الرسم في العراق الآن.. جيل الثمانينات وتقنية الخراب

  ” صار الخراب جزءا من ثقافتنا الصورية”
الرسامة الدكتورة هناء مال الله

 

1

أقامت قاعة ميم في دبي سلسلة معارض مشتركة تحت عنوان (الرسم في العراق الآن) ضمّ المعرض الأول منها ثلاثة رسامين من جيل الثمانينات هم : مظهر أحمد (مقيم في السويد)، وهناء مال الله (مقيمة في لندن)، ونديم الكوفي (مقيم في هولندا)..

2

لم أستسغ فكرة الجيلية العمرية القسرية بعقود السنين إلا أني أعتقد أن سمات أسلوبية محددة ومشتركة تهيمن على خطاب حقب فنية وتتعاقب زمنيا، وهو ما يحدث كذلك في الرسم العراقي، ففي منتصف الثمانينات ظهر (جيل) من الرسامين نعتبره الوريث الشرعي لجيل الستينات في الرسم العراقي، هو جيل الثمانينات : (هناء مال الله وفاخر محمد وكريم رسن وغسان غائب وحيدر خالد ونديم محسن ونزار يحيى وإيمان علي وهيمت محمد علي ورحيم ياسر وعلي المندلاوي وعمار سلمان وسامر أسامة ومحمود العبيدي، وهاشم حنون)، وهم رسامون طحنتهم الحروب ونتائجها الكارثية، فبينما أخذت جيلَ السبعينات فورةُ الشعارات وهيمنة الأحزاب التي تنظر إلى فن الرسم باعتباره ناقلا مواصلاتيا لفكرة نثرية (سردية)… تكشّف زيفُ دعاواها الـ(خارج بصرية) على طبول الحروب، والتصفيات الدموية المفجعة، وانغماس الرسم، حد اللعنة، كما انغمست الثقافة، في التعبئة للحرب ولمزيد من الدم؛ فوجد جيل الثمانينات نفسه وجها لوجه أمام مقتل الرسم ونعني به الأيديولوجيا..

وأمام الحاجة الى ما يدلّهمْ على جوهر الرسم، في مسعاهم المعرفي تجمعوا حول أستاذ ذلك الجيل، الرسام العصي على (التجييل)، شاكر حسن آل سعيد.. بطروحاته التي لم يكن ممكنا ملاحقة تحولاتها كما لم تكن مفهومة إلا بشكل عسير من غالبيتهم إلا أنّها اكتسبت صفة القداسة عند غالبيتهم من خلال فكرة الشيئية التي تعيد الرسم الى جوهره المادي وتشكل البنية التحتية للرسم، كما يؤكد هيردجر، رغم كل الاسانيد الرؤيوية التي تسنده من الخارج..

لقد آمن جيل الثمانينات، ولو بدرجات متفاوتة ومتكتمة بـ”أن الرسم بطبيعته الإنكارية يقيم اتصاله بماضيه عن طريق الانفصال… وأن أي تحول فني لا يولد في رحم التحول الفني الذي سبقه… وأن التحول الفني لا يبشر بمجيء تحول فني آخر”، أي أن الرسم هو فن بـ(لا تاريخية)، وأنّ تجربة الحداثة العراقية وظفت الصلة بالجمهور لأهداف نفعية و”انجاز الأسلوب الشخصي… باعتباره غاية”، و”التوفيق بين وهم (المحلية) وبين التيار العالمي للفن”، وان بيان جماعة بغداد للفن الحديث الأول الذي يعده الكاتب أهم البيانات الفنية العراقية كان السبب في تحول “الكثير من العلاقات الملتبسة بين الفكر التاريخي من جهة وبين الرسم من جهة أخرى إلى بديهيات ألحقت الكثير من الهزائم بالرسم” وقد صنعت هذه الأفكار فيما بعد “عقدا مستعصية لا يمكن استئصالها بسهولة من جسد فكرنا الفني: الأصالة، المحلية، التراث، الهوية، وكلها تنبع من مصدر واحد: الخصوصية”(فاروق يوسف، مجلة آفاق عربية، العدد 3-4 عام 1995)..

وقد تفرق هؤلاء، بفعل الحروب، في أصقاع الدنيا، بفعل سياسات النظام السابق والنظام الذي تلاه، وصاروا يشكلون ما عرف بجيل المنافي.

3- هناء مال الله:

واصلت هناء مال الله (1958) منذ عام 1978 وعبر معارضها : (وثائق زيارة المتحف)، (بغداد جغرافية وبشر)، (قيافة الأثر) 1994، و(جداول وبيانات إشارية) ثم معرض (خريطة جديدة لمدينة بغداد) في لندن (2007)، بحثها عن حدود المياه الإقليمية بين : التشخيص الذي قدمت فيه (تخطيطات بالقلم الرصاص) في صحيفة الجمهورية، وبين التجريد الذي سيشكل رؤية حياتية وفنية عندها وعند أهم رسامي جيلها، فاتخذت تجربتها الفنية تمظهرات متباينة أحيانا لكنها شكّلت في النهاية، وفي أهم تحققاتها، واقعةً شيئيةً ذات رؤية متْحفية اركولوجية ارتبطت بالحفر عن فعل الزمن في تجلياته المختلفة وعلى سطوح التحفيات العراقية الرافدينية القديمة المعروضة في المتحف العراقي فكان اهتمامها وأبناء جيلها بالسطوح، والجدران، والأرضيات في شوارع بغداد التي كانت الرسامة تتملاها، وتسجل فعل الزمن فيها وهي في طريقها إلى المتحف، وهو ما نبّه أبناء جيل الثمانينات إلى تلك التقنيات التي تحاول افتضاض سطح اللوحة البكر : بالخرق، والحرق، والثلم، والتخريم، والتخريش، والتحزيز، والشخبطة، والتخديد (من أخدود)، والتشقيق (التي كان آل سعيد يسميها المعراج)، وما إلى ذلك من مؤثرات الخراب الذي بدأت هناء مال الله البحث فيه، وكانت تراها استراتيجا بصريا – تقنيا مؤثرا في الرسم العراقي أسمته   Ruins Technique  أي (تقنية الخراب) الذي تراه خرابا حيويا   Vivid Ruins    يشكّل أهم المؤثرات المهيمنة في الثقافة العراقية بعد الخراب الضخم الذي تعرض له العراق والحياة والثقافة العراقية قبل وبعد الاحتلال.

كانت جذور تقنية الخراب واحدة من الاستنادات الفكرية والتقنية لجيل الثمانينات في الرسم العراقي، فقد كانت نابعة من، ومستندة على، طروحات شاكر حسن آل سعيد في (التعرية الشيئية) التي اتخذت عنده تعريفات متعددة كان أهمها ذلك الذي يمنحها بعدا شيئيا حين يعتبرها “معرفة… متحققة في الظاهرة الشيئية وليس بواسطتها” (آل سعيد، البحث في جوهرة التفاني، ص219)، و”(حالة) أساسية في (أغناء) المظهر بما يحتويه من آثار وفي معنى الأثر” (آل سعيد، السابق، ص219) وكان آل سعيد يقسم تقنيات التجريد برأينا إلى نمطين متمايزين ومتكاملين هما : تعرية الجدران، وتعرية الأرصفة، ويصنف تعرية الجدران بأنها “ثقافة ساكني المدينة” (آل سعيد، السابق، ص222)؛ ويصف تعرية (تقنيات) الأرصفة بأنها اكتفاء للعمل الفني بذاته فهي تتصف بوجودها الغفل، ويعتبر آل سعيد التعرية “المحور الأول في الكشف عن شيئية الوجود الشيئي والظاهرة الشيئية” (آل سعيد، السابق، ص221)، كما كان آل سعيد يحاول اكتشاف الطاقات الفاعلة في الوجود الشيئي في المحيط…

وبينما كان آل سعيد مأخوذا بحوار (تقنية الجدران) كانت هناء مال الله مأخوذة بالنمط الآخر من التقنيات التجريدية، بالحوار الصامت الغفل لساكن المدينة مع الأرصفة و(الأرضيات)؛

فكان معرض (وثائق زيارة المتحف) برأينا معرضا مفصليا في تجربة هناء مال الله لاكتشاف تقنيات (الأرضيات) “الشارع المؤدي إلى المتحف والمناخ المحيط به من إشارات”، و”محاورة المحيط”، و”كل ما هو موجود على الرصيف” (هناء مال الله ،يوميات ، مدونة معرض : وثائق زيارة المتحف).. ، بينما يعتبره آل سعيد في مدونة المعرض ذاتها “محاولات لارتياد المتحف الاثنوغرافي والاركولوجي إلى جانب معايشتها (الواقع البيئوي) في المدينة” باعتباره “نوعا من الاعتكاف الفكري في داخل (اللقية) و(الشريحة)على حد سواء”..

لقد جاء معرض (خريطة جديدة لمدينة بغداد)،لندن (2007) ليجسد آثار خراب ودمار وفوضى الحرب والاحتلال؛ فوظّفت ما بقايا الحرب والحرب الأهلية غير المعلنة التي أعقبته لتلصقها في أعمالها كمادة جاهزة الصنع ready made ؛ فاعتبرت هناء مال الله الخراب المنظم اخطر ما تعرضت له الثقافة العراقية قبل وأثناء وبعد الاحتلال، وبذلك يمكننا اعتبار تقنيتي الجدران والأرصفة (الأرضيات) والأفعال التخريبية العابثة أنماطا لما دفع هناء مال الله إلى طرحه في مفهوم واحد جامع أسمته (تقنية الخراب) لتسمي به فعل الزمن الذي يتصف بأبعاده التخريبية الثقافية ذات الطبيعة البصرية العدائية المقصودة المؤدية إلى رد فعل عدائي ودفاعي مقابل..

4- مظهر أحمد:

يؤسس مظهر أحمد (1956) استناداته الفكرية في أعماله، التي تمتلك فرادة أسلوبية عن كل اتجاهات الرسم العراقي، على ما بقي يستهويه طوال سنوات دراسته وما لحقها من (تيارات الحد الأدنى Minimalism )، الذي شاع عالميا في ستينيات القرن الماضي الذي يقتصر على الحد الأدنى من التعبير، من خلال عفوية الأشكال في بيئة تجريدية، منطلقا من (موت الرسم) الذي أعلنه الكسندر ماليفيتش عام 1915 ، فكان أن عاد إلى رسومه الشخصية، ليعيد تفكيكها وحذف ما يراه زائدا على (جوهر الرسم)، حيث ترى الناقدة ماريا فيفيرو Maria Vivero، أنه اندفع إلى الحدود القصوى للتقليل maximalism، عبر ابتعاده عن الحدود الدنيا من التعبير (المينيمالية) مع احتفاظه بها ظاهريا.. محاولا حذف كل ما له صلة بالخارج وسردياته؛ لتطال يده حتى الأبعاد الثلاثة التي يراها كثيرة على بناء اللوحة التي يجب أن تكتفي ببعدين باعتبارهما سطحا مكونا من بعدين بينما يشكل البعد الثالث إضافة دخيلة من نواتج (الحضارة المطبوخة)، فكانت لوحته ليست إلا أشكالا تتعايش في تركيبة ثنائية الأبعاد كما يصفها الرسام ذاته، ولم يكن يخطط لأعماله؛ فكانت شخصوصه لا علاقة لها بأشكال الواقع من وجهة الرسم المشخص التقليدي، وكانت أشكاله الهندسية غير مهندمة؛ فكان يبني لوحته من مستويين بنائيين، تماما كما يفعل فاخر محمد وعاصم عبد الأمير وصدر الدين أمين، من مستويين بصريين يشكل المستوى الأدنى منهما أرضية أولية ملوّنة بشكل هندسي، على لوحة الحفر الخشبية، ثم يضيف إليها على التوالي أشكالاً بوسائط مختلفة بما يستجيب لتلك الأرضية.

حاول مظهر احمد الانخراط في ثورة المعلوماتية الجديدة والتدرب على وسائل التعبير الحديثة في فنون الرسم والخط بالكومبيوتر، وهو ما يؤكده الرسام ذاته : “إسهامي الشخصي الأهم في مجال فن الحفر والطباعة تمثل بإضافة النظم المتعالقة interdisciplinary وهي مفردات أفكاري الخاصة أقحمها داخل العمل. فبإمكاني الاشتغال على اللوحة المطبوعة بإدخال عدد من الأنظمة فيها من غير أن يكون لأي نظام منهم الغلبة على الآخر فوق سطح اللوحة”.

لقد وصفت أعمال مظهر احمد من قبل نقاد كثيرين بأنها فجّة (نيئة من وجهة نظر شتراوس) وطفولية تتضمن مزيجا من التجريدية أو ما يشبهها في مزيج من التقنيات، والأبعاد الثنائية ودرجة واضحة من التبسيط، في الأشكال وفي الألوان، والتي هي جوهر فكرة تيار (الحد الأدنى).
5- نديم الكوفي:

إذا كان متلقو أعمال مظهر احمد يحتاجون إلى شيء من الثقافة البصرية التشكيلية ليكتشفوا النزعة التقليلية لأعماله فان متلقي أعمال نديم الكوفي لا يحتاجون سوى إلى لحظة ليكتشفوا انه يتخذ التقليل ليس فقط استراتيجا لأعماله بل كان يبني موضوعه على الحذف، حذف أجزاء جوهرية من لقطة فوتوغرافية وجعل الفراغ يقوم بعمل المحذوف مما يشكل رؤية مقلقة للمشاهد حينما يضع اللقطتين متجاورتين بجانب بعض… فتتحمل اللقطة التي مورست فيها عملية الحذف درجة مقلقة من الفراغ الذي يحاول المتلقي ردمه دون أن يستطيع مما يخلف في نفسه شيئا من القلق الذي هو جوهر الهدف – الموضوع الذي أراد إيصاله تديم الكوفي ونجح في ذلك..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق