انتصار

 إهداء: إليها.. حتى لا تذهب عذاباتها وانتصاراتها سدى…

توقـّفت لحظة على العتبة، وكاد قلبها يسقط في أحشائها لوقع المفاجأة. لكنّها تماسكت سريعا، وولجت قاعة الانتظار، وهي تجهد لإخفاء تأثـّرها… كانت قد تردّدت مرّات عديدة على هذا الطبيب، وانتظرت في القاعة نفسها تحت وطأة القلق والحيرة… وكثيرا ما ساورتها الشكوك حول تشخيص الطبيب… هذه المرّة أيضا عادت، وبلا وساوس.. لكن رؤيته المفاجئة هناك خضـّت دمها…

جلست على أريكة بين المنتظرين، ولفها ما في القاعة من صمت. فمعروف عن هذا الطبيب أنه لا يسمح بالضّجيج في عيادته، ولذلك تنعقد الألسن كلـّها ويرين صمت مهيب كأنـّما الجميع يجدون فيه فرصا للاختلاء بأنفسهم لوقت الانتظار الطويل، وربما يستطيبون فيه أسفار الذاكرة وتهويم الهواجس.

راحت تسترق النـّظر إليه، وشعور غير مفهوم يعتمل في دخيلتها… كان الرّجل الوحيد في العيادة بين جمع من النساء.. وكان أسى يطفو على وجهه سرعان ما تحوّل إلى بؤس موجع عندما بادلها استراق النظر وتلاقت الأعين لحظة، قبل أن تزيغ عيناه ويحيد بوجهه مستجيرا بأرجاء المكان… كان هذا الرّجل رجلها.. كان قصّة جهدت بكلّ طاقاتها على الحياة المشرئبّة في خلاياها أن تنفضها عنها وتمرّ.. وقد نجحت في ذلك أيّما نجاح.. والآن.. وبعد هذه السنين.. وفي هذا المكان الذي عليها أن تصمت فيه لساعتين على الأقلّ.. لمَ لا تفتح مصاريعها على نسائم الذكريات وسحبها وعواصفها؟… بل إنّ لهفة مدهشة على تلك الذكريات تعروها كأنـّما صعّدت قمّة بعيدة، ووقفت تستردّ أنفاسها وتستلذّ النـّظر إلى الوراء لترى روعة العلوّ الذي أدركته…

قبل خمس عشرة سنة كان يهيم بملاحقتها عندما كانت إحدى بنات المعمل، فتشعر أنـّه أشبه بنجم ضئيل لا حياة له إلا بالدوران في فلكها. ولمّا رقـّت له صارت دنياها تتشكـّل من نسيج أحاديثه حتى أضحى جنّة مشتهاة رنت فيها إلى كلّ أشواقها نهما أبديّا سكن عظامها سرّا، وأخذت مغاليقه تتفتـّح لنور الحبّ والثورة والانعتاق من اللاحياة..

وبعد عام تقريبا تجرّآ على مدّ خطواتهما معا عند عودتها من العمل إلى تخوم منزلها وعائلتها.. ثم تسارعت الأحداث فإذا هما عروسين في ليل شتويّ، ومطريّات الأهل والأصدقاء تظلّل انسحابهما من منصّة الزّفاف فوق سطح المنزل إلى عسل ظلّ يتناقص طيلة سنتين حتى كشف عن نتوء قبيح أخذ بتوالده يشوّه وجه النسيج الجميل. وغزت المنغّصات حياتهما معا كطحالب ضارّة تتكاثر بسرعة جنونيّة.

وسمعت أخته الكبرى تخاليه يوما:
– هذه أرض بور تحرثها فلا تنبت.. فماذا تفعل بها؟
يومها فقط بدأت تدرك حقيقة حياتها معه، فبدت لها كفلم فوتوغرافيّ تمّ غسله في الظلام فلاحت فيه خيالات الصّور حتّى قبل أن يكشف التـّحميض عراءها. وتخيّرت إحدى لحظات الصّفاء المسروقة في غياهب الليل لتسأله، بعد أن استقرّ جموح الرغبة رضا وسكينة عابرة:
– نضال.. أتذكر كيف كنـّا؟.. لماذا سمحنا لكلّ هذا البؤس أن يسلبنا حياتنا؟
تشاغل عنها بتناول سيجارة من على طاولة النوم القريبة، ونفث دخانها فتصاعد وئيدا على ضوء المصباح اللّيليّ الخافت حتّى ضاع في فضاء غرفة النـّوم المعتـّم. وراقبت تلاشيه حتّى سرت رعشة أليمة منه إليها. فتحاملت على الضياع لتسأل بعتب هادئ بالكاد وجدت له معنى:
– لماذا لا تزور الطّبيب؟.. حتـّى على سبيل قطع الشّكوك؟
انتفض من استلقائه بعنف حتى استوى، وقال بحدّة قاسية:
– قلت لك هذا الموضوع غير مطروح أصلا بالنـّسبة إليّ.. لن أزور طبيبا.. ولن تنجحي في تخريب ثقتي بنفسي بشكوكك المريضة.
– لكنّ الطبيب يؤكـّد سلامتي، ويلحّ أن تجري أنت بعض الفحوص والتـّحاليل.
فأجابها بنرفزة:
– ابحثي عن طبيب آخر.
– لكنـّك تعرف عدد الأطباء الذين فحصوني والتـّحاليل التي أجريتها؟..

لم يردّ عليها، وراح ينفخ دخانه بعنف فجذبت انتباهها دوائره الأفعوانية تشطح كأنـّما شياطين قاسية تلعب ألاعيبها الجنائزيّة إيذانا بما يوشك أن يصبح جثـّة باردة..
استرقت النـّظر إليه مجدّدا.. كان منكـّص الرّأس، وكان الأسى عينه يتلبّد على وجهه كيوم مظلم.. انتابتها عليه شفقة مفاجئة، وتساءلت في سرّها هل يا ترى لان أخيرا؟…

أخذتها الذكريات مجدّدا إلى أيام الرّكض بين عيادات الأطباء والمخابر… في كلّ مرّة كانت تجد الجواب نفسه: ليست لديك أيّة مشكلة صحيّة تمنع الإنجاب، والأفضل أن يأتي زوجك لنفحصه.. لكنّ زوجها يظلّ على عناده، فلا تجد أمامها غير السّعي إلى طبيب آخر عساها تجد منفذا لشكّ ما يعطيها أملا، أو تربح وقتا قد ينفع في تليين تعنّته… عندما جاءت إلى هذا الطبيب طلبت منه أن يجري كلّ الفحوصات والتحاليل الممكنة، وحدّثته عن زوجها… مرات كثيرة جاءت وانتظرت.. ومع كلّ فحص تحليل جديد أو صور أشعّة، ولا شيء يمنعها عن الحمل… في الأخير قال لها الطبيب:
– يا سيدتي، أنت تهدرين وقتك ومالك وأعصابك.. إمّا أن تحضري زوجك لأفحصه أو أن تكفي عن زيارتي لأنّه لم يبق لديّ ما أقدّمه لك.

وانتظرت اللحظة المسروقة ذاتها في هزيع الليل وحدثته بما قال الطبيب، وتلقـّت الصمت ذاته ورقصات الدّخان الأفعوانية… سألته بحزم، وقد عزمت أخيرا على اختراق دائرة الخوف التي ظلت دائما تلفّ حولها بعيدا:
– إذا كنت لا تنوي زيارة الطبيب، فلماذا تسيء وعائلتك معاملتي؟..

لم يجبها. فواصلت أسئلتها التي ظلت طويلا معلـّقة.. وعندما بلغ به الضـّيق أقساه  ردّ عليها بقسوة باردة:
– تريدين أن تعرفي؟.. حسنا.. سأعذّبك حتى تهربي بجلدك.. سأدفعك إلى التنازل عن كلّ شيء وطلب الطلاق.
شعرت وقتها أنّ كلامه كان ضربة قاصمة لها، فقد سقط آخر الشعارات وتجلى قبح ذاك الوهم الذي نسج ذات يوم دنياها وأشواقها.. ووجدت تحت كُسر الأقنعة حطام رجل بائس يريد الالتفاف على قوانين الأحوال الشخصية فيبرع في تعذيبها حتى يدفعها إلى طلاق يعفيه من واجباته… تساءلت وقتها وهي تقف في خوائها الباطنيّ العميق على أنقاض أكاذيب بغيضة: ماذا تعني تلك القوانين المكتوبة لها إذا كان من ظنته رجلها على هذا القدر من المرض؟.. وما هذه الحقوق التي يخطط بشراسة لدفعها إلى التنازل عنها؟.. مجرّد حفنة من النقود الملطّخة بعذاباتها؟؟…

أدركت وقتها أنّه لم يقصم غير آخر أقنعته ليفضح روحه المظلمة، وأنـّها تكسر بإداركها آخر قيد ظل يشدّها إليه وتهتدي إلى معين الحرية بين ظلوعها.

في الصباح توجّهت إلى المحكمة فرفعت دعوى طلاق للضّرر وقصدت بيت أهلها… وحكمت لها المحكمة بثلاثة آلاف دينار تعويضا عن الضرر الماديّ والمعنوي، لكنـّها تنازلت عنها في المحكمة.. كان همّها أن تثبت حقها الذي حاول بخسّة دفعها إلى التنازل عنه. فما إن حصلت عليه حتى أسقطته ترفـّعا.. ومضت بطلاقها.
قطع عليها ذكرياتها صوت الممرّضة تنادي:
– نضال التّابعي.
غزتها مشاعر متضاربة وهي تراه يلج غرفة الطبيب واهنا. وشعرت بلذة تداعب فؤادها.. تمنـّت أن تعرف نتيجة فحصه.. لقد سمعت أنه تزوّج بعدها ولم ينجب.. هي أيضا تزوّجت.. بعد ثلاث سنوات من مرارة الفشل والوحدة تزوّجت، وأنجبت ولدين.. وكان ذلك انتصارا على الطلاق، وعلى كل العذاب الذي سبقه وتلاه.. وعلى الاتّهامات والشكوك والخوف والهلوسات… وهي الآن عند الطبيب من أجل إزالة آلة منع الحمل لتحبل من جديد.
أطال الطبيب فحصه.. ترى ماذا تكون النتيجة؟.. تمنـّت أن تقتحم الغرفة لتخبر الطبيب أنّه طليقها الذي استغرق صرحه الواهن سنوات من العمر وعذابات لها وله ولآخرين كثار حتى يتداعى.. لكنّ الفكرة بدت لها سخيفة..

ثم انفتح باب الغرفة وخرج نضال، فوجدت نفسها تسير إليه حتى تسدّ طريقه.. رفع إليها رأسه وعبرت وجهه أطياف غامضة، وارتعدت فرائصه قبل أن يحاول تحاشيها. لكنّها بادرته:
– أنا مسرورة لأنـّك قرّرت التـّداوي أخيرا.. أرجو أن تجد العلاج المناسب.
خيّل إليها أنّ كلماتها وخزت صميمه، وأنـّه يهمّ بالانفجار في وجهها.. لكنـّه نظر إليها نظرة غريبة وأجابها:
– شكرا لك.. يبدو أنّ حيواناتي المنوية ضعيفة.. وقد وصف لي الطبيب دواء.
صمتت لحظة ثم قالت:
– أرجو لك حظا طيبا.
وتبادلا النّظرات بصمت.. كان كلام كثير يهمّ أن يفصح عنه ثم ينحجب، وكثير من الغضب والعتب والإشفاق توشك أن تبوح به.. لكنهما تبادلا نظرات بارقة وصمت، ثم تنحّت عن طريقه فقال:
– مع السلامة.
ومضى. وعادت إلى مقعدها تنتظر دورها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق