هندسة معمارية لأبي محمود

انحنى أبو محمود والتقط ورقة عن الرصيف. جحظت عنياه. شحب وجهه،”وه! منشورات معارضة!!”  رماها، وفر..” لكني تركت عليها بصمات أصابعي… مصيبة”.

عاد على أطراف أصابعه مختلساً نظرات حذرة وجلة وهو يحاول تسكين دقات قلبه الصاخبة محدثاً نفسه بأن أحداً لم يره “والآن، أين أنت أيتها الورقة الملعونة، أين أنت؟”.

فتش الرصيف كله ولم يجدها، ” ضعت يا ربي. ضعت. بصمات أصابعي عليها، تباً!”

لم يجدها أبو محمود… طارت إلى مكان ما… سقط في الفخ!

كان يا ما كان، في رابع أبعاد المكان، أن السلطان السابع للمكان… صوت بوق، ثلاث دقات على الطبل، اسمعوا، فرمان: قرار الحكم رقم واحد: على الحياة، المتحققة منها والممكنة، أن توزع في أرجاء المكان وتضبط فيه بصرامة، أُصدر هذا الحكم وأُفهم علناً وسراً، وهو غير قابل للطعن بالسن أو بطريقة النقض، الحاضر يعلم الغائب، ولو في سابع أرض! فانقضت على الفور فيالق من أحدث المناشير الفولاذية تفتك بالأشجار، وتستأصلها من جذورها ببراعة جرّاح أدمن تقطيع الأعضاء، فقد ضبطت الأشجار بالجرم المشهود، إذ إنها اندفاعات متهورة لحياة ترشق ذاتها نحو الخارج أغصاناً وأوراقاً وأزهاراً بشكل مجاني، دون مراعاة للقوانين الصارمة للانضباط. وبعد أنجاز المهمة اقتيدت بعض الأشجار لتزرع على الأرصفة، وسط حراسة مشددة ” يزرعون الأرصفة بمنشوراتهم. يحرضون الناس قال.

وأنا من هبلي التقطت ورقة من أوراقهم، أين اختفيت أيتها الورقة الملعونة؟! فتشت الرصيف بلاطة بلاطة، سأبحث عنها ولو في فرج أمي حتى أجدها. بصمات أصابعي عليها. والله أضيع بشربة ماء، يا ناس!!” وهكذا قضي على الغابات، صوت بوق، ثلاث دقات على الطبل، اسمعوا،[ أماه! لم أسمع للأشجار نواح حتى وهي تقتل! لكنها ودعتني بأغصانها وهي تهوي بكبرياء…!] ولوحقت الحيوانات، فهي كائنات منفلتة وعفوية وحرَة أكثر مما تتطلبه الدقة والموضوعية. أجهزوا عليها، رغم ضرَاوة يأسها، وصفيت على عجل، بأسلحة متطورة، بينما اعتقلت قلة منها في أقفاص للترفيه والتسلية ” أولاد الكلبة! أيحسبونها تسلية أن يدرزوا الأرصفة بمنشوراتهم اللعينة؟ ألا يدرون أنها أفخاخ تنصب للدراويش من أمثالي؟ وَلَك يا أبو محمود، يا حمار، ما الذي جعلك تلتقطها، ضيعت نفسك!

سيلتقطونك بعد قليل، يا سواد ليلك!” وبعد التخلص من الحيوانات جميعها، ازداد الوضع أماناً حتى بلغ حالة من الوجد الصوفي، صوت بوق، ثلاث دقات على الطبل، اسمعوا [ أماه! كانت عيونها المملوءة بالخوف تتوسل بضراعة واسترحام، كان كلبي يئن بصوت خافت متوسل، يا أمي، وينظر إلى بعينين حزينتين. أتراه يودعني، يا أماه! ألن أراه ثانية. ويراني؟]. أما السماء فقد مُشطت بإطلاق وابل من الرصاص والنيران الكثيفة عليها، تطهيراً لها من الطيور، وقد ساهمت في إنجاز هذه المهمة كافة أنواع الأسلحة البرية و الجوية البحرية ” أين طارت هذه الورقة الملعونة؟ إن لم أجدها، ويلي، ضعت. خربت بيتك يا أبو محمود!” وهكذا طهرت السماء من عبث الطيور وعادت كل القوات إلى قواعدها بسلام، صوت بوق ثلاث دقات على الطبل، اسمعوا، فرمان: [ هيا يا أمي. ساعدني. أريد أن أرى أحلامي تطير، وأن تلقي عليَ الطيور التحية بأجنحتها الخافقة وأنا أركض وراءها وأرميها بالحصى. يا أمي، وما الربيع إن لم تخفقه العصافير بأجنحتها؟]. وتم التأكد من طهارة الهواء والتربة برش كلفة أنواع المبيدات الحيوية سبع مرات، إحداهن بالنار. وتقضي الضرورات الأمنية بأن تسحق الأرض تحت جنازير الدبابات وأن تقلب التربة بالجرافات، وحرقها حتى الموت، عقاباً لها، إن بزغ فيها برعم صغير بغير أوامر مسبقة من الجهات الأمنية المختصة. وبعد الاطمئنان إلى سلامة كافة الإجراءات والتدابير ودقتها، أطلقت المدفعية إحدى وعشرين طلقة ابتهاجاً باستتباب الأمن ودشن المكان على الفور، بوق وطبل، اسمعوا، ولأنه ليس أثمن من المكان ” فتشته بلاطة بلاطة، ولم أجدها”، وكل ما سواه نكرة ومبني للمجهول، ” بلى أنا أبو محمود، ضعت!” فقد ألقيت عليه شبكة من الشوارع [ لو جذبتها بيدي، فلا سمك ولا أصداف، يا أمي!].

مُقيض لها، بوصفها الشرايين الحية بين أعضاء المكان، أن تؤدي مهمة جوهرية: مرور الماكينات المحملة بأقصى زمان أمكن تحويله إلى مكان، إلى بضائع، في أصغر وحدة زمنية ممكنة، لأن كل إنفاق لا مبرر له للزمن، هو في النهاية اعتداء على قدسية المكان وتبديد له،” سيجدون الورقة، تك تك، ويعرفوني من بصمات أصابعي. أخ. ضعت!”. والمكان أثمن [ أريد أن ألعب، يا أمي، أريد أن ألعب، أن ألعب.يا أمي !] وقد حصرت شبكة الشوارع بين فتحاتها مساحات صغيرة هزيلة، بيد أنها أثمن من اللؤلؤ. حتمت الضرورة أن تنبثق فوقها أبنية إسمنتية مسلحة [ مسلحة! خائف أنا، يا أماه، خائف، لقد تغلغل السلاح حتى في بيوتنا، يا أماه!] ولأن الضرورة  تحتم استيلاد أكبر مساحة يمكن تخيلها من أصغر مكان يمكن قسمته، جاءت الأبنية شاهقة ذات شقق واطئة حادة الحواف وزوايا قائمة يتكسر عليها البصر.” أقسم لكم أنني رأيتها ملقاة على الطريق،آخ آخ والله من عملي إلى البيت، والله لا علاقة لي بأحد، آخ، ضعت يا أبو محمود، آخ، ضعت!” وللأبنية جدران ملساء يعتور بعضها نقص ضروري في بنائه، نوافذ، يُسمح قليلاً للسماء والشمس والهواء بالدخول عبرها إلى الشقق والغرف، كل بمقدار [ أمي، يا أمي، أريد نافذة لها مذاق حلبيك، لا نافذة ترتعش ممزقة عليها زرقة السماء، أمي، نافذة لأحلامي، لصوتي، يا أمي!] وفي داخل كل شقة،( صوت بوق وثلاث دقات لطبل، اسمعوا) تم توزيع الجسد، بوصفه مكاناً هامشياً وخطير أيضاً، إلى أعضاء، وزعت بدورها في أرجاء الشقة: غرفة تحول فيها حركات الجسد المقننة إلى أقصى حد، إلى جسد جديد، إلى مكان جديد، أي غرفة أعضاء التناسل، وبعبارة أكثر تهذيباً من أن تكون صادقة، هي غرفة النوم، ” كيف أنام، وأنا واثق بأنهم سيجدون بصمات أصابعي، وسيعرفونني، وتكذب علينا يا أبن الشرمو… ” وغرفة لشحن الجسد بالوقود، بالعلف اللازم ليكون جاهزاً للاستنفاذ والانفراغ في صباح اليوم التالي مع شروق الشمس” الورقة. وإلا فلن يطلع عليّ الصبح، يا ويلي.ضعت!” وغرفة صغيرة تّخفى بعناية، كما لو أنها الوجه الآخر للأفكار العظيمة، وتعطر بأحداث العطور المصنعة خصيصاً لهذه الغاية، يتوارى فيها الجسد، إذا وفقط إذا كان مفرداً، وبعد مران ودربة طويلين، كي يتقن؟إخفاء عيبه” الورقة وإلا صار ثمني أرخص من…، ولّك يا خرة تريد زعزعة الأمن! سنريك!آخ…آخ…آخ…” وغرفة للجلوس يوجد على جدارها الرابع مكان خامس صغير مدهش، يُمكنه نقل الأماكن الأخرى، بعيدة كانت أم قريبة، وفق أحدث التقنيات في الصوت والصورة، إلى داخل الشقة، مهمته برمجة البرنامج الذي برمجه [ سأتبول في فراشي!

افعلوا ما تشاؤون، سأحلم بأنني أقف فوق مرتفع  صغير وسط سهل فسيح وأتبول، وأرشق بولي… إلى أبعد ما أستطيع، منافساً أصدقائي، بينما عيون رفيقاتنا الصغيرات تنظر إلينا بحسد، افعلوا ما تشاؤون!] وملكية هذه الأبنية إن تم عرضها على شريط سينمائي ذي سرعة تستغرق فيها مئة سنة واقعية، دقيقة عرض واحدة، فإنه يتم تداول ملكية هذه الأبنية بسرعة تداول النقود وهي متباطئة مئة مرة عن سرعتها الواقعية، أو عشرة أضعاف سرعة تداول النساء عبر الزواج والطلاق، ” امرأتي طالق إن لم تكن هذه الورقة قد طارت إلى الرصيف المقابل، نعم سأجدها وأحرقها. ولا من شاف ولا من دري! نذر عليّ، إن وجدتها لأذبح خروفاً. هيا!!”

أما الأرصفة والساحات والحدائق فقد صممت استناداً إلى النتيجة التي تم التواصل إليها بعد دراسات طويلة مضنية: يجب أن يتوفر عليها كمية من البشر بحيث لو أطلقت عليها رصاصة واحدة، لتمكنت وبمنتهى اليسر، من اختراق عدد من الأجساد، يساوي تقريباً، ما تخترقه سيوف كوكبة من الفرسان وهم يهاجمون أحد أحياء مدينة عزلاء، بعد أن صدرت إليهم أوامر جازمة بقتل قاطنيها كلهم، لضرورات عسكرية وأمنية، [ أكره هذه الأرصفة التي يرتصف عليها الناس في حركات سريعة غامضة، ما أشد بلادتها وغبائها! يعبروني سائحين بنظراتهم الشاردة، دون أن يبالوا بابتسامتي أو دمعتي، كأني أراهم من وراء زجاج عاتم، يا أمي. ولا هذه الحدائق التي تحدق بي وتخدعني لأنسى الفراشات التي ترفرف كأحلى قبس من الألوان في منامي!] ولا مفاجئة في أن “أبو محمود “ـ وهو مجرد مكان يمكن لأي جسد أن يشغله، وتبذل محاولات مخلصة ومستميتة للقبض على ما تبقى من زمنه الحر الخالص كي يحول إلى مكان خالص يسهل التنبؤ بحركته مسبقاًـ قد أقام في أحدى هذه الشقق، تزوج، أنجب، ومات، دعسته “ماكينة” في أحد الشوارع، ولم يجد لضيق المكان من يسعفه، وسيتبين فيما بعد، أن الحق عليه، لأنه توقع أن قيمته أعلى من قيمة المكابح، مخالفاً في ذلك قانون السير، فحاول عبور الشارع، كأنه يطارد شيئاً ما، واندعس.

وفي يوم وفاته، كان هناك عرس لأبن جاره أبو خليل الذي لا يعرفه، وأبو خليل” مثل أبو محمود”، كلاهما مجرد لافتة عابرة لأمكنة يمكن أن يقطنها بشكل عابر أي جسد، ولو أن “أبو محمود” تأخر في موته قليلاً، فلن ينفعه ذلك في استقدام بطاقة دعوة لحضور الزفاف، مع أنه ليس في موت ” أبو محمود” وعرس بيت “أبو خليل” أية صدفة، لأنه وفق أحدث الحسابات التي تقول بوجود علاقة لوغارتمية بين الموت والولادة، فإن هذين الحدثين، موت “أبو محمود” ما وعرس ما، يترقب حدوثهما منذ مطلع هذا الشهر في الأوساط العلمية، وهكذا شيعت الجنازة على أنغام العرس الصاخبة، وفي الوقت الذي أجري فيه ما يلزم لخزن”أبو محمود” في خزانة من تراب، غالية الثمن، كان يجري ما يلزم لخزن العروسين في شقة مسلحة، صوت بوق ثلاث دقات طبل، اسمعوا [ مات أبو محمود، يا أمي، مات ! كان يمكن أن يكون جدي أو أبي أو أخي. مات! مع أن له أولاداً صغاراً وزوجة ينتظرونه. هل ستكومون التراب فوق فمي، مثله، عندما أكبر؟ أمي، بحق الله. يا أمي، هل تعرفين “أبو محمود؟]. ولأن مقتضيات التنظيم والدقة تُلزم بتحرير! وثيقة وفاة لأبي محمود، وتقييد! الزواج في السجلات القانونية، اسمعوا صوت بوق ثم ثلاث دقات عل الطبل، اسمعوا، فرمان: على الحياة، المتحققة منها والممكنة أن توزع في أرجاء المكان بصرامة. أُصدر هذا الحكم وأُفهم علناً، وهو غير قابل للطعن بالسن! أو بطريق النقض.

الحاضر يعلم الغائب ولو في سابع سما!. [ أمي. بحق الله يا أمي! ألن يتوقف هذا الصوت المجهول الذي يطاردنا ويطرق أدمغتنا ويرن بقساوته المعدنية في عظامنا. أمي، أسمعيني صوتك. ردي عليّ، هل تعرفين من هو أبو محمود. هل ستعرفين من هو أبو محمود. عديني. يا أمي… لا أمي. لا تجهشي بالبكاء! أماه لماذا؟ أتسمعين هذا الصوت المجهول يطاردني، يتغلغل كمسمار محمى في ضحكتي، ويستولي على صوتي، وينطق بلساني؟… لا تبكي يا أمي… الصوت المجهول يجعلني مجهولا… يا أمي.. . لا تبكي… لا تبكيني يا أماه، لا تبكيني، لا تبكيني!…].

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق