مَنْ يضعُ حدّا للجرائم ضدّ النساء؟

كشفت مواقع إلكترونية سورية تفاصيل أكثر من خمس جرائم قتل لنساء سوريّات في أيلول الماضي، وأظهرت تلك المواقع أنّ الجرائم تنسب إلى مايسمّى بـ”جرائم الشرف”، حيث تولى عمليات القتل الشقيق أو الأب أو أحد الأقارب، وبينت تفاصيل إحدى الجرائم وحشية مفرطة من خلال قيام اثني عشر شخصاً مسلّحين بالبنادق الآلية بقتل سيدة حامل وزوجها لدواعي “الشرف” في مدينة حمص وسط سوريا.
ولايقتصر ما يلحق من حيف بالسوريات من عمليات قتل في “جرائم الشرف”، بل يمتد الى أوسع من ذلك في مجال الاضطهاد الذي يؤدي الى القتل بعيداً عن “جرائم الشرف”. وقد بينت دراسة سورية، أعدتها منظمة رسمية سورية هي “الهيئة العامة لشؤون الأسرة”، بالتعاون مع “صندوق الأمم المتحدة للسكان”، أنّ واحدة من كلّ ثلاث سوريات تتعرض للعنف الأسري، بمعنى أن أحد الأقارب، ولاسيما الأب أو الإخوة، أوالزوج، يمارس العنف ضد المرأة. وأكدت الدراسة التي صدرت بعنوان “العنف الأسري ضد المرأة في سوريا”، أن العنف، يشمل القيام بأعمال شديدة القسوة، تخلّف آثاراً واضحة، وقد تترك أضراراً دائمة وعاهات لايمكن علاجها.

وأضافت الدراسة إلى العنف الجسدي أشكالا أخرى من العنف تمارس ضد النساء في إطار ما أسمته بـ”العنف الأسري”. وتتضمن القائمة في هذا المجال العنف اللفظي والمعنوي والرمزي، وكلّها أشكال من العنف تترك آثاراً في حياة المرأة وشخصيتها لا تقلّ أثراً عما يسببه العنف الجسدي، بل قد تزيد عنه، خاصة في موضوع العنف الجنسي الذي تتعدد أشكاله، وقد يؤدّي بعضها إلى الموت على نحو ما يحدث في بعض “جرائم الشرف”.

وإذا كان العنف الأسريّ يؤدي وحده إلى أذيات تصيب واحدة من كل ثلاث سوريات، فلاشك أن العنف الذي يصيب المرأة خارج الأسرة في المجتمع وميدان العمل وفي المدارس، يرفع هذه النسبة، والتي قد تصل إلى نصف السوريات تقديراً، لأنه مامن دراسة ولاأرقام واضحة في هذا المجال. ويتمركز العنف الأسري ضد النساء، كما العنف الذي يتم حيالهن خارج الاسرة، بشكل خاص في المناطق ألاكثر عمقاً من سوريا وبخاصة في الارياف، والمناطق شبه المعزولة، وتتم ممارسته بدرجات اقل في المدن الصغيرة والمتوسطة، وأقله في المدن الكبرى والعاصمة، لكنه في كل الأحوال يؤكد حضوره في الأوساط الفقيرة وقليلة التعليم والتأهيل، وهو يصيب بشكل خاصة النساء الريفيات او القادمات من الريف، واللواتي لم ينلن حظاً من التعليم، واللواتي لم تتوفر لهن فرص تعلم مهنة وفرصة عمل.

إنّ ما يصيب السوريات من قتل وعنف، وما يلحق بهن من ضرر وأذيات مادية ومعنوية، يجد أسبابه في موروث ثقافي واجتماعي متخلف، كما يجد بعض أسبابه ماثلة في واقع سياسي واقتصادي وقانوني يحيط بحياة السوريين. فمن جملة الأسباب الموروثة، المكانة الدنيا للإناث مقابل المكانة العليا للذكور، بمعنى تكريس مجتمع الذكور سيداً وناظماً للحياة، كما ان بين الأسباب الموروثة تفسيرات خاطئة وفهما مغلوطا لنصوص دينية. أما في الأسباب ذات الأصل الاقتصادي والقانوني، فالأهم فيها التبعية الاقتصادية للمرأة في علاقاتها مع الرجل، وفي عدم المساواة القانونية والحقوقية بين الرجال والنساء، خلافاً لنص الدستور الذي يجعل المواطنين من رجال ونساء متساويين في الحقوق والواجبات. وآثار ممارسة العنف على النساء كثيرة وقد يكون من الصعب حصرها سواء على المستوى الشخصي او الاسري والاجتماعي.

غير أن الأبرز فيها على المستوى الشخصي، يظهر في الآثار المادية والنفسية، وفي المستوى الاسري، فإن المرأة المعنفة “تعيد إنتاج أفراد لديهم الاستعداد في ممارسة العنف”، وفي كثير من الحالات، لاتستطيع تربية أطفال أسوياء وطبيعيين، وعلى المستوى الاجتماعي، فان النساء المعنفات، يصبحن أكثر قابلية للاستجابة الى الشروط الاجتماعية السائدة في تعاملهن مع المرأة، ولاسيما في موضوع تهميش مكانة المرأة، وعدم اشراكها في مناقشة القضايا التي تخصها، مقابل إعلاء شأن الذكور واعطائهم حق التقرير في الموضوعات التي تخص النساء، وتشريع العنف ضد المرأة،  وتكريسه معياراً اجتماعياً. كما أن بين نتائج العنف ضد النساء ضعف مشاركة المرأة في الحياة العامة، وتكريس التفكك الأسري، وتسرب الأبناء من المدارس، وفي النهاية الشعور بعدم الأمان في غياب البيئة النفسية الداعمة للمرأة والأطفال.

وثمة جانب آخر في نتائج العنف ضد النساء، يتمثل في التكلفة المتعددة الناتجة عن معالجة النساء المعنفات واطفالهن، وتكاليف مؤسسات الحماية المعاشية والقانونية أن ما يحيط بالنساء السوريات من ظلم وجرائم، يجعل حياتهن شديدة القسوة ومعاناتهن صعبة الاحتمال، ويحمل الأسر والمجتمعات العربية خسائر وأعباء كبيرة، الأمر الذي يتطلب جهوداً رسمية ومجتمعية متكافلة متضامنة، هدفها وقف تلك الممارسات والحد منها على الاقل، بل وإيقاع العقوبات بمرتكبيها والساكتين عنها، وكلها مقدمات لاجراءات أكثر عمقاً وجدوى، تتضمن السعي لتغيير الأطر السياسية والاقتصادية والقانونية، التي تكرس التمييز ضد النساء من الناحية الحقوقية والقانونية، والعمل من أجل إجراء تغييرات جوهرة وعميقة في البنى والموروثات الثقافية والاجتماعية، وتقويم النظرة الدينيّة الخاطئة للمرأة، وتصويبها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق