وسائل الإعلام وثقافة الجموع (13): من الإعلام الموجّه إلى الجموع إلى الإعلام الذي تصنعه الجموع

نّ وسائل الإعلام الجماهيريّة غير وسائل الإعلام التي تصنعها الجماهير نفسها. الأولى هي ما يعبّر عنها بـ (Mass media)  أو (Médias de masse)، وهي، كذلك، باعتبارها وسائل اتّصال ذات اتّجاه واحد من الباثّ الفرد إلى المتقبّل الجمع، وباعتبارها حمّالة لرسائل إلى جمهور لا دخل له في صناعتها. ولعلّ التلفزيون يعدّ، منذ عقود، وسيلة الإعلام الموجّهة إلى الجموع بامتياز، تليه سائر الوسائط كالإذاعات والصحف والملصقات وغيرها..

الثانية هي ما صار يعبّر عنها، في ظلّ مجتمع المعلومات، بـ (Média des masses ). فمع ظهور الإنترنيت، أمكن الحديث عن “جماهيريّة الإعلام”، أي عن وسائل اتّصال وإعلام تسهم الجموع في صناعتها ولا تكتفي، فقط، بتقبّلها. وبدأنا نشهد عصرا للمعلومات تغيّرت معه الوضعيّة القديمة: جموع تتقبّل منتوجا إعلاميا لا تسهم في صنعه إلى وضعيّة جديدة أصبح، معها، الاتصال والإعلام يتمّان من الجموع إلى الجموع..

إنّ إعلام الجموع، بوسائطه الديمقراطيّة، سيغيّر، جذريّا، من طبيعة العلاقة بين المواطن والشأن العامّ. وستكون له، على سبيل الاستدعاء، آثارٌ ملحوظة في حياتنا المعاصرة. يمكن أن نفكّر، بجدّ، في ما يمكن أن يعد به “النات” لجمهور المبحرين والمستعملين من سلطة يحسب لها كلّ حساب على قدر ما يكون استغلال هذه الوسائط الجديدة واعيا وظيفيّا.

على هذا التحوّل الخطير في السلطة مدارُ حديث أجرته فيرونيك أنجر Véronique Anger  مع الفرنسيّ جول روسناي (Joël de Rosnay ) أحد أهمّ المختصّين في نظريّات الاتّصال وتطبيقاته (1) – المترجم.]

 كيف تميّزون بين الإعلام الجماهيريّ ( الإعلام الموجّه إلى الجموع ) وبين جماهيريّة الإعلام (الإعلام الذي تصنعه الجموع )؟ 

لقد وُجِد الإعلام الموجّه إلى الجموع منذ القديم. كانت الأغورا في اليونان القديمة الساحة العموميّة التي يجتمع فيها الخطباء والجمهور للناقش والتجارة. ومع ظهور المطبعة، خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ظهر النشر الموجّه إلى الجموع. لقد كانت ثورة بحقّ. للمرّة الأولى، صار من الممكن طباعة وثيقة، ثمّ انتساخها في آلاف النظائر، بل في عشرات آلاف النظائر. وصار من الممكن أن يطّلع الناس عليها دون أن يكونوا مضطرّين إلى الاجتماع في نفس المكان والزمان.

ستكون الجريدة أوّل وسيلة إعلام حقيقيّة. وبعد وسائل الإعلام المكتوبة كالجريدة والمجلّة والكتاب سيظهر الصوت مع البثّ الإذاعيّ. ومنذ ذلك الوقت، صار بإمكان الفرد أن يتكلّم وأن يُسْمَع مباشرة، ولكن عن بعد. وبفضل تقنيّات التسجيل، صار من الممكن، بعد ذلك، أنْ  يُستمَع إليه بعد مهلة أي خارج الزمان والفضاء. لقد كان هذا تغييرا جوهريّا.

ثمّ، جاءت الصورة. وفجّر التلفزيون مفهوم الاتّصال. بدءا من خمسينات القرن الماضي، أفرز التلفزيون نوعا من المجموعة العالميّة نسمّيها الرأي العامّ. صار باستطاعة المتفرّجين أن يتقاسموا الانفعال نفسه إزاء جملة من الأحداث كموت كينيدي، أو أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أو موت البابا، أو التسونامي في جنوب شرق آسيا… وذلك في اللحظة نفسها أمام الصور التي تبثّها مباشرة القنوات التلفزيونيّة في العالم.

وأخيرا، وبعد المطبعة والراديو والتلفزيون، شهدنا، في التسعينات، ثورة رابعة كبرى هي ثورة الإنترنيت. وعلى عكس المطبعة والراديو والتلفزيون، فإنّ الإنترنيت لا يكتفي بإبلاغ الجموع. إنّه وسيلة إعلاميّة مضاعفة ( الكلّ للكلّ TVT) تكفل القدرة على التقاط الخبر وعلى بثّه أيضا.

بإمكان مستعملي الإنترنيت أن يتكاتبوا فيما بينهم وأنْ يتحادثوا، وأن ينتجوا الخبر، أو يعرضوه أو يبيعوه ويشتروه. حلّ الإنترنيت محلّ صيغتين من التواصل تقليديّتيْن.  أسمّي الصيغة الأولى صيغة “شبّاك التذاكر” (من الفرد إلى الفرد 1V1). كانت هذه الصيغة قد وُجِدت لتتيح اللقاء بين الإدارة ومن يطلب خدمة من المواطنين (شركة السكك الحديدية، الضمان الاجتماعي، الخزينة العموميّة..).

أمّا صيغة التواصل الثانية، وهي التي تتمّ عبر الصورة، فقد كانت ثوريّة، في عصرها، غير أنّها تبقى صيغة بثّ هرميّة. في أعلى الهرم يتوجّه البعض (في قنوات التلفزيون والإذاعات أو من محرّري الصحف… ) إلى آلاف بل إلى ملايين الناس. ذلك النمط الذائع الذي ميّز التطوّر الإعلاميّ في الخمسين سنة الأخيرة (من المفرد إلى الجمع top-down).

مع ظهور الإنترنيت، نشأت صيغة اتّصاليّة ثالثة: الكلّ نحو الكلّ أو الجمع للجمع (number to number, N2N).

صار بإمكان المستعملين تناقل الخبر عبر مواقعهم على الواب أو عبر مدوّناتهم، أو عبر مدوّنات الفيديو. وصار بإمكان هؤلاء المستعملين أن يجتمعوا على هدف تخريبيّ مثل إيقاف موقع مّا عن العمل لساعات كالهجمة ضدّ الياهو سنة 2000، عبر نشر فيروس من نوع “أحبّك I love you”، كما قد يجتمعون على هدف بنّاء عبر المشاركة المباشرة من خلال جهاز “واب كام” أو  من خلال حصص تلفزيونية أو إذاعيّة أو عبر المحادثة الحينيّة (الشات).

مع الإنترنيت، تغيّرت قاعدة اللّعب نهائيّا. ففي مقابل السلطات العموميّة والخاصّة، ظهرت سلطة المواطن بحقّ. الإنترنيت هو وسيلة إعلام الجموع بامتياز.

أليس في تعدّد المدوّنات علامة على بروز سلطة مواطن موازية للسلطات التقليديّة القائمة، المؤسّسية منها والاقتصاديّة والسياسيّة…؟

في مواجهة مالكي أقنية البثّ الهرميّ من أرباب الموسيقى، والتلفزيونات الكبرى، وكبار ناشري الصحف الذين يريدون الاستمرار في إلزامنا البقاء تحت سقفهم المهين، نلاحظ، فعلا، الصعود القويّ لجماعات من المستهلكين وجماعات الضغط المختلفة. وهي جماعات قادرة على أنْ تتّصل بالشبكة على نطاق واسع وبنجاعة فوريّة. تلك الجماعات التي نسمّيها “المحترفين الهواة” les “Pro-Ams” يمتلكون أدوات السلطة  المعروفة عند الأنقلوساكسونيّين بـ ( empowerment tools ) باعتبارها من عناصر القوّة والاختيار الحرّ للمستهلك.

لقد بدأ “المحترفون الهواة” في إزعاج النماذج الاقتصاديّة التقليديّة القائمة على سياسة النّدْرة في الطاقة والثروات المادّية، بخلق قوّة موازية وسلطة جديدة قادرة على ترجيح الكفّة لصالحها على حساب السلطة التقليديّة. لقد تمّ اختراع جميع أدوات السلطة من قبل المستعملين أنفسهم من بريد إلكتروني (وإن اقتصر على غايات تسويقيّة )، ورسائل قصيرة (SMS )، وتراسل حينيّ كـ ( msn ) ، ومحادثة. صار “سكايب” منظومة هاتفيّة عالميّة مجّانيّة تستعمل تقنية الشخص للشخص ( Le P2P Peer2Peer particulier à particulier ) لتسمح للمستعملين الذين قاموا بتحميل برمجيّتها بالتخاطب عبر الحاسوب. كما تمّ تحويل الصوت إلى نظام ( MP3) ممّا جعله في حالة ممتازة تفوق حالته مع (msn ) أو مع النات فون مثلا.نذكر، أيضا، المواقع الاجتماعيّة التي تقوم على صيغة الجمع للجمع.

هذه الأدوات تجمع الناس للتعارف، أو للزواج، أو لمجرّد التحادث، واكتشاف الميول المشتركة، أو للانخراط في منظومة قيم مشتركة، أو إنشاء مجموعات أو نوادٍ..

كيف لأرباب الأقنية الإعلامية والتواصلية التقليديّة أن يرجّحوا الكفّة أمام سلطة “المحترفين الهواة”؟

إنّ النّماذج الاقتصاديّة التقليدية تصير بلا جدوى في صيغة الجمع للجمع (أو الكلّ للكلّ ). وهي الصيغة التي تمّ، فيها، كسر احتكار سياسة الندرة. وفي خطوة لحمل مستعملي الإنترنيت على المرور عبر الأقنية الاحتكاريّة التقليدية، صار مسوّقو الموسيقى، مثلا، يطالبون باتّخاذ إجراءات قانونيّة بحقّ من يقوم مِن مستعملي الإنترنيت بتوزيع ما حمّله من الموسيقى مجّانا.

إنّ مجتمعاتنا الحديثة هي مجتمعات لمشهدة الخوف. هذا ما عبّر عنه ميشال سار Michel Serres بطريقة جيّدة. هي مشهدة تستفيد من السياسيّ والإعلاميّ والقانونيّ. يتغذّى وجود هذه المجتمعات على الخوف الدائم. الخوف من الإرهاب، من الكوارث البيئيّة، من انعدام الأمن، من المهاجرين، من البطالة، من البيدوفيليا، من المومسات إلخ..

كذلك، تلتقي سياسة الندرة مع سياسة الخوف، وتعمّقهما النشرات الإخباريّة التلفزيونيّة بغاية الضغط على المواطنين لحملهم على الانضواء، من جديد، تحت السقف المهين لأرباب الأقنية التقليديّة، ولحملهم على القبول بضوابط حمائيّة متزايدة.

على أنّ المشهد بصدد التغيّر منذ وقت. وتدنّت ثقة الجمهور، أكثر فأكثر، في المسالك التي يريد أرباب الأقنية التقليدية فرضها. وقلّت، من يوم إلى آخر، ثقة هذا الجمهور في الصحفيّين التقليديّين.

يوميّا، وفي كلّ مكان من العالم، يقع إنشاء صحف إلكترونيّة متعدّدة الوسائط، هي ما يُسمّى صحافة المواطن، مواقع واب متجدّدة، ومدوّنات تتيح لمستعملي شبكة الإنترنيت أن يكتبوا مقالاتهم الخاصّة، وأن ينافسوا الصحفيّين المحترفين.

شيئا فشيئا، تراجعت سياسة الندرة أمام تقدّم سياسة الوفرة.

كلمة الوفرة محرجة في عالم يعيش فيه ستّون بالمائة 60 % من سكّان البلدان السائرة في طريق النموّ تحت خطّ الفقر. أستعمل هذا المفهوم (الوفرة) لكيْ أبيّن، فقط، أنّنا دخلنا، مع مجتمع المعلومات، في عصر الوفرة الرقميّة.  فإذا كان عصر مجتمع الطاقة قد قام على مبدإ الجمع والمنع (ربحي في خسارتك zero sum game كما تفصح عنها نظريّة الألعاب (2) (أي إنْ أنا أعطيت مالا منقولا أو عقارا فقد فقدته..)، فإنّ عصر مجتمع المعلومات  يرتكز على سيولة  المواد الرقمية ( صور، نصوص، أصوات، عملات…) بلا حساب. إنّنا بصدد مبدإ جديد الكلّ فيه رابح محتمل (non zero sum game ).

ووفق نظريّة الألعاب ذاتها، فإنّ ما أعطيه يظلّ لي. والمبحر على شبكة الإنترنيت الذي يقوم بحفظ قطعة موسيقيّة حمّلها، فإنّه يخلق قيمة مضافة، تماما، كما تفعلون حين تنشرون هذا الحوار معي على موقعكم. تحقّقون، بذلك، قيمة مضافة إلى محاوراتكم الاستراتيجيّة. ومع ذلك، أحتفظ، دائما، بمعلوماتي لي.

في الطور السابق طور الندرة، تنشأ القيمة المضافة بطريقة خطّية: يتحوّل منتوج خامّ إلى منتوج شبه منته، ثمّ إلى منتوج تامّ. في مجتمع المعلومات، لا يضيع المنتوج الرقميّ، ويطول عمره ويستمرّ ولن يكلّف استخراج نظير منه أيّ شيء.


هل يعني عصر الوفرة الرقميّة مزيدا من الديمقراطيّة أم مزيدا من الفوضى؟

-إنّ المواطنين بصدد خلق ديمقراطيّة جديدة لا “ديمقراطيّة افتراضيّة ” (” E-démocratie) تقتصر على إمكانيّة الانتخاب عن بعد عبر الإنترنيت، ولكنّها ديمقراطيّة حقيقيّة للاتّصال. هذه الديمقراطيّة الجديدة المرتكزة على إعلام الجموع نجمت، وبصورة عفويّة، بأثر من أحدث التكنولوجيّات في الإعلام والاتّصال التي تقتضي نماذج اقتصاديّة جديدة. هذه الرهانات لم يفهمها حق الفهم لا أرباب الأقنية التقليديّة ولا السياسيّون(…).

على المستوى التكنولوجي، وقع تجاوز وسائل الإعلام التقليديّة من قبل وسائل إعلام صاعدة تنتجها الجموع وتستهلكها. ومحلّ النصّ المكتوب تقليديّا حلّت المدوّنات، ومواقع الويكي التشاركيّة (Wiki )
وصحف المواطن ( Citizen journal/ journaux citoyens)، وبإمكان هذه الوسائط الحديثة ترويج الخبر وتبادله من الجمع إلى الجمع، وليسقط في أيدي أعوان الوسائط القديمة.

الأكثر شهرة في مواقع الويكي التشاركيّة هي “الويكيبيديا” Wikipedia التي تعدّ مليون مادّة في شتّى الموضوعات كتبت في شتّى أنحاء العالم في 36 لغة. وبموازاة مع الويكي على “النات”، تزايدت أعداد “الويكي” على الإنترانيت ( intranet )، إذ تعمد بعض المؤسّسات التجاريّة إلى إنشاء مواقع من “الويكي” متخصّصة لتتيح لأعوانها الوصول إلى قاعدة بيانات مخصوصة.

وبالمثل، تشهد صحف المواطن كالأغورافوكس AgoraVox في فرنسا أو “أوماي نيوز” OhMyNews في كوريا نجاحا باهرا.

يمثّل المدوّنون الذين يساهمون معا، في مدوّنة، أو في مواقع الويكي أو في صحيفة من صحف المواطن  صنفا من المبحرين على الشبكة ملمّا بموضوع نشاطه، وفي الغالب أكثر إلماما بالمعلومات من الصحفيين المحترفين أنفسهم. ولهذا، يحدث، كثيرا، أنْ تنقل وسائل إعلام تقليديّة ضخمة كجريدة “لوموند” الفرنسيّة ( Le Monde) أو شبكة “السي إن إن” (CNN ) بعض أخبارهم.

يتردّد، اليوم، حديث متزايد عن منافسة تشكّلها هذه التكنولوجيات الحديثة لأنظمة البثّ التقليدية كالراديو والتلفزيون. هل من إضافة إلى هذا الحديث؟

-يمثّل “البودكاستينغ” ثورة مقارنة بنظام الصوت في النموذج التقليدي. فمع برمجيّة التردّد الإذاعيّ (SDR (Software Defined Radio ولدت تقنيّة ثوريّة ستجعل، في النهاية، من كلّ جهاز إلكترونيّ لاقطا إذاعيّا ( مشغّل أقراص الدي في دي، محطّة الألعاب، آلة التسجيل، التلفزيون، الهاتف…). وسيكون من الممكن أن يقع، عن طريق حاسوب شخصيّ  تحويل أيّ برنامج يبثّ على (FM) بنظام الكل للكلّ، عبر تحويله إلى نظام (MP3).. بإمكان كلّ شخص أن يتصوّر برنامجه الإذاعيّ الشخصيّ، ويعيد بثّه، بكامل الحرّية، على الإنترنيت.

لا حاجة، بعد ذلك، إلى ترخيص من سلطات الاتّصال للحصول على تردّدات إذاعيّة خاصّة من أجل البثّ. الأمر نفسه سيحصل مع البثّ التلفزيّ قريبا، حيث سيكون من الممكن انطلاقا من حاسوب شخصيّ نقل برامج تلفزيّة على النات. وسيكون بإمكان مستعملي شبكة الإنترنيت، بفضل نظام سيبرسكاي Guido Ciburski  CyberSky.com المتطوّر، وبرمجيّة بيت تورنت (BitTorrent ) القابلة للتحميل المجّاني على النات أن ينشئوا ملفّات صورهم الخاصّة، ثمّ بثّها مجانا بتقنية تلفزيون الكلّ للكلّ (   P2P TV  – peer 2 peer TV ).

تماما كالمدوّنات الشخصيّة، ومواقع الويكي التشاركيّة، وصحف المواطن وطرائق البثّ الأخرى، سنشهد ظهور تلفزيون تصنع موادّه وتبثّه الجموع.

ولمّا كان الإشهار هو آخر ما يميّز وسائل الإعلام التقليديّة، فإنّ الاتّجاه ينحو، في مجتمع المعلومات، إلى الإشهار النوعيّ، لا إلى الإشهار الهرميّ الذي يسم مجتمع الطاقة. بدأ المعلنون يلاحظون أنّ ازدهار إعلام الجموع ( المدوّنات، الويكي، صحافة المواطن، صفحات الواب الشخصيّة…) يتوافق مع طلب على “بضاعة” مخصوصة (الطلب على نمط موسيقيّ معيّن، على نوع من الرحلات، أو على نوع من الرياضات..)، واكتشفوا أنّ البلاغات الإشهاريّة المصوّبة بدقّة إلى الغرض أكثر نجاعة من الحملات الإشهاريّة الضخمة ولكن غير المميّزة.

إنّ الإشهار بصدد التحوّل من وسائل الإعلام التقليديّة نحو إعلام الجموع. منذ أشهر قليلة، صرّح مدير إحدى القنوات التلفزيونيّة الفرنسيّة بأنّ مهمّة التلفزيون تتمثّل في إرسال المشاهدين إلى المعلنين عوض إرسال المضامين نحو المشاهدين. يمارس المعلنون على المشاهدين ضغطا متزايدا للظفر بهم، عبر برامج هزيلة المستوى كبرامج المسابقات التي تبثّ باستمرار (على TF1  أو M6 ).

أعتقد أنّ هذا التلفزيون هو بصدد الاضمحلال. وأعتقد، أيضا، أنّ وسائل الإعلام ونموذجها الاقتصاديّ التقليديّ – مع نظامها القائم على إثارة الخوف والندرة – تتراجع يوما بعد يوم أمام زحف إعلام الجموع القائم على مفهوم الوفرة، وعلى سيل متدفّق للروابط والصلات.

وماذا سيبقى لأرباب الإعلام القدامي مع هذه التحوّلات؟

إنّهم يشحذون أسلحتهم، ويُبدون مقاومة شرسة كأنْ يلاحقوا، قانونيّا، من ينشر، على الإنترنيت، منتوجا موسيقيا قام بتحميله دون وجه حقّ. لقد أبان هذا الردع الممارس عن حدوده. أعتقد أنّ ذلك شبيه بمقاومة تبديها بعض الجيوب المتبقّية. يحاول هؤلاء الأرباب القدامى أن يفرضوا بضاعتهم الأصليّة / القياسيّة محتذين حذو “بيل غيتس” الذي ألزم متصفّحي شبكة الإنترنيت استعمال منتوجات ميكروسفت. غير أنّ المنتوجات الأصلية القياسيّة لم تعد تغري مستعملي الإنترنيت الذين صاروا يفضّلون عليها أنظمة مفتوحة كالإي بي (IP ) والوي في (Wireless Fidelity)  أو الويماكس (Worldwide interoperability for Microwave Access) الذي يزيد في مساحة “الوي في” إلى عشرات الكيلومترات.. حتّى لو كانت هذه المنتجات أقلّ جودة في الأداء.

التشفير هو وسيلة أخرى من وسائل المقاومة. ولكنْ مهما تكن درجة تعقيد عمليات التشفير هذه، يبقى بإمكان قراصنة الإنترنيت تفكيك التشفير والنفاذ إلى الأنظمة والبرمجيّات.

إنّها حرب السيف والتّرس.

وفي الأخير، جهدت جيوب المقاومة على إدامة التبعيّة لدى مستعملي الإنترنيت حتّى صار تنزيل برمجيّة مّا أيسر، بكثير، من فكّها أو حذفها.

 في هذا السياق، كيف يمكن ضبط الحركة بين النموذجيْن، نموذج الندرة في مجتمع الطاقة، ونموذج الوفرة في مجتمع المعلومات؟

لا يمكن لهذا الضبط أن يتمّ نزولا من أعلى الهرم إلى قاعدته. فلم يعد أحدٌ يسلّم بما تقرّره، بمفردها، مجموعة من التكنوقراط في بروكسيل أو غيرها. ولم تكن اتّصالات “الكلّ للكلّ” لتنتشر، سريعا، على الشبكة لولا أنّها  أمارة على أنّ المستعملين يرفضون أوامر مسقطة لهذا أو لذاك.

يمكن التفكير في ضبط ذاتيّ أو ضبط تشاركيّ بين المواطنين. ولكن، أعتقد أنّ ذلك أمر مبكّر سابق لأوانه، وأن مستعملي الإنترنيت ما زالوا غير جاهزين لهذا الضبط التشاركيّ، وأنّ المواطنين ليسوا على وعي كاف بأنّهم إنِ اتّحدوا وتماسكوا أنشؤوا سلطة مكافئة للسلطة التقليديّة أو أنشؤوا ما أسميه ذكاء جماعيّا.

إلى حدّ الآن، يقتصر التعبير عن ذلك الذكاء الجماعيّ على النزول إلى الشارع بأجهزة تصوير فيديو أو تلفزيّ، أو على تظاهرات عفويّة كان قد درسها المختصّ في الآثار السوسيولوجيّة للتكنولوجيّات الحديثة هوارد رينجولد (Howard Rheingold ) في كتابه  Smart Mobs أو الجموع الذكيّة (3).

أعتقد أنّ مستعملي الإنترنيت قد بدؤوا التحقّق إلى أيّ حدّ سيسمح لهم النات في المستقبل بممارسة سلطتهم على قدر تضامنهم وتنظّمهم.

إنّ إعلام الجموع ، وهو وحده الإعلام الديمقراطيّ بحقّ، سيغيّر تغييرا جذريّا العلاقة بين المواطن والشأن السياسيّ، ثمّ تتداعى له آثار ملحوظة في المجال الثقافيّ والاجتماعيّ.

أعتقد أنّ ميزان القوى يرجح، شيئا فشيئا، لفائدة المواطنين، غير أنّي لا يمكن أن أزعم نصرا مؤزّرا  لإعلام الجموع على وسائل الإعلام التقليدية. وبدلا من ذلك، فإنّ دوري، باعتباري متابعا للنزعات التكنولوجيّة وتقاطع التكنولوجيات فيما بينها، يقودني إلى ملاحظة علامات قويّة – لم نلتفت إليها، عموما، بالقدر الكافي – لأنّها لا تنضوي تحت النماذج الاقتصاديّة والسياسيّة المعهودة.

إنّ رؤيتك لعصر المعلومات هي نظرة متفائلة، في المحصّلة. فهل تعتقد أنّ المكاسب المنتظرة ( تواصل أوسع، مزيد من الدمقراطة..) ستحجب المظاهر السلبيّة التي أفرزها عصر المعلومات (القرصنة، الفيروسات، المسّ من الحياة الشخصيّة..)؟

طبعا، من الممكن أن أرى في ذلك مشهدا قاتما، بصفة كلّية، وأن أتحدّث عن شفا المنزلق الذي يحفّ بنا أثناء هذا التحوّل. وفي الحقيقة، بقدر ما تزداد شخصنة الخدمات والممتلكات والأذواق، يزداد خطر المسّ من الحياة الشخصيّة. وعلى قدر الهواتف والحواسيب الموصولة بالشبكة تزيد إمكانيات التحديد الجغرافي الدقيق للمستعمل. وكلّما تعدّدت عمليّات نفاذنا إلى شبكة الإنترنيت تعدّدت هجمات “الهاكرز”، والفيروسات، وسرقة أرقام البطاقات البنكيّة، وتضخّم البريد الطفيليّ (السبام ).

باعتباري متخصّصا في الاتّصالات، أجد نفسي مع البناء لا الهدم. أنا أسعى إلى تعيين مسارات، وأساعد المواطنين على تكوين مستقبلهم لا على تحمّل الأحداث. أعتقد أنّنا جميعا مسؤولون عن مستقبلنا المشترك.  وعلينا جميعا التحكّم فيه باستمرار.

لإنجاح هذا الضبط المواطنيّ الجماعيّ، ينبغي أن نهفو إلى قيم إيجابيّة للإنسانيّة، وأسطّر تحت صفة الإيجابيّة. ذلك لا يعني، فقط، مزيدا من النماء الاقتصاديّ. في هذه النقطة، أجدني متّفقا مع باتريك فيفري (4)  Patrick Viveret الذي يحثّنا على أنْ نرقى بالمنزلة الإنسانيّة قبل أنْ نرقى بالمستوى الاقتصادي..

هوامش المترجم :

1. جول دي روسناي Joël de Rosnay  الرئيس التنفيذيّ لـ “بيوتيكس إنترناشيونال Biotics International ، مستشار مدينة العلوم والصناعة، وعضو هيئة تحرير موقع أغورا فوكس..باحث في مجال البيولوجيا والإعلاميّة يهتمّ بالتكنولوجيات المتقدّمة وباستعمالاتها.

من مؤلّفاته :

* Le Macroscope” (1975, Prix de l’Académie des Sciences Morales et Politiques
* les Chemins de la Vie” (1983
* le Cerveau Planétaire” (1986)
* L’homme symbiotique, regards sur le troisième millénaire”, Seuil, 1995
* La révolte du Pronétariat”, Fayard 2006

   2. نظرية الألعاب هي تحليل رياضيّ لحالات تضارب المصالح بغرض الإشارة إلى أفضل الخيارات الممكنة لاتخاذ قرار ما في ظلّ وضعيّات مخصوصة، وتقود إلى الحصول على النتيجة المرغوبة. ترتبط نظريّة الألعاب بألعاب التسلية المعروفة كلعبة الداما والوكر، غير أنّها تخوض في معضلات أكثر جدّية تتّصل بـعلم الاجتماع والاقتصاد والسياسة والعلوم العسكريّة..

3. Smart Mobs: The Next Social Revolution   / Basic Books / 2002

– الجموع الذكيّة أو الغوغاء الذكية هي المجموعة التي تتصرّف بذكاء وكفاءة في ظلّ مجتمع العلومات. تتيح الشبكة تدفّقا للمعلومات يوفّر فرصة لمزيد من أشكال التنسيق الاجتماعيّ. وكما قد تكون آثار هذا التنسيق مفيدة ، تكون ضارّة مع بعض الاستخدامات الأخرى… ينسب هذا المفهوم إلى رينغولد في كتابه المذكور سابقا.

4. Pourquoi ça ne va pas plus mal, Patrick Viveret

 http://grit-transversales.org/article.php3?id_article=83

 


الحوار نشر في موقع (أغورافوكس agoravox ) بعنوان:

Des Mass Media aux Media des Masses

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This