سيّدةُ الأقدار

– ستموت مورّد الخدين مبتسما

قالت سيّدة الأقدار، وولّت وجهها شطر الغمام

–       سيكون يوما طويلا بلا صبح

ستأتي طيور للوداع

تنثر على الصمت تغريدة: نغما طويلا غير مقفى

وبعض الريش يسقط من جزع في الطيران

سيرسل أرنب بريٌّ صيحته، ويسكن عشبا عند القبر

وسحابة ستعصر بعض الماء

قطرا كحبّ الدمع، وملحا

–       هل قرأ المؤبّن سورة الإسراء؟

قلتُ، أنتف بالأسنان ظفرا، وآية الخوف المؤبّد

–       ستمشي وحيدا، واقفا في مأتمك.

ستزغرد في رعشتك، تجمع الصور الأخيرة، والصور القديمة

وتلوّح بيدك، وليس غيرك يُدّعُك

–       هل اغتسلتُ كما يجب؟ هل أتيتُ الطُّهر كاملا؟

–       لا يُغسل الدّمُ بدمٍ، وليس عليك من حرج.

–       هل قال المؤذّن ما يجب؟ وأخبر الأحباب أنّيَ راحلُ؟

–       سينفع النسيان، وينبت وردُ الذاكرة.

أسلك طريقك باسما. لا تَلتفت. مُرّ على البيوت بصمتك. قبّل الألوان. رتّل دعاءً للسفر. أنثر خطاك بلا عجل. كن حنونا بلمستك. بلّل بطيفها مُقلتك.

–       وبعد؟

–       لا تترك الغفوة تسرقك، قبل الامتلاء. اجمع الأسماء في لحظة، كما تعلّمتها أوّل مرّة.

–       واسمي؟

–       انثر بعضه حبّا ينبت بعد حولٍ، واجعل بعضه تحت رأسك عندما ترقد.

***

كان الصبح كسولا

وأريد أن أبقى هنا

لا تأتي يا موت، يا سارقي من لذّة العيش

قلبي أكبر من سؤالك

والآهة عشتها، وتعوّدتها، وألفتُ أن ترقص روحي بعيدا

لكنّها تأبى الرحيل

فاترك بقايا الروح لي، ستحمل جسدي سنينا

لن يثقلها

ستعود به إلى مكان يألفها تحت شمس ناعمةْ

من قال أنّ الرحلة أقصر من الذاكرة

أو أنها خلف الذاكرة

أو خارج ليل من نترك حيّا؟

سأرتّب أمري جيّدا

لن يكون بغتة،

سأتلصّص على القادمين من أعلى

والصاعدين بلا رجعة

سأسمع خبرا ولا شكّ

سأجمع بعض المال للطوارئ

قد أحتاج ملاكا مرتشيا، أو شيطانا حنوناَ

قالت سيّدة الأقدار ضاحكة:

–       سأخرج من سرّك الآن.

تُعاند. تحاول أن تمحُوَ المكتوب. تجرّب ما لا يكُون.

اذهب بعيدا إن شئت

لست في اللامكان

هذا العمر قطرة، لها تربة، لن تبقى في العلياء طويلا

ستذهب إلى منتهاها

–       سأجرّب أن أكون أكثر. سأغسل نحيبكِ

سأتجدّد يوما

أو أذهب فجأة

أجدني هناك

حيث لا أدري، ولا تدري

أو هنا

حيث لا تدري، ولا يعلم أحد

***  

كان الصبح ثقيلا

والأنوار بلا رغبة

تمسّكت بخيط لأتدارك الكارثة

هتفت للشمس أن عودي قليلا

وأشرقي عليّ في مكان آخر

حيث كانت لي رائحة، وكان للخبز طعم

وللورد لون حقيّقيّ، وللضحكة صدقها الطفوليّ الجميل

*** 

كان الصبح بلا وجه

لا يُفهمُ، ولا يَنطقُ

يتقدّم بقفاه، ويسحب ستارا ثقيلا يريد أن يُسدله

وأنا المُمثّل والجمهور وفانوس الإضاءة

وبعض الأصوات تخرج منيّ كحشرجة وموسيقى “الكليمانزا دي تيتو”

*** 

هذا الصبح بلا قلب

والشّمس عالية

ستعلو بعد قليل أكثر

لن يتسلّق عرشها، سيسقط في الظهيرة

وأهرب

لا أريد كبد الأرض ولا كبد السماء

أريد أن أبقى واحدا متوحّدا

حيّا كثيرا ومتيقظا

لا رحمة تتبعني ولا دعاء

ولا ذِكْر لراحل

***

سأحاول أن أدخل الربوبيّة

أن أكون خالدا

لا الفناء يتعقّبني

ولا يهدّدني الانتهاء

صامدا في خطوتي أبدا

أُشْهرُ صوتي مُشبعا بالنشيد

وبالغناء

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This