محمد أركون، همزة وصل بين المحلّي والعالمي

لقد كان اللقاء بالراحل محمّد أركون في مدينة نيس خلال الملتقى الدولي «مستقبل العقل، صيرورة العقلانيات» (2002). ثمّ جاء اللقاء الثاني في معهد العالم العربيّ (باريس، 2007) في تقديمه لمحاضرة عنوانها «المهامّ النظرية والعلمية للإسلاميات التطبيقية».

بعد المحاضرة، أذكر أنّ أركون توجّه إليّ قائلا: «كيف هي أحوال الفكر يا الزين؟». فإذا كانت هناك سياسة قام بممارستها فهي بلا شكّ «سياسة الفكر» كما يسمّيها المفكّر اللبناني علي حرب. لكن هل كانت علاقته بالسياسة (بالمعنى الإجرائي للكلمة) معقّدة؟ لماذا كانت علاقته ببلده الأصلي فاترة إلى درجة أنّه لم يتردّد عليه منذ سنوات «الملتقيات الإسلامية»، وآخرها سنة 1986 عندما قوبل بالمقت والإهانة؟
لفهم هذه القطيعة مع البلد الأصلي، أستحضر هنا المحفّز الذي دفع أركون إلى استحداث مفهوم الإسلاميات التطبيقية، وقد تطرّق إلى ذلك في محاضرته.

لقد كان همّه هو مصير الهوية الجزائرية بعد الاستقلال. إذ كان طالباً في «جمعية الطلبة لشمال إفريقيا» في شارع سان ميشال في باريس: «لقد عشتُ تلك الفترة فكرياً، بينما بعض أصدقائي عاشها سياسياً». كان همّه الأساسي هو التفكير في الهوية الجزائرية فكرياً قبل إخضاعها إلى أيّ مذهب سياسي أو مشرب إيديولوجي، إذ كانت مخاوفه على وجه التحديد هي الاستعمال الإيديولوجي للإسلام والعربية وغيرها من مقوّمات الهوية الجزائرية. ومخاوفه كانت مشروعة بقدر ما كانت دقيقة وذات محتوى تنبّئي، إذ تمّ إخضاع هذه المقوّمات إلى تصوّر ضيّق هو نتاج توزيع الأدوار والسلطات، ومن أجل إضفاء الشرعية على السلطة السياسية. لقد تمّ إقصاء الفاعلين الاجتماعيين، وهم الجزائريون الذين شاركوا بشكل أو بآخر في تحرير البلاد من الإستعمار، الكلّ حسب قدراته وسياقاته، لتصبح المقوّمات التي بُنيت عليها هويتهم تحت الوصاية السياسية والاحتكار الحزبي. كان هناك نوع من الختم على الهوية بخاتم السلطة. فلم يكن بالإمكان التفكير العقلاني والهادئ، والحوار الفاعل والمشترك حول الهوية بكلّ أبعادها الجغرافية والتاريخية والرمزية والألسنية والدينية.

وفي الحقيقة، لا يمكن التفكير العقلاني والنقدي في الهوية في ظلّ بنيات سياسية أو تقاليد سلطوية تعتبر المجتمع قاصر عقلياً ولا بدّ أن تفكّر وتقرّر في مكانه وتتحدّث باسمه. وهو ما أشرتُ إليه بعبارة «الإنفانس» اللاتينية (infans) في مقالي بالفرنسية «شجاعة الحقيقة: محمد أركون»، والتي تعني «الأمر الذي لا يتكلّم» والمفردة لها علاقة بنوع من الطفولة العقلية وعدم بلوغ سنّ الرشد.

لقد حاول أركون التفكير في الهوية من منطلق عصر الأنوار، والذي كان يسمّى بحق «عصر العقل» أو عصر الرُشد الفكري، بعد قرون من هيمنة الكنيسة على الوعي الأوروبي، واتّخاذ المجتمع الأوروبي زمام التقدّم والحرية والتفكير العقلي والخروج من حالة القاصر إلى حالة الراشد كما كان يقول إيمانويل كانط في تعليقه على عصر الأنوار والثورة الفرنسية. لكن هل بالإمكان التفكير عقلانياً في واقعنا اليوم تحت نوع من الإكراه والوصاية التي تجعل منّا في حالة القصور العقلي؟ هل صحيح أنّ المجتمع بجمعياته الثقافية وفضاءاته العمومية وبنياته السياسية غير قادر على التفكير والحوار والتبادل أم أنّ الوصاية المفروضة عليه والاحتكار الذي يتعرّض إليه رأسماله الرمزي والتاريخي يحولان دون استثمار الرُشد النقدي والاجتماعي؟

هذا ما كان يخشاه أركون وحاول تصحيحه بمفاهيمه الخاصة به، التي كانت في البدء أكاديمية بحتة ثم تحوّلت إلى مفاهيم إجرائية وجريئة على ساحة النقاش الجامعي والإعلامي. صحيح أنّ مصطلح «الإسلاميات التطبيقية» جاء كردّ فعل عن الإسلاميات الكلاسيكية وليدة الإستشراق القائمة على القراءة الخطية والكرونولوجية للتاريخ الإسلامي. لكن كان أيضا كسياسة فكرية في مواجهة الإستعمال السياسي والإيديولوجي للهوية والتراث الرمزي والديني.

النتيجة الثانية في استحداث مفهوم الإسلاميات التطبيقية هو فهم انتقال الإسلام، كظاهرة رمزية وتاريخية وبشرية، من «منفتحه» الإنساني والكوني (الرسالة التي جاء بها النبيّ محمّد) إلى «منغلقه» الإيديولوجي والطائفي، بمعنى تحوّله إلى مخيال جماعي تغذّيه الإرادة السياسية، أو دافع إيديولوجي يرعاه الحزب أو القبيلة، وهو ما أسمّيه «العشائرية السياسية».

لم يكن همّ أركون هو عقلنة الظواهر التي يدرسها دون الوقوف على مكامنها وتركيبتها المبهمة، بمعنى دون تسليط نظام الإنارة (سليلة الأنوار أيضاً) على المناطق المعتمة وفضح بديهياتها وبنيتها السلطوية. النتيجة الثالثة في استحداث مفهوم الإسلاميات التطبيقية هو متابعة الخطاب الذي يتجلّى في أنماط التعبير، سواء تعلّق الأمر بخطاب سياسي أو إعلامي أو ثقافي أو شعبي، وإمكانية أن يكون هذا الخطاب حامل تصوّرات أو مخيالات تخضع إلى ضبط إيديولوجي أو توجيه نحو أهداف مسطّرة وهو ما أسمّيه «الشعائرية الإيديولوجية».

هناك نتائج أخرى انجرّت عن ابتكار مفهوم الإسلاميات التطبيقية وألخّصها في جانبين أساسيين:

أوّلا، الهمّ اللغوي الذي طغى على سياسة الفكر لدى محمد أركون، وكان يقصد بذلك فقه اللغة، وليس لغة الفقه، بمعنى جملة المعاجم والمصطلحات والممارسات الألسنية والتداولية التي تحتاج إلى قراءة نقدية وموضوعية، وبحصانة علمية وحصافة فكرية. إذ منذ القرن الثالث عشر انفكّت اللغة العربية عن كونها لغة المفهوم، وتحوّلت إلى خطاب لاهوتي وفقهي يكرّر البديهيات والسرمديات. فلا يمكن إعادة الاعتبار للغة العربية سوى بإفراغ قوالبها من الأصنام الفقهية والإيديولوجية العالقة بها وإعادة الحيوية النقدية والحفرية والفلسفية والأنثروبولوجية إليها. ولا يتأتّى ذلك سوى باستبدال إرادة السلطة بإرادة المعرفة، والبحث الحثيث والمتواصل عن الجذور التاريخية والألسنية للرموز الدينية وللتصوّرات الجماعية.

ثانيا، الهمّ الفكري والذي يتلخّص في نزع الأسطرة عن الموادّ التراثية التي تمّ صناعتها في الماضي، إذ العلوم الدينية وغيرها من المعارف والفنون هي «صناعات» فقهية أو لاهوتية نتاج ابتكارات وسجالات (المعتزلة، الماتريدية، الأشعرية، المالكية، الحنفية، إلخ)، فكيف أصبحت هذه الصناعة الفكرية أقانيم مقدّسة تمّ ختمها، تاريخياً وسياسياً، بالخاتم الإيديولوجي وغلق أبواب الإجتهاد والمناظرة؟

إنّه السؤال الجريء والخطير الذي طرحه مشروع أركون. فهناك محو اجتهادات الحاضر بمثاليات الماضي تمّ وقفها قانونياً وسياسياً لتضحي العقيدة الرسمية. لقد كانت هناك محاولات في الإصلاح، لكن هي مجرّد ترميم العتيق أو إصلاح المعطوب مثلما نصلح سيّارة معطوبة. فلا يقوم الإصلاح بمساءلة البدايات والبداهات، ولكن يقوم بإلباسها حلّة جديدة في سياق مغاير، لأنّه ينقاد طواعية إلى الأصول المفقودة في الزمن والمحفوظة في الذاكرة والكتابة.

لا شكّ أنّ المشروع الضخم لمحمد أركون كان يروم تخليص الدين من الوصاية والاحتكار وبعث الحركة والتجديد في ثناياه بأدوات نقدية وعلمية صارمة. «نقد العقل الديني» هو في الحقيقة نقد السلطة البشرية التي تتلبّسه في تطويع الحشود وتهييج العواطف وتعميم المخاوف. هو فضح الاستعمال الفاحش لرموزه والتستّر وراءها في التماس الشهرة أو اكتساب الريع. بالأمس أيضاً كان الأب اليسوعي والمؤرّخ ميشال دو سارتو قد ثوّر الدراسات الدينية بنقد العقل المسيحي ليقف على حقيقة قلّما نعيها : كل نقد للفكر الديني هو فضح نظام التسلّط الذي يمارسه من ينافح عنه وينصّب نفسه الحامي له والراعي عليه. فلا شكّ أنّ علاقة أركون بتراثه وبلده (كما كانت علاقة ميشال دو سارتو بتراثه الديني واليسوعي) هي معركة المعرفة ضدّ السلطة، أي معركة من يتسلّح بالأدوات النقدية والتاريخية والفلسفية والعلمية والأسلوبية والجمالية في مواجهة من يتسلّح بالقوّة والسطوة، لأنّ القوّة وحدها كافية لضمان هيمنته على الغير حتى وإن كان جاهلا لا يمت إلى المعرفة بصلة.

جلال القوّة يعوّض ويحجب جمال الحكمة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق