مناهضة جرائم إحراق الكتب وإبادة المكتبات

كان إحراق الكتب وتدمير الصروح الثقافية أشنع تجلّيات الظلامية، أياً كان مسمّاها ومرجعياتها العقيدية، دينيةً كانت أم سياسيةً، وأبرز معالمها في طول التاريخ المكتوب وعرضه.
ظنّ البشر أنّ ولوج الألفية الثالثة خلّف وراءه وإلى غير رجعةٍ مشاهد تنتمي إلى القرون الوسطى وإرث محاكم التفتيش وأشباهها، وتعيد إلى الذاكرة محارق الكتب في باحات دور العبادة والجامعات والمدارس وساحات المدن وشوارعها، والتي استمرّت لقرونٍ طويلةٍ في تحويل خلاصات الروح والفكر وجهودهما لتحقيق الانعتاق من القيود  والخلاص من القمع والاضطهاد إلى رمادٍ تذروه الريح، وما رافق ذلك من حزنٍ عميقٍ وخيبات أملٍ لدى البعض، وموجاتٍ هستيريةٍ من التهليل والابتهاج السادي لدى آخرين.

وإذ اختبأت لوثة إعدام ملايين الكتب وراء هدفٍ علنيٍّ هو محاربة الهرطقة والتجديف والانحلال الخلقي والدعارة والتحريض على الفتنة وزعزعة الاستقرار الاجتماعي، أي تقويض هيبة الحاكم وسدنة المعبد، لكنّ الدافع الحقيقي هو استئصال الفكر وتاريخه إرهاباً للمعارضين وتطهيراً للمجتمع من لوثة أفكارهم. فلطالما كان إحراق الكتب إيذاناً بتنفيذ أحكام الموت بمؤلّفيها ومن ساهم في نشرها والترويج لها، فضلاً عن التمثيل بهم.

ذلك بعض ما تعرضه ريبيكا نوث، الأستاذة في جامعة هاواي، في كتابها “إحراق الكتب وتدمير المكتبات: عنفٌ أعمى وخرابٌ ثقافيّ” ، في مسعى لتحليل هذه الظاهرة البربرية على مر التاريخ ووضع اليد على استمرار تناسلها في القرن الواحد والعشرين، وصولاً إلى الدعوة لوقف هذه المجازر لحماية الإرث الثقافي للبشرية بشتى أشكاله وأياً كان صانعوه.

تذكّرنا المؤلّفة أنّ همجيّة إحراق الكتب لم تختف من المشهد المعاصر، فالقرن العشرون ومطلع القرن الحالي ليسا استثناءً عمّا سبقهما من قرون الهمجية التي دمّرت الثقافات، وما رافقها في سياق تطور البشر وارتقائهم الدمويّ من غابيّة الغرائز إلى رحاب إنسانية تنوّر العقل وتحرّر الروح.
كما أنّها تفضح أكذوبة أنّ النظم الاستبدادية هي المسؤولة الوحيدة عن تلك المذابح المخزية، بصرف النظر عن شكلها وما تستند إليه من شرعيةٍ ودعاوى أخلاقيّةٍ (النازية في ألمانيا، صرب البوسنة، الجيش العراقي عقب احتلال الكويت، الماويون أثناء الثورة الثقافية في الصين، إلخ.)، مؤكّدةً على أنّ شتّى أنواع التطرّف الذي يجد في الإرهاب والحرب والتطهير العرقي وحروب الإبادة أدواته ووسائله… تندرج في قائمة المجرمين المدانين في أعمال التدمير الثقافي واسعة النطاق.

يعدّ الكتاب بادئ ذي بدءٍ بحثاً منهجياً حول التطرّف بشتّى أشكاله وتلاوينه، سواءٌ أكان سياسياً أم دينياً أم عرقياً أم قومياً، ويؤكّد في الآن عينه على أنّ ما يتسبّب به هذا التطرّف من خرابٍ ثقافي لا يقلّ بشاعةً عن قتل البشر وتحطيم إرادتهم. ويعتبر من جانبٍ آخر مساهمةً بالغة الأهمية في حقل الدراسات المتعلقة بالإبادة الجماعية والإبادة العرقية من خلال تحليل استهداف مجموعةٍ بشريةٍ عبر تدمير معارفها وموروثها الثقافي. وبهذا المعنى، يخرج عن إطار الدراسة التاريخية لأنّه يعالج أوضاع حقبةٍ راهنة، حقبةٍ لا تزال فيها الصراعات الإيديولوجية تثير نزاعاتٍ محلّية ودولية لا يكون فيها تدمير المكتبات وباقي الرموز الثقافية، وهو جزءٌ من الخراب الناتج، مجرّد عملٍ عشوائيٍّ أو عرضي، بل عملاً متعمداً ومدروساً. أمّا الجانب الثالث، فيتعلّق بالركيزة السوسيولوجية للكتاب؛ إذ تستهلّ المؤلّفة بحثها انطلاقاً من سؤالٍ جوهري: ما الذي يدفع البشر لتدمير المكتبات وإحراق الكتب؟ فتبادر إلى وضع الأسس السوسيولوجية لدوافع تخريب الممتلكات الخاصّة منها والعامة، ثمّ تنتقل إلى تحديد الأسباب الكامنة وراء مهاجمة الرموز الثقافية بمختلف أشكالها وهيئاتها لتجد نفسها وجهاً لوجه أمام مفهوم التطرّف، فتقوم بتتبّع آثاره منذ الثورة الفرنسية وما تلاها من أفكار حركة التنوير وصولاً إلى القرن العشرين… في سياق ذلك، نحتت المؤلّفة مصلطحاتها الخاصّة من قبيل إبادة المكتبات، وهو مصلطحٌ استخدمته عنواناً لكتابها السابق، تشير فيه إلى النظم التي ترعى تدمير الكتب والمكتبات. وكذلك مصطلح استئصال الكتب، الذي يشير إلى أفعالٍ متعمّدةٍ تجد جذورها في أحكامٍ أخلاقية، تستهدف تدمير الكتب والمكتبات ولا تمارسها بالضرورة سلطاتٌ رسمية.

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام. يركّز القسم الأوّل على التطرّف، حيث تحلّل فيه المؤلفة الآليات التي تدمّر عبرها الحركات المتطرّفة مؤسسات الثقافة ورموزها في سياقاتٍ مختلفة؛ وتجد في إحساس المتطرّفين بالتهميش والاغتراب دافعاً للتأثير على قيم مجتمعاتهم وتغييرها من خلال مهاجمة المكتبات كوسيلةٍ للاحتجاج العرقي أو السياسي. تناقش المؤلّفة أوّلاً حادثة قيام مناهضين يائسين للفصل العنصري بتدمير معهد أمستردام في جنوب إفريقيا في العام 1984، ثمّ تنتقل لمناقشة مفهوم الاستئصال العرقي الثقافي بوصفه حصيلة نزاعاتٍ عرقيةٍ في ثلاثة نماذج / بلدان: الهند وكشمير وسريلانكا.

أمّا القسم الثاني، فيعالج النتائج الكارثية للصراع على السلطة في كلٍّ من ألمانيا النازية وكمبوديا الخمير الحمر وأفغانستان طالبان، حيث مارس المنتصرون تطهير المكتبات العامّة، في مسعىً لتطهير مجتمعاتهم من كلّ ما يخالف عقائدهم وفرض قيمهم الخاصّة من خلال إجراءاتٍ قمعيةٍ أدّت في المحصّلة النهائية إلى التدمير المنهجي للموروث الثقافي الذي لا يتلاءم مع رؤاهم.

في القسم الثالث، تستكشف المؤلّفة مصير الكتب والمكتبات في فترات الحروب أو لدى حدوث فراغٍ سياسيٍّ مفاجئ. وترى في الحرب العالمية الثانية حصيلة قرونٍ من استخلاص خبرات طرائق الحروب وتوسيع ما تسبّبه من خرابٍ ليصل إلى درجاتٍ غير مسبوقةٍ من محاولات استئصال الذاكرة الوطنية من خلال تدمير حاملها الثقافي. وعن حالات الفراغ السياسي، تذكر مثلين من نيجريا والاتحاد السوفييتي سابقاً، حيث أدّى انهيار السلطة وما نشب عنه من فراغٍ سياسي إلى تنامي ميولٍ عنفيةٍ طالت كلّ البنى والمؤسسات الثقافية التي تعيد إلى الذاكرة قمع السلطة السابقة وبطشها بالمواطنين.

تنهي المؤلفة كتابها بفصلٍ أخيرٍ هو الأكثر أهمّيةً من حيث تلخيصه النهائي لضرورة الدفاع عن الإرث الثقافي الإنساني وعدم التفريط به تحت أيّ ذريعةٍ أو حجّة. تناقش المؤلّفة الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003 وما رافقه من عمليات نهبٍ وتدميرٍ واسعة المدى طالت إرث العراق الثقافي بمختلف رموزه وصروحه، كتباً وآثاراً ومؤسسات، في أعقاب سقوط النظام السابق. ثمّ تصنّف المعلومات (التي طواها النسيان) الخاصّة بتلك الحقبة، والمتصّلة بمدى وحجم نهب المكتبات والمتاحف وإلحاق الأذى بها، وردود فعل العراقيين والسلطات الأمريكية وما وجّه من انتقاداتٍ للحكومة الأمريكية نتيجة فشلها في وقف عمليات النهب والتخريب. يسيطر مشهدٌ عاطفيٌّ يتردّد صداه في أنحاء الكتاب: العراقيون وهم ينظرون مشدوهين لكنوزهم وميراثهم الثقافي وهو ينهب أمام أعينهم، وتجاهل الحكومة الأمريكية لكلّ ذلك وازدراؤها له، إمّا استخفافاً بهذا الميراث الإنساني الثقافي، أو تضحيةً به عن قصدٍ لتسويغ مشروعية غزوها بدليل غضب المواطنين من النظام السابق ومحاولتهم تدمير كلّ ما يرمز إليه.

وتخلص إلى نتيجةٍ مفادها أنّ واضعي الاستراتيجيات الأمريكية أثبتوا عدم جدوى فرض القيم الغربية (الديمقراطية والحرية) باستخدام القوّة العسكرية، خاصّةً حين لا توضع في الحسبان الاعتبارات الثقافية والإنسانية والأمنية في محاولة مساعدة شعبٍ مضطهدٍ على استعادة حرّيته. تقول المؤلّفة إنّ مجرّد التفكير في أنّ أمريكا المعاصرة تمارس مثل تلك الأساليب البشعة يثير الهلع.

لا يقتصر الكتاب على كونه أداةً بحثيةً متقنةً لكل الذين يهتمّون بالحرّية الفكرية والحفاظ على الموروث الثقافي للإنسانية جمعاء فحسب، بل إنّه صرخةٌ للمحافظة على المكتبات والكتب بكلّ الوسائل المتاحة والممكنة لأنّها، وهي جزءٌ من الذخائر الثقافية، مستودعاتٌ للمعارف الإنسانية، واستجماع القوى والقدرات للدفاع عنها وصونها هو الضمانة الوحيدة لعدم توالد وتناسخ اللحظات الظلامية في تاريخ البشرية.

– Burning Books and Leveling Libraries: Extremist Violence and Cultural Destruction, Rebecca Knuth, Westport, Connecticut: Greenwood Press, 2006

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق