صفيح من زجاج

    اعذروني، فقد أصبت أخيرا بعدوى الكتابة عن الكلاب، فهذه الدراما الكتابية صارت محتمة علينا، وبما أننا هنا، واقصد الكتاب المغتربين الذين بدءوا يتطرقون بصورة واضحة لموضوعة الكلاب الأليفة التي تشاركنا بيوتنا في المهجر.

    * كلب، وهل أدخله بيتي!

أمر وجود كلب في منزلي مستحيل، لم ترق لي الفكرة، ليس كرها بل لأني لا أريد أن أتحمل مسؤولية هذا الحيوان الجميل، هذا الكائن المنخفض أرضا، الذي يجب أن أخصص له فسحة وقت ضرورة كل يوم، صباحا ومساء، حيث يجب أن يرتاد ملعبا خاصا للكلاب كي يرافق زملاءه اللعب والمرح والتحرر من قيود البيت، وطبعا لن أنسى أنه من واجبي عليه تسخير مبلغ شهري من المال من أجل تغذيته، تسليته وتنظيفه، قص فروته وتقليم أظافره، ناهيك عن تسجيله في دائرة السجلات العامة التابعة للمحافظة.

وكي أحظى بشريط جميل يحمل قطعة معدنية فاخره فأحفر اسمها عليه، وكي لا تضيع مني علقت الشريط حول عنق (جشوا)، كي يحمل اسمها، تاريخ التطعيم ورقم هاتفي، أتمنى أن الاسم نال إعجابكم، اسم حفرته على قطعة معدنية عند حافر اكسسوارات من جذور إيطاليه يدعى ( ماركو بولو)، طبعا ليس هو (ماركو بولو) الرحالة الذي نعرفه جميعا، بل هو رجل آخر لم يرحل أبدا عن المدينة منذ أن رأى النور وذلك قبل ثمانين عام مضت.

دعاني (ماركو بولو) الى بيته لاحتساء الشاي معا فقبلت الدعوة، فأنا مغرمة بالشاي المعطر بالنعناع، واشترط علي أن أصحبها معي، وإن لم أفعل فكيف أتركها وحدها إذن؟ كلفتني دعوته أكثر من خمسمائة دولار، وكي تختال (جشوا) المكان كملكة وجب علي اقتناء ملبسا محترما يليق بمقامها، ولأني من محبي اللون الأحمر، ألبستها (تي شيرت) مصنوعا من السيتان الأحمر، لاءمت الألوان  فاخترت سروالا فضي اللون مزركش بخيوط حريرية حمراء، عطرتها بعطر خاص لا يسبب الضرر لفروتها البيضاء فيترك طبعات غير محببة، لم أستثنِ قبلا الشامبو الخاص والذي اعتمدته من قبل الطبيب البيطري خاصتها الذي دلّني على نوع شامبو جديد يمنعها من العطس، لأن الشامبو المصنوع من دهون قشور نبات الأبوكادو لا يتناسب ومشكلة الحساسية التي تعاني منها.

ما أن فتح (ماركو بولو) لنا الباب حتى دخلت دون استئذان، تجوب بحرية تامة قاعة البيت، تشتم وتتعرف، ولكي لا أكون عنيفة معها، ولكي أبدو في عين مضيفي راعية حيوانات مؤهلة وحميمة المشاعر حررتها من السلسلة الفضية التي ربطت رقبتها فيها، وجدت الكلبة خاصتي ضالتها أخيرا مما تسنى لي تبادل الحديث مع (ماركو بولو) دون مقاطعة، حامت طوال الوقت حول حوض ماء زجاجي يحتوي على عشرات الأسماك مختلفة الألوان التي سبحت لها بكل حرية داخله، اقتربت (جشوا) من الحوض، اعتمدت أساليب ذكية هذه الملعونة، تحايلت في حركاتها وتمايلت بجسدها الذي تمطى وارتخى، حركت ذنبها ضامرة شرا، أنّت وزمجرت بصوت عال، بحثت عن منفذ يساعدها على التهام السمكات التي ختمت ذيولها بقطع معدنية صغيرة كان (ماركو بولو) قد حفر عليها الأسماء.

* ما رأيك ب(روزا)؟ سألني متفاخرا.
* عذرا، من تكون (روزا)؟
* اقتربِ من هذا الحوض الزجاجي لأني سوف أعرفكِ على بناتي، ودع ِ (جشوا) تتعرف عليهن أيضا فربما يصبحن أصدقاء فيما بعد!
* طبعا، طبعا، لمَ لا، لا يوجد عندي مانع، وماذا سيكون المانع يعني، وهل تعتقد أن (جشوا) سوف تتمنع، أنا واثقة جدا من حسن تربيتي لها، فهي أليفة جدا.

التقطها بحميمة من الأرض، مسدت فروتها بكل حنان وقلت لها بغرور:

* تعالي يا صغيرتي واملأي عينيكِ بكل هذا الجمال!

وبدأ مضيفي يشرح لي متفاخرا:

* هذه (روزا) تعتبر من الأسماك النادرة، فهي من أنواع السرقسم، وهذه (دونا) القزمة، من نوع القوبيون، جلبوها لي خصيصا من الفلبين، التي تدخل الصخرة هناك (ديالا)، السمينة المستديرة (نعومي)، وهذه سمكة الأسد (روزيتا)، يجب أن أتخلص منها قبل أن يكبر حجمها، أخشى أن تلتهمني ذات يوم، ها هناك تكمن (مارييتا)… وهذه التي هناك (سنوا)..

 

تمنعت (جشوا) من البقاء على ذراعي، حاولت التنصل وهي تلهث، راوغت وغالت في مراوغتها، سال لعابها على كفي، قاتلت بشهامة كي تفلت مني، تريد الحصول على إحدى السمكات الذهبية التي سبحت لها بانسجام. نهاية استطاعت أن  تفلت من قيودي فتلبي نداء معدتها التي أصبحت فجأة خاوية، يا لها من فتاة عاقة لعوب، دارت حول الحوض الزجاجي والذي كانت تشع من داخله ألوان شتى لأسماك زينة بارعة الجمال، تمنيت لو كممت فمها فقد استطاعت أن تثير الغوغاء من حولي، فضيحة كبيرة، خاصة عندما بدأت ترسل نباحها الى (روزا) و(مارييتا)، تداعب  (ديالا) وتغازل (نعومي)، تحدق ب (روزيتا)، ولا تتمنع من أن تقترب من (هنرييتا)، تلهث كلما اقتربت منها (سونوا)، تنبح وتقفز، تدور حول نفسها كالسكارى ثم تقف متربصة، تغتاظ فتعاود الكرة بالاستدارة مرارا حول الحوض.

وبجنوح أطلقت شهقة استماتة، انقضت فجأة على الحوض فأسقطته، انكسر الحوض وتبعثرت محتوياته، السمكات رائعة الجمال، هياكل صخرية، أشجار، محاريات، وحيوانات بحرية عديدة أخرى، حتى غمرت المياه السجاد الذي غطى الأرض، قفزت السمكات بعشراتها أمامنا و(جشوا) تقف حائرة بينها تستعد للهجوم والانقضاض حيث تثيرها شهوة الجوع بقسوة وعيناها تتساءلان (بمن أبدأ)!

ويحي، يا الهي، خذلتني تلك ال (جشوا)، سأغير اسمها عقابا لها، لقد قررت وانتهى الأمر، الموضوع كبير لا رجعة فيه، ماذا دهاني، كيف أقف مثل الصنم لا ألوي على شيء، كل هذا الموقف وأنا صامتة، أنا لا استطيع شيئا! بل أستطيع، أستطيع أن أستذكر حادثة محفورة في ذهني منذ كنت طفلة ألهو في حارات حيّنا، حيّ مكتظ بناسه الفقراء، أذكر علب الصفيح التي كانوا يملأؤونها بالماء ويضعونها على النار فتلبي احتياجاتهم اليومية، وأتذكر جيدا ذلك ال(هشام) الذي كان يضرم النيران على شكل مؤدة تحت صفائح التنك ووجهه الملوّث بالسواد.

أذكره عندما أصبح شابا وسيما تلاحقه الفتيات، وأتذكره عندما كان يأتي لنا بحبات البطاطس التي كان يشويها على النار بعد أن ينتهي من عمله، أتذكر القطع المعدنية التي كان يتقاضاها من الجارات جراء مساعدته لهن في نشل الماء من البئر، وأتذكره عندما سقطت إحدى الصفائح المليئة بالماء الحار أرضا فأحرقت أصابع قدميه، أتذكره عندما كان…. يناديني:

* يا جميلتي، لا تهتمي، يمكنني أن آتي بغيره، (قصد الحوض) لكني، أقول لك الحقيقة، أرجو ألا تأخذي مني موقفا معاديا فتكرهيني وتحرميني من زيارتك لي مجددا، أنا لست غاضبا من (جشوا) بل غاضب منكِ!
* غاضب مني أنا يا (ماركو بولو)؟
* نعم، أعتقد أنكِ تبخلين على (جشوا) فلا تأتين لها بأسماك شهية مثل هذه، ألم تعلمي أن المتجر الذي فتح مؤخرا، ذلك المتجر الجديد الموجود على الناصية، يعرض أنواعا جديدة لطعام الحيوانات من الكلاب والقطط، أنواعا شهية من الأسماك المعلبة، واللحم الطازج، و….و….و……………………………………………!

 

دينا سليم : قاصة وروائية فلسطينية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This