القرارات بالطريقة الصحيحة تحت ظروف ملائمة صحية – وهذا ما تنشده العدالة.

ومع أن العدالة مهمة إلا أنها ليست كافية، فهي تظهر الاهتمام بالفرد ولكنها موضوعية جداً وغير مشخصنة إلى الحد الذي لا تعطي فيه الفرصة للشخصية بأن تتطور بشكل كامل. إذا أراد الأفراد أن يحققوا ذواتهم كأفراد فهم بحاجة إذاً إلى الحرية، والحرية بقدر العدالة هي فكرة تلتزم الدولة بالضرورة إلى حد ما بها.

إنّ الحرّية هي غاية عظيمة، ولكنّها استثنائية. إنّ لها أهمّية مركزيّة لأنّنا كائنات مستقلّة، ولنا قيم نريد أن نترجمها إلى أفعال سواء فرديّة أو مشتركة. فالحرّية هي شرط ضروريّ للنشاط الأخلاقيّ، وبالتأكيد لكينونتنا العقلانية. إذا كان لدى الدولة اهتمام بحرّية رعاياها حينها، فقط، يمكن أن نتوقّع من الرعايا أن يتماثلوا مع الدولة أو أنْ يشعروا بفضلها عليهم ليطيعوا أوامرها. ونحن نعزو إلى الدولة التزامها بالحفاظ على الحرّية بنفس القدر الذي بموجبه نعزو إلى الرعايا التزامهم بإطاعة القانون.

لذا فإننا نعتقد أنه فقط المجتمع الحر هو مجتمع خيِّر، وأنّ وظيفة القانون ووظيفة الفعاليات السياسية على العموم تمكين الناس من الحرية قدر المستطاع. لكننا بينما نحن متأكدون تماماً أن الحرية هي شيء جيد – خاصة عندما لا نمتلكها – فإننا نجد صعوبة في تعريفها وتحديدها بدقة أو حتى إعطاء أمثلة إيجابية عن الأوقات التي نشعر فيها بحق أننا أحرار. بعض المفكرين يردون على هذا الأمر بأن ينتهوا إلى أن الحرية بالإجمال فكرة وهمية خادعة.

تعرَّف الحرية على أنها غياب القيود القانونية والإكراه التعسفي وهذه تعتبر من الأشياء الجيدة التي لا يمكن أن يبقى أي مجتمع من دونها. مقاربة كهذه لها الأفضلية في تركيز الانتباه على بعض الحريات الأساسية والتأكيد على أنه مهما قلنا فإننا لن نخفق في التأكيد على الأهمية الفائقة للنماذج الأساسية للحرية هذه. ولكن من الجهة الموازية فإنها تحتوي على نقيصة من حيث فرض وقفة تعريفية – حيث الحاجة إلى المزيد من النقاش – والإخفاق في تثقيف جميع متبني هذه الكلمة بمعناها، وبالتالي الإخفاق في توفير فسحة لجميع الطموحات التي من الممكن أن يملكها الأشخاص منطقياً.

هنالك مخاطرة في أن يفشل ليبرالي من الطراز القديم كلياً – ولمجرد أنه يفشل في فهم ما يقلق راديكالياً من العصر الحديث – في أن يتواصل معه وبالتالي يجعله هذا الأمر فاقد الإحساس بأهمية الحريات المدنية – تلك الحريات التي كانت الليبرالية تفاخر باعتناقها دائماً. إن الحرية المدنية شكل هام من أشكال الحرية وربما أهمها على الإطلاق، إلا أننا إذا أردنا أن نفهم الحرية بشكل تام فيجب علينا أن ندرسها بجميع أشكالها.

إن الحرية ليست خاصية بسيطة، فعندما أقول إن شخصاً ما حرٌ ليس كقولي إنه أبيض أو بصحة جيدة أو وزنه 95 كغ. إذاً علينا أن نتعمق أكثر في هذه العبارة بأن نشير إلى أمرين أساسيين يرتبطان ببعضهما ارتباطاً وثيقاً أولهما أن نبين ما هو حرٌ في فعله والثاني أن نبين هو حرٌ من ماذا؟ وإذا استطعنا أن نشرح المعاني المختلفة لـ (حرٌ في) سوف لن نجد صعوبة في فهم الأشكال المختلفة لـ (حرٌ مِن). إن عبارة (حرٌ في) تحتاج إلى أن تُتمَّم بفعل يتسم بالحركة والنشاط في محاولة للإجابة عن السؤال التالي: ما هو شكل الحرية الذي نبحث عنه؟

أن أكون حراً في فعلِ شيء ما هو أمر إلى حدٍ ما كأن أكون قادراً على فعله ولكن مع التأكيد على وجهة النظر في الجزء الأول. فإذا كنتُ حراً في فعل أمرٍ ما فباستطاعتي أن أقرر أن أفعله أو لا، والأمر يعود لي فعلياً فيما إذا كنت سأفعله أو لا، أما إذا لم أكن حراً في فعل شيءٍ ما فإن أي مناقشة إضافية ستكون عقيمة وستتوقف في بدايتها.

إن عبارة (الحرية في) تحتاج إلى فعل محدد وواضح ليتممها قبل أن تصبح هي ذاتها محددة وواضحة. فكوني حراً أم لا في فعل أمرٍ ما يعتمد على ماهية الأمر الذي سأفعله وبالتالي – ومن جهة أخرى – يمكننا أن نعرف ما قد يولِّد أسباباً مقنعة ضد قيامنا بذات الأمر. وعلى العكس فإن (الحرية من) أقل تحديداً ووضوحاً. فنحن نعرف أن تكون حراً من الألم، حراً من القلق المادي، حراً من عمل اللجنة التي أنت عضو فيها، لأن هذه الأشياء قد تمنع المرء من القدرة على فعل أي شيء. إنها أسباب معمَّمة قد تمنع المرء من القيام بمعظم الأشياء التي يود أن يؤديها لأنه – وإلى حد بعيد – سيكرِّس جهده الأكبر في سبيل صدِّ هذه الشرور أو حتى التخفيف منها، وبالتالي سيعيقه هذا الأمر من أن يبدأ أو يباشر أية أعمال أخرى. فقط إذا كنتُ حراً من مشاكل ومعوقات معينة سأكون حراً في القيام بالعديد من الأعمال. إن الحرية كالعدالة ينبغي أن يتم تحديدها فنحن لسنا فقط بحاجة لمعرفة الأمر الذي نحن أحرار في فعله ولكن كيف وتحت أي ظرف بإمكاننا أن نفعله. أنا حرٌّ في التلويح بيدي أو تحريكها ولكن ليس إلى الحد الذي أضربك بها أو أسعى إلى تشويش وإرباك سائق الباص مثلاً. أنا حر في أن أذهب إلى أي مكان ولكن بالتأكيد ليس من خلال باب بيتك أو فناء بيتك. أنا حرٌّ في قول ما أريد ولكن ليس في حضور عصابة غاضبة قد تدفعهم كلماتي إلى العنف. إذاً فعندما نُمنح الحرية هذا لا يعني أننا نُمنح إجازة مطلقة للقيام بفعل ما دون أخذ الاعتبارات الأخرى بالحسبان. وعلى العكس من ذلك فإننا نقول أنه ليس هناك منع أو تحريم للفعل بحد ذاته، بل وزيادة على ذلك نفرض على الآخرين التزامات شتى كي لا يمنعوا الشخص من القيام بذلك الفعل. كلما ازدادت أهمية الحرية كلما ازدادت أساليب وطرق ممارستها، وعظمت مسؤولية الآخرين في عدم تدخلهم في حق الفرد في ممارستها، ولكن مع الانتباه دائماً أن هذه الممارسة ليست من دون حدود.

نفس الأمر ينطبق على الحرية السياسية، فنحن بحاجة إلى أن نعرف ماهية الفعل السياسي المراد القيام به والشخص الذي سيقوم به لنقرر فيما إذا كان يملك حرية القيام بهذا الفعل. إن الاهتمام الأساسي للحرية السياسية يتعلق بأفعال أو أنشطة جماعية لمجتمع ما بالرغم من أن وسائل التأثير في هذه الأنشطة ستكون أفعالاً فردية من جهة هؤلاء المهتمين بها، ولكن في المجمل فقد يتم منع هذه الأفعال الفردية في حال غابت الحرية السياسية، أو يتم تيسيرها إذا تم التأكيد على أهمية هذه الحرية. في بعض المجتمعات قد لا يسمح الحكام لأي شخص من خارج السلطة أن يملك حق إبداء الرأي في قضايا مجتمعه، ففي حالة كهذه كان من الممكن أن يقول ستالين لسائق شاحنة من نوفوغورد:” هذا ليس من شأنك؛ وإذا كنت تفكر بإيجابية تجاه القوى الغربية أو كنت تنتقد خطتي الخمسية أو حتى تتجرأ وتفكر في قضايا هي أكبر من مستواك فسوف أنفيك إلى سيبيريا للخمس عشرة سنة القادمة.”

إن طواغيت الشرق غالباً ما تكونت لهم نظرة أن لهم وحدهم فقط الحق في التقرير والفصل في الشؤون العامة. كان هتلر وستالين يكرهان أن تتم مخالفتهما لذا فقد خشي مرؤوسوهما أن يخبروهما بالوقائع والحقائق غير المستساغة لديهما، ونتيجة لذلك فخططهما المستندة إلى معلومات خاطئة كانت في النهاية تنحرف عن مسارها الصحيح. لا تستطيع أية حكومة أن تفرض حالة من اللامبالاة الشاملة تجاه الشؤون العامة على رعاياها لأن هدفها النهائي هو أن تجعل من شؤونهم شأناً لها وبالتالي فما تفعله هذه الحكومة يجب أن يكون محلّ اهتمامهم وتساؤلاتهم.

المصدر: نُشر المقال في موقع 
www.theradicalhumanist.com

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق