الشاعرة الإيرانيّة فروغ فرخزاد (1935- 1967)

لنبدأ بقراءة مقطع من إحدى القصائد: ( أنت وحدكَ المدرِك، أنت تعرف أسرار تلك الخطيئة الأولى. أنت وحدك القادر على أن تمنح روحي ذلك الصفاء الأول. آه .. رباه .. ماذا أقول؟ إني متعبة، ومعذبة من جسدي هذا، أقف كل ليلة على أعتاب عظمتك في انتظار جسد آخر). يخبرنا المقطع الشعري عن رغبة بالتحول والتغيير. تأتي الرغبة من عدم القدرة على تحمل وضع حبيس، مرهق ومؤلم. كان ذلك مقطعاً  من قصيدة  بعنوان: “بين يدي الله” للشاعرة الإيرانية، الاستثنائية، فروغ فرخزاد.

عن علاقة أوضاع النساء و الكاتبات، اجتماعياً واقتصادياً، بالكتابة الأدبية والصراع الاجتماعي، ينقل الناقد إلين مويرز في كتابه (نساء أديبات)، ما يلي: (للكاتبات أجسادهن النسائية، وهذا يؤثر على حواسهن وتصوراتهن. ولما كن ينشأن على أنهن “بنات”، فيتوافر لهن إدراك خاص للمؤثرات الثقافية والاجتماعية في عهد الطفولة. توكل إليهن مهمات عائلية، يتلقين الأوامر، ويدربن على خطب الود، يعطين فرص التعليم والوظيفة أو يحرمن منها. يخضعن لأنظمة قوانين الملكية والتمثيل السياسي وأنماط اللباس وقواعد التعامل الاجتماعي المحددة،.. تلك القواعد المفزعة وغير الإنسانية التي تميز النساء عن الرجال في أكثر من ثقافة).

مثل هذا التعميم على صحته النسبية لم يكن ليحكم حياة وعمل لؤلؤة الشعر الإيراني الحديث فروغ فرخزاد. يقول أحد نقاد شعر فرخزاد ، قبل سنة من وفاتها : (تفتقر فرخزاد إلى البعد الثقافي العميق، وأعتبر أن التثقيف والانغماس في المغامرات الفكرية للقرون الحاضرة والماضية أمر ضروري لاستمرار الخلق الأدبي ولأني أجد فرخزاد تعاني نقصاً في هذا الإطار، أخشى أنها تنحدر نحو الهاوية). أما الشاعرة – المرأة غير العادية فقد عاشت فقط إثنين وثلاثين عاماً لا غير، لكن في حياتها القصيرة الغنية المزدحمة تلك والمتحولة أبداً ( توفيت عام 1967 إثر حادث سير) كتبت الشعر وعملت في المسرح والسينما(فيلم وثائقي عن إحدى مصحات الجذام المعزولة خارج طهران)، عدا ذلك أتقنت فرخزاد فنون الرسم والخياطة والتصميم وأبدعت في كل هذه النواحي معاً! بعد مرور أكثر من أربعين عاماً على رحيلها المفاجئ، حيث لم يقبل أحد أن يؤم الصلاة في جنازتها، مما دفع الأديب والناقد “مهر داد صمدي” إلى القيام بذلك، لا تزال مجموعة من عشاقها الكثيرين مصرة على التجمع عند قبرها كل سنة، في الخامس عشر من شهر شباط فبراير، تجتمع هناك لتشعل الشموع وتتذكر الشاعرة التي كتبت وحيدة ومغتربة كأنما تكتب لنفسها وتتنبأ بمصيرها المفجع: ( ترسل الشمعة وميضها الأخير/ متجهة إلى العدم/ الآن أدرك أن ذلك البيت البعيد/ خلا من سعادة الحياة/ أعرف الآن أن ثمة طفلاً باكياً/ يندب فراق أمه وكأنه في مأتم/ إلا أنني، جريحة الروح ومشوشة / أسلك طريق الأمل/ حبيبي هو الشعر، معشوقي هو الشعر/ ماضية أنا في البحث عن حبيبي).

كانت فروغ تطلب الطلاق، من دون مسوغ قانوني ضد زوجها الذي تزوجته مبكراً رغبة منها في الخلاص من عقم وقتامة وضحالة جو أسرتها حيث صرامة والد لا مبال بالشعر، والد كان يعمل ضابطاً في الجيش الإيراني. أضف إلى هذا أن فرخزاد ارتكبت “الخيانة الزوجية”، كما أنها حرمت من رؤية ابنها الوحيد ( كاميار) لأن القانون الإيراني، حينها، يمنح الحضانة للأب دون الأم. ما تزال قصائد فرغ زاد ذات جاذبية خاصة، بسبب وضوحها القوي، ونبرتها الحسية، ورقتها الغنائية العالية، وكثافتها التعبيرية الحميمة. إن موضوعات الحب والموت ترتبط عندها ارتباطاً وثيقاً بفترات تاريخية و معينة من حياتها ومن أحوال المجتمع الإيراني ما بين فترتي خلع مصدَّق عن الوزارة في انقلاب عسكري مدعوم من الدول الغربية، في الخمسينيات، وما تلاها لاحقاً من درامية عهد الشاه، حيث تعطل العمل بالمكاسب الدستورية منذ عام الثورة الدستورية 1905، وتلا عهد الشاه امتدادُ ورواج السحر الشعبوي لثورية وفوضوية عهد خميني الصارم وتسلطه الديني القاسي، تلك الثورية الهادرة والمنغلقة، والتي لم تقبل ثقافتها الدينية إلى الآن في اعتراف صريح بأهمية و ريادية فروغ فرخزاد الثقافية والأدبية. إن مجموعات فرخزاد الشعرية لا تزال محظورة في الجمهورية الإسلامية حتى اليوم. مع ذلك فإن ألق و خصوبة ما تركته الشاعرة المتفردة تعبير مميز عن طموح وقوة وجمال إنسان إيران الحديث. إنها دليل على قوة وشجاعة النساء في إيران، بشكل خاص، ورغبتهن الجامحة في نيل استقلال فكري واجتماعي عن سطوة مجتمع ذكوري متكلس. لقد نطقت فرخزاد بلسان زمانها عبر تعرية حياتها بسخاء شديد وبروح حرة متدفقة. يصلح شعرها بياناً فاتناً وصادقاً عن الهوة الجريحة والصامتة التي تفصل بين نزوع المرأة في إيران إلى امتلاك حرية قراراتها وسطوة قيم المجتمع الزائفة،  المجتمع القلق والخائف بدوره من سلطات شمولية تسوغ القمع والتعذيب باسم القداسة وتبرر الاستبداد تحت ستار الدفاع عن مصالح الأمة الإيرانية.

إن زمان الشاعرة هو نفسه زمان شعرها الذي تجاوز حتمية الموت ليبقى كوشم متألق وحزين، طامح وكثيف الدلالة على الحصار الأسود الذي يخنق أرواح مرهفة ومسالمة ومجنونة بحب الحياة. لقد أصبحت فرخزاد، التي استعار المخرج الإيراني الفذ عباس كياروستامي إحدى أجمل قصائدها وحولها إلى فيلم يشهد وينتقد ماضياً لا يقبل كونه مشروطاً بتحول الحياة وتغيرها الطبيعي: ( ستحملنا الرياح). أصبحت فرخزاد بعملها الاستثنائي وحياتها الاستثنائية نموذجاً موحياً ورائداً للإيرانيين، الفئات الشابة منهم بالأخص، ولمستقبل ثقافتهم عريقة الثراء.

كانت فرخزاد شكاكة وملحاحة وشديدة الطموح والنزق. لم يكن شكها لينفصل عن همها الشعري والأدبي. يقول الناقد الأدبي رضا باراهينيي في سياق ذلك: ( تنتقل أفضل القصائد التي كتبتها فرخزاد في آخر سنوات حياتها من الأوزان التقليدية التي استخدمها الشاعر “يوشيج نيما” إلى الشعر النثري، لكن قبل الوصول إلى النثر، على سبيل المثال النثر الإيقاعي في شعر “أحمد شاملو”، تتراجع هذه القصائد وتعود إلى نوع قريب من الوزن السائد. الصراع هنا ناتج عن نوع من الشك الهيكلي للتعبير عن الحالات والأوقات التي تمر بها المرأة المعاصرة فمن غير الممكن استعمال الأوزان الذكورية المستخدمة في شعر “نيما” ولا النثر الإيقاعي الذكوري الذي يستخدمه “أحمد شاملو”. يعبر شكل قصائد فرخزاد، وتقطيعها غير المحدد بالوزن العروضي غالباً، عن الصراع المهيمن في العلاقات الاجتماعية بين الرجل والمرأة في زي صراع رسمي. إن شعر فرخزاد تجسيد كامل للصراع الأساسي في فكر المرأة، ويسعى إلى إيجاد استقلالية من الفوقية المتعالية لشعر الرجال). إن وصفاً كهذا لا يخلو من الدقة، لكننا لا نعني بنقله هنا تثبيته وترسيخه؛ فقوة الشعر من قوة الروح التي تؤلف وتعاند، تصبو وتتمرد. الشعر تمرين مستمر على وجود مستقل بهي، حر بالطبيعة غير المقيدة، ومدفوع بشغف الطموح الفردي، لكنه لا يمكث طويلاً في تصنيفات صراعية من خارجه.

إذا كان من( صراع في الشعر) فهو مع اللغة المهيمنة مجترة ومستهلكة، مع الفكر المنغلق، وسطوة الثقافي المتعالي والمنغلق على الحياتي المتحول أبداً. الشعر يتحرر ويحرر، يتحاور ويتكاثف، يتبدل ويدوم ، لكنْ بوسائله العصية والرقيقة في آن. قبل ظهور اسم فرخزاد كشاعرة مميزة ومتفردة بأسلوبها، اكتفى الأدب النسائي في إيران بالتعبير عن حالات عامة، دون أن تتضمن أي حس شخصي أو ميزة خاصة. ومعها ظهر وتكرس، لأول مرة، نزوع فردي وجرأة صريحة ترفض أي قيد على حرية الإنسان، مما دفع سلطات “جمهورية الخميني”، عام 1981 إلى حبس صاحب أكبر دار نشر في طهران بتهمة نشر قصائد فرخزاد المحظورة من التداول والنشر علناً.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This