متى تنبَّأ صدقي إسماعيل باقتراب رحيله وأين؟

رحل صدقي إسماعيل عن هذه الدنيا في السادس والعشرين من أيلول 1972. أما حضوره، في ذاكرتي فهو مستمر إلى اليوم، لأنه غادرنا قبل أن يُصدِرَ قرار ترفيعي من محرّر متمرّن في جريدته النفيسة “الكلب” إلى محرر “كامل الأوصاف”.

أستعيد ذكراه اليوم مستعيناً بتلك الجريدة، لأنها – في قناعتي – تُشكّل منجماً ما زال محتاجاً لمستثمرين من نوعية تختلف عمّا نراه اليوم في الأسواق.

ففي الكتاب الذي جُمع فيه “ما أمكنَ العثور عليه من أعداد جريدة الكلب” كما كتبَ الأستاذ سليمان العيسى الذي عُني بنشره في 1983، بعض الحوادث المحتاجة إلى مراجعة. من ذلك، على سبيل المثال، حكاية “الكلب الباريسي” وما جاء بعده من ملاحق، أوردُها، هنا، لأنّها تجيب عن سؤال العنوان، لا لأيّ سبب آخر.

الكلب الباريسيّ الأوّل:

ذهب الأستاذ صدقي إلى باريس في 1968، وأصدر في نيسان من تلك السنة “الكلب الباريسي”، وجاء الإعلان عن الجريدة بهذا النصّ:
جريدةٌ تصدرُ في باريس           موقتاً، كالعرسِ للعريسِ
مَقرُّها في الشامِ أو في حلبِ           لأنها تهمُّ كلَّ العربِ

ومع كون هذا العدد ليس موضوع هذه الصفحة، إلا أنه يستحق الإشارة إليه، فلقد ضمَّ تعليقات متنوعة في السياسة والثقافة والفن والحياة الاجتماعية، مُغلَّفة بخفة ظل صدقي وسخريته المحبّبة وثقافته الفسيحة. أنقل هنا خاتمة الكلب الباريسي الأول وعنوانها الاستعارة:
باريسْ لا تنتهي قَطعاً عجائبُها           عندي لتأكيدِ هذا ألفُ برهانِ
أرادَ فيها صديقٌ سَتْرَ صَلعتِه           أو سَتْرَ عورَتِه .. والأمرٌ سِيّان
فابتاعَ خصلةَ شَعرٍ ضاع مَنبِتُها           من أين جاؤوا بها؟ في ذاكَ قَولانِ
من رأسِ غانيةٍ في الحيِّ أو وَلَدٍ           والحيُّ فيهِ بناتٌ نِصفُ غِلمانِ
أَكُلُّ شيءٍ لدينا يُستَعارُ؟ رَمى           هذا السؤالَ علينا بعضُ إخواني
بعد ذلك بأربع سنوات في كانون الثاني من 1972 قادتني الظروف إلى باريس. وكان لزاماً عليّ، كمحرّر متمرّن في “الكلب” موافاة رئيس التحرير بالمواد اللازمة. فاخترتُ استعادة ذكرى الكلب الباريسي الأول، وكتبتُ – الثاني – أردتُ به تقليد ما فعله رئيس التحرير، وبعثتُ به إليه، فوجد طريقه إلى النشر “مجزوءاً”. ولم أحظَ بقراءة العدد بعد مروره على قلم رئيس التحرير، إلا بعد رحيله.

كان من عادة رئيس التحرير إعمال قلمه الأحمر في ما يكتبه المحرر المتمرن، وكنت أكتشف في كلّ مرّة يُتاح لي فيها مضاهاة الأصل و”التصحيح”، براعةَ الأستاذ وأتعلّم من ملاحظاته. ولسبب ما قَدَّم الأستاذ سليمان العيسى العددَ “التقليد” لما نشره في مجموعة الكلب بهذه الكلمات:

بعد رحلة قام بها مندوب “الكلب” غازي أبو عقل إلى باريس، أصدر هذا الملحق لعدد الكلب الباريسي في 1968 واقتضى السياق إثباته. ومع أن زيارتي لباريس جرت في شتاء 1972 إلا أن الأستاذ العيسى أرَّخ “الملحق” في 1968؟

افتَتَحتُ العددَ “التقليد” بمقالة مطلعها:
ذات يومٍ صدرَ الكلبُ هنا           وجدَ المأوى بها والوطَنا
كان يعوي دون خوفٍ علنا           كانتِ الصرخةُ أعلى
كانتِ النَبحةُ أحلى … إلى آخره.
لم ينوّه الأستاذ أبو معن بالمقاطع التي أضافها رئيس التحرير إلى الملحق، لأن الأستاذ صدقي كان “يُبيّض” العدد الذي ينوي إصداره بخط يده وحده، وهكذا كان يُظَن بأنه الكاتب إلا إذا أشار هو إلى ذلك، في حال تصحيح مقالات المراسلين، بالإضافة إلى أن الأستاذ العيسى قد حذف “تحقيقاً” كاملاً كنتُ كتبتُه من طنجة، التي وصلتُها من باريس، وفيه إشارة ساخرة إلى تظاهرات الطلاب يومئذ وما استدعَتْه من خطاب الملك الحسن الثاني إلى الشعب.

اختتمتُ الكلب الباريسي “التقليد” بمقطوعة اختار لها رئيس التحرير بعدئذ عنوان “جاكي” مطلعها:
أقبلتْ جاكلين تحتَ المطَرِ           وتَلَقَّتْني بثغرٍ غجري
وتَعَرَّتْ دون أن أسألها           واكتفَتْ مني بنيل الوطر
لَفَّنا صمتٌ رقيقٌ شاحبٌ           كُلُّه شِعر برغمِ “المُنكَرِ”
[برغم المنكر بقلم صدقي]
لم أكنْ أسمعُ إلا نَبضَها           وعلى الشباكِ نَقْرَ المطرِ
كنتُ وحدي عندما كنا معاً           هكذا يعشقُ أهلُ الحضرِ
.. إلى آخره
كنا في أواسط شتاء السنة التي شهدَ خريفُها رحيلَ صدقي، ولم أقرأ العدد بصيغته النهائية إلا بعد فوات الأوان، أوان “التّظلم” إلى رئيس التحرير، في قضية جاكي وغيرها.

واضحٌ أن “الجَوّ” الذي كتبتُ فيه جاكي يستبعد حضور الموت، بخاصة إقدامي على اختتام الحكاية بأبيات ساخرة تعارض قصيدة نزار قباني المعروفة” “22 نيسان” من ديوان قصائد، وعنوانها:
المسا شلاّلُ فيروزٍ ثري           وبعينيكِ ألوفُ الصُّوَرِ
وأنا منتقلٌ بينهما           نور عينيك وضوء القَمرِ
قُل هذه حكاية ثانية مَحلها ليس هنا. غير أن ما أذهلني كان اكتشافي خمسة أبيات كتبها أستاذنا الراحل بعد أن شطب خاتمة قصتي لتناقضها مع ما جال في خاطره يومئذ. وهذه هي الخاتمة الجديدة:
وبكأسي عُريها أرشفُهُ           لمَ لا أفعلُ؟ هذا قَدَري
كلما أفرغتُ كأساً ملأَتْ           لا شُعوري .. عربداتُ الأَزعرِ
ذَكِّرتْني أنَّ لي عُمراً يرى           جَسدياً .. أَوَّلَ المُنحَدَرِ
وتراءى الموتُ لي عن كثَبٍ           وهو معروفٌ عَدُوُ البَشَر
هنا يبدو أن رئيس التحرير تذكَّر أن المحرر المتمرن كان في غير وارد الموت، فتدارك الأمرَ قائلاً:
فتمادينا ومن ذا يرعوي           هَدرَ البركانُ .. فَليَنْفَجرِ…

أعود دائماً إلى هذه الحكاية، وأتوقف أمام هذا الإحساس باقتراب الرحيل: وتراءى الموتُ لي عن كثَبٍ. كنا في بداية ربيع 1972، وفي بداية خريفها غادرنا “أبو إياد وألمى”… لكنه زار باريس مرة أخيرة – بعد حكاية الملحق التقليد – بدليل أنه أرسل منها إلى “مندوبه” في دمشق كلمةً جاء فيها:
لكَ مَنّا تحيةً يا عزيزي           بعدَ تشريفنا إلى باريزِ
قد ذكرنا فوراً مُقامكَ فيها           طولَ شهرٍ من طقسِها المهزوزِ
وبحَثْنا عن جاكلين التي كنتَ           وكانتْ تأتي بدون “بُلُوزِ”
لم نَجدْها ولا وَجدْنا على باريز           إلا سِماتِ وجهِ العجوزِ ..
إلى آخره..
وقَعَ الأستاذ العيسى في تأريخ هذه المقطوعة بخطإ غير مقصود، حين جعل زيارة رئيس التحرير الراحل لباريز في 1969، في حين وضع تاريخ العدد على الغلاف أيار 1972… وهذا هو الأصح، لأن حكاية جاكي كُتبت في مطلع 1972. وغادرنا الأستاذ صدقي في السادس والعشرين من أيلول. وبعد عام على رحيله أُقيم “احتفال” على مُدَرَّج كلية الحقوق القديمة، لم يُدع المراسل المتمرّن إلى الكلام فيه، لكنّه اكتفى بإصدار عدد خاص في الذكرى مقتفياً نهجَ المؤسّس. جاء في مطلع افتتاحية ذلك العدد:
ورثتُ عن الأستاذ كلباً مُدَرباً           على كُلِّ ما يُودي بشخصٍ إلى السّجنِ…

أستاذي العزيز.. “هاجتِ الذكرى فمَن راجعٌ”…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This