ضلال الهويات المجنونة

لقد علمتني حياة الكتابة أن أحذر الكلمات. فتلك التي تبدو أكثر وضوحا، هي في الغالب أشدها خيانة.. ولعل أحد هؤلاء الأصدقاء المزيفين، هو بالتحديد كلمة “هوية”.
أمين معلوف، الهويات القاتلة، ص: 15

أقيم في الثاني والعشرين من شهر أكتوبر الجاري بمدينة “أوبييدو” الإسبانية، حفل التتويج الرسمي للروائي والمفكر الفرنسي اللبناني الأصل “أمين معلوف”، بمناسبة حصوله على جائزة “أمير أستورياس للآداب” للعام 2010. وتعتبر هذه الجائزة، أرفع درجة في سلم الجوائز التقديرية، التي تمنحها الدولة الإسبانية في ثمانية مجالات إبداعية وفكرية مختلفة. وقد اعتبرت لجنة التحكيم في حيثيات تقريرها، “أن أعمال أمين معلوف المترجمة إلى أزيد من عشرين لغة، تجعل منه أحد أبرز الكتاب المعاصرين الذين سبروا بعمق ثقافة حوض المتوسط، كمساحة رمزية للتعايش والتسامح”. وبفوزه بهذا الاستحقاق، ينضم معلوف إلى قافلة كبار الأدباء العالميين، الذين سبق أن حظوا بشرف هذه الجائزة، كالبيروفي “ماريو بارغاس يوسا”، والإسباني “كاميلو خوسي سيلا”، والألماني “غونتر غراس”، والألباني “إسماعيل قاداريه”.

ولد أمين معلوف في 25 فبراير سنة 1949 ببيروت. بعد إكمال دراسته في مجالي الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع، وجريا على عادة أسلافه، سيلج عالم الصحافة من بابه الواسع. حيث سيشتغل في هذا الصدد محررا اقتصاديا في جريدة “النهار” اللبنانية. ثم بعدها سيشد الرحال ليستقر بباريس في العام 1976، بعد اشتداد الحرب الأهلية اللبنانية، ليتولى هناك مهمة رئيس تحرير مجلة “جون أفريك” و”إيكونوميا”. كما قام أيضا بتغطية أحداث سياسية هامة، مثل حرب فييتنام والثورة الإيرانية، وأنجز أزيد من ستين ربورتاجا في نواحي متفرقة من العالم، قبل أن يتفرغ نهائيا للكتابة الروائية في سنة 1985، بعد النجاح المدوي الذي عرفه كتابه: “الحروب الصليبية كما رآها العرب” الصادر سنة 1983. وقد صدرت له في هذا الشأن، العديد من الأعمال الأدبية والفكرية، نذكر من بينها على الخصوص: “ليون الإفريقي” (1986) و”سمرقند” (1988) وحدائق النور (1991). كما ترجمت أعماله إلى أكثر من عشرين لغة عالمية. ولعل أهم ما يميز أعمال معلوف الروائية، هو أنها تسعى إلى مد جسور التواصل بين عالمي الشرق والغرب، اللذين لا يكف عن إعلان الانتماء إليهما معا، وهو ما أهله للحصول على جوائز عالمية عدة، وخاصة: جائزة “الصداقة الفرنسية العربية” عام 1986، عن روايته “ليون الأفريقي”، وجائزة “غونكور” الفرنسية عن روايته “صخرة طانيوس” عام 1993.

للتعريف ببعض مواقف وأطروحات الرجل الفكرية، نقدم في هذه المقالة، قراءة في كتاب: “الهويات القاتلة”، الذي صدر له سنة 1998 عن منشورات “جراسي” بفرنسا. ويعد هذا الكتاب في نظر العديد من النقاد والدارسين، من بين أهم أعماله الفكرية التي يسائل فيها أمين معلوف بحسه النقدي الرفيع وأسلوبه الرقيق، موضوعات لها راهنيتها اليوم، مثل: الهوية والانتماء والعولمة.

القتل على الهوية: أصل الحكاية:

تبتدئ حكاية أمين معلوف مع موضوع الهوية، حين غادر لبنان بلده الأصلي في أحد أيام سنة 1976، هربا من أتون حرب طاحنة لا تبقي ولا تذر. وبعد أن استعر أوار المعارك بين الإخوة الأعداء، وانزلقت من حرب سياسية معلنة إلى حرب طائفية وإلى “قتل على الهوية”، قرر الرحيل بعيدا ليستقر به المقام في فرنسا. ولكن من مفارقات القدر، أن “القتل على الهوية” سيتخذ هذه المرة بعدا رمزيا، حيث سيظل سؤال الهوية يطارده كاللعنة أينما حل وارتحل.

لم يحس معلوف بعقدة الانتماء حين حل بفرنسا، لأنه كان يشعر بالانتماء إليها “بالقوة” من خلال الثقافة، قبل أن يصبح منتميا لها “بالفعل” بحكم الجغرافيا. وقد توطدت هذه العلاقة منذ وطئت قدماه أرض فرنسا، وشرب ماءها ونبيذها، ولا مست يداه أحجارها القديمة، كما يقول. (معلوف، ص: 8). غير أن هذا “الإحساس بالانتماء” بدأ يتعمق لديه، بل وأصبح يضطهده منذ اللحظة التي سئل فيها، عما إذا كان يحس في “قرارة نفسه”، بالانتماء إلى فرنسا أم إلى لبنان. وكان جوابه البدهي: “إنه يشعر بالانتماء إليهما معا”. (معلوف، ص: 7).

لكن جوابا كهذا، لم يكن كافيا ليقنع محدثيه، وهو الذي لم يكن يشك لحظة واحدة في حسن نية سائليه. إذ كان أحيانا، وبمجرد الانتهاء من الاستفاضة في إيراد الأسباب الدقيقة والعميقة التي تحمله على أن يتبنى هذا “الانتماء الكلي” إلى الثقافتين العربية والفرنسية، يفاجأ بأحدهم يتقدم نحوه، وهو يربث على كتفه هامسا: “لقد كنت محقا فيما قلته، ولكن هل هذا ما تشعر به فعلا في قرارة نفسك؟”

مثل هذه الأسئلة “المبتسرة” التي لم يكن يعرها معلوف اهتماما في بداية الأمر، واعتاد أن يقابلها بابتسامة عريضة، أضحت تشكل مع مرور الوقت مصدر إزعاج وقلق لديه. ومع تكرار طرحها بدأ يدرك، أنها ليست من نوع الأسئلة العادية التي يمكن للمرء أن يغض الطرف عنها، بل أسئلة إشكالية أكثر تعقيدا، تتوجب منه مزيدا من الحرص والحذر، كونها تنم في العمق عن تمثلات محددة للهوية. ولعل أحد أخطر هذه التمثلات وأصعبها، تلك التي تعتقد في وجود مظهرين اثنين للهوية: مظهر جلي نعلنه ونبديه في أفعالنا وسلوكنا، وآخر خفي نداريه ونحجبه في دواخلنا وسرائرنا.

وهكذا فعندما نسأل عما نحن إياه في قرارة أنفسنا، يقول معلوف متبرما، فهذا معناه أن لكل إنسان قرارة نفس، انتماء واحدا مهما، يشكل “حقيقته” العميقة بشكل ما، هي التي يتحدد في ضوئها جوهره منذ الولادة مرة واحدة وإلى الأبد، دون أن يتغير أبدا. كما لو أن الباقي، كل الباقي، أي مسيرته كرجل حر، وقناعاته المكتسبة، وتفضيلاته، وحساسيته الخاصة، وميوله، وحياته كمحصلة، لا تهم في شيء. وعندما نحث معاصرينا على تأكيد هويتهم مثلما نفعل اليوم في أغلب الأحيان، فما نقصده هو أن عليهم أن يجدوا في أعماقهم ذلك الانتماء الأساسي المزعوم، الذي غالبا ما يكون دينيا أو قوميا أو عرقيا أو إثنيا، ليرفعوه في وجه الآخرين”. (معلوف، ص: 9)

هذه المواقف جعلت أمين معلوف يعيد صياغة السؤال حول الدلالات الحقيقية والأبعاد الكامنة وراء حاجة الناس إلى الانتماء الجماعي، ثقافيا كان أم دينيا أم وطنيا؟ وعن الدواعي من وراء هذه الرغبة الشرسة، والمشروعة في تأكيد الذات، التي تقودهم إلى الخوف من الآخر والسعي إلى إلغاء حقه في الوجود؟ أي بعبارة: التساؤل حول مفهوم الهوية وانزلاقاته القاتلة.

في نقد التصور القبلي tribale  للهوية: :

لم يكن معلوف وهو يخوض في هذا الموضوع يقلل من حجم المشكلات التي قد تعترضه، بل كان يعي جيدا، أن مفهوم الهوية يعتبر من بين أكثر المفاهيم تعقيدا، ليس لكونه يصر بعناد على الانفلات من التحديد والضبط، بل لكونه أصبح اليوم أقل استقرارا، لدرجة غدا من الصعب مقاربته وتأطيره من دون استحضار بعدي الزمان والمكان. ذلك أن الهوية بشكل عام، تتعلق بأفهام الناس وتمثلاتهم لذواتهم، ولما يعتقدونه مهما في حياتهم، وتتشكل انطلاقا من خصائص محددة، تتخذ مرتبة الأولوية على غيرها من مصادر المعنى والدلالة. (أنطوني غدنز، ص: 90).

غير أن الهوية، في مستواها الفردي و الجماعي، وإن كانت تشير في دلالتها العامة، إلى الطريقة التي نعي بها ذواتنا، ونرسم من خلالها صورة متميزة لما نكونه، ولما تكونه علاقتنا مع العالم من حولنا، فإن هذه النظرة التي نحملها عن أنفسنا وعن الآخر، ليست معطاة بشكل قبلي ونهائي، بل هي متحولة وتتشكل عبر التاريخ وتغتني من خلال التجارب. (أنطوني غدنز، ص: 91).

ومن ثم، يعلن معلوف رفضه التصور التبسيطي والقبلي الذي يختزل مفهوم الهوية بردها إلى مبدإ واحد وثابت، معتبرا أن الهوية، فردية كانت أم جماعية، ليست معطى فطريا استاتيكيا، يعطى دفعة واحدة وإلى الأبد، بل إنها تتشكل على الدوام، وتتحول على طول الوجود. وهو ما يجعل من الهوية بالضرورة، مفهوم مركبا ومتعددا، كونه لا يحيل على انتماء واحد، بل عن مجموعة من الانتماءات التي قد تتفاوت في تراتبها من حيث الأهمية، وتشي بدلالة ما، وهذه الانتماءات المتعددة هي التي تعطي للشخصية الفردية والجماعية في النهاية، غناها وقيمتها الخاصة. وهذا الأمر لا ينطبق على الهوية الجماعية فحسب، بل ينسحب أيضا على الهويات الفردية للأشخاص، ويؤثر في تحديد الاختلافات والفروقات بين الجنسين أيضا. ومن هنا تبرز أهمية الدور الذي يلعبه المحيط الاجتماعي في رسم التمثلات الذهنية وتكييف المواقف لدى الأفراد، وفي “تحديد معنى الانتماء” لديهم. “فأن تولد الفتاة في كابول أو أوسلو ليس له المعنى ذاته. فهي لا تحيى أنوثتها بالطريقة ذاتها، ولا أي عنصر آخر من هويتها”. (معلوف: ص: 31)، وهو ما يذكرنا بقول سيمون دو بوفوار المأثور: “إننا لا نولد نساء، بل نصير كذلك”.

إن الإقرار بهذا التنوع والتعدد في الانتماء، بحسب معلوف، يصبح عامل خصب وغنى، إذا أحسنت البشرية استثماره بشكل جيد. ولكنه قد يتحول بالمقابل إلى تعصب وتطرف أعمى و”مصدرا محتملا للصراع بين الناس”، حين يتم اختزاله قسرا داخل هوية واحدة كاملة مطلقة متعالية، تدعي تفوقها على الجميع، ونزوعها القوي للهيمنة على باقي الهويات الأخرى… أي حين تتحول إلى “هوية قاتلة”.

في مفهوم الهوية القاتلة:

يعني معلوف بهذا المفهوم، ذاك النزوع من الوعي والتفكير، الذي يختزل الهوية بردها إلى مصدر واحد، ويجعل الناس في موقف متحيز ومذهبي ومتعصب ومهيمن، وأحيانا انتحاري، ويحولهم في الغالب الأعم إلى قتلة أو إلى أنصار للقتلة. (معلوف، ص: 39).

ولعل هذا ما جعل معلوف ينطلق في بناء تصوره لمفهوم “الهوية القاتلة” من سؤال أساسي قد يبدو للوهلة الأولى بدائيا، أو على الأقل مكرورا، ويتلخص هذا السؤال كالتالي: ما الذي يجعل الناس اليوم يرتكبون جرائمهم باسم هوياتهم، سواء كانت هذه الهوية دينية أو إثنية أو قومية أو غيرها؟ وما الذي ينبغي فعله، حتى نحول دون أن تتحول شريعة القتل باسم الدفاع عن الهوية، إلى نوع من الدفاع المشروع؟

يجيب معلوف بالقول: إن كل شخص من دون أي استثناء، يتمتع بهوية مركبة، يكفيه أن يطرح بضعة أسئلة ليستخرج كسورا منسية وتشعبات لا شك فيها، وليكتشف أنه مركب وفريد وغير قابل للاستبدال (معلوف: ص: 28)، وهذا هو بالضبط ما يشكل هوية كل فرد، فيجعل من الواحد قاتلا، ومن الآخر رجل حوار ووفاق. (معلوف: ص: 29).

إن هذه الهوية التي نستمر في الولاء لها، إما بحكم العادة أو لضعف في الخيال أو بفعل الانصياع، قد تتحول من “تطلع مشروع إلى أداة حرب” مدمرة، وإلى مصدر خطر وتهديد للإنسانية جمعاء، (معلوف: ص: 30)، إذا لم نفلح في لجمها والتحكم فيها. وهو ما يطرح السؤال الصعب: كيف السبيل إلى قهر رغبة هذا “الفهد” الذي يزداد اليوم عنادا وتنطعا؟ وما الذي بمقدورنا فعله بقصد لجم جموحه وجنوحه نحو القتل؟ من المؤكد، أنه إزاء معادلة كهذه لن تجدي الحلول السهلة نفعا: فإذا نحن طاردنا الفهد يقتل، ويقتل أيضا إذا تركناه طليقا، والأسوأ أن نتركه حرا في الطبيعة بعد أن نكون قد جرحناه”؟

وفي أحسن الحالات، لن تعالج إشكالية الهوية “بالاضطهاد والتواطؤ”، كما يقول معلوف، بل “بتفحصها ودراستها بهدوء وفهمها، ثم السيطرة عليها وترويضها، إذا كنا لا نريد أن يتحول العالم إلى غابة”، (معلوف: ص: 165). وهذا يعني، أن الحد من الانحرافات القاتلة للهوية، لن يتأتى بالنبذ والإقصاء، بل بتبادل الاعتراف بين الهويات المتعددة، والإقرار باختلافها.

إن أمرا كهذا، وإن كان يبدو من غير اليسير إنجازه، ليس مستحيل التحقيق في تقدير معلوف. وهو ما يجعله يرى أنه إذا كان من الصعب أن نتوقع من معاصرينا تغيير عاداتهم في التعبير، فعلى الأقل لنبدأ بأنفسنا، ولنغير نظرتنا نحن تجاههم وتجاه ذواتنا أيضا.

“إن نظرتنا هي التي تحتجز الآخرين في انتماءاتهم الأضيق، في أغلب الأحيان، ونظرتنا هي الأقدر على تحريرهم أيضا”، (معلوف: ص: 29)، وهو ما لن يتأتى إلا بالتخلص من الأحكام والتمثلات الهوياتية التي تقيم تفاضلا بين الهويات، وتعتبر هويتها هي الأصل، فيما الأخريات مجرد نسخ وظلال.

بهذا العمق الإنساني والنفس التعليمي الذي يتخلل مجمل صفحات كتاب: “الهويات القاتلة”،  يختم أمين معلوف “مغامرته الإنسانية”، بالقول: “في العادة، عندما يبلغ الكاتب الصفحة الأخيرة من كتابه، تكون أمنيته الأغلى أن يظل كتابه يقرأ بعد مائة سنة، أو مائتين… أما فيما يخص هذا الكتاب، فإنني عكس ذلك، آمل أن يكتشفه حفيدي بالصدفة في خزانة العائلة في يوم ما حين يصبح رجلا، فيقلبه ويتصفحه قليلا، ثم يعيده إلى المكان المغبر الذي استله منه، وهو يهز كتفيه مستغربا: كيف أن الناس  في زمن جده كانوا ما يزالون في حاجة إلى قول أشياء كهذه”، (معلوف: ص: 143).

عود على بدء:

بعد حصول أمين معلوف على الجائزة، سأله صحافي من قناة “أورونيوز” الإخبارية: “أنت لبناني، مسيحي، وعربي، فرنسي، أوروبي. أي من هذه الهويات أحب إليك؟ فرد عليه معلوف، بالقول: كان يقال في الماضي أن أعرابية سئلت: من أحب أبنائك إليك؟ فقالت المريض حتى يشفى، والغائب حتى يعود. وأقول الشيء نفسه بالنسبة لهوياتي. عندما يكون هناك مشكلات في لبنان فأنا أتألم وأشعر بأني لبناني أكثر، وعندما يكون هناك مشكلات في أوروبا أتصرف كأوروبي”.

المصادر والمراجع:

1- Amine Maalouf, Les identités meurtrières.- Paris : Ed. Grasset ; 1998.

وللإشارة فقد صدرت ترجمة عربية للكتاب، تحت عنوان: الهويات القاتلة: قراءات في الانتماء والعولمة، ترجمة: نبيل محسن.- دمشق: دار ورد للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1999، غير أنه شابتها بعض الأخطاء والهفوات، وهو ما جعلنا نعتمد بالأساس النسخة الأصلية بالفرنسية.

2- أنطوني غدنز، علم الاجتماع، ترجمة: فايز صايغ.- بيروت: المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، 2005.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This