تقرأ لي، أوّلاً، يا ولد.. ثمّ نُمارس الحبّ!

“تقرأ لي، أولاً، يا ولد. ثمّ نمارس الحبّ” قالت هانا شميتس (كيت وينسلت) المرأة الثلاثينية لمايكل بيرغ (ديفيد كروس) الفتى في الخامسة عشرة من عمره بطلي فيلم “القارئ”.

القراءة أولاً، ثمّ الحبّ. هي ليست معادلة شهرزادية طالعة من قاموس ألف ليلة وليلة، وإن كانت تغري وتحيل إليها بشكل غير مباشر وضمني. العلاقة القائمة بين هانا والفتى مايكل قائمة على سطوة وتسُّيد وأيضاً حب. هانا هي الآمرة وهي المالكة لأسرار فنّ الحب تقود فتاها الأمرد بيد خبيرة إلى مكامن اللذة عبر جغرافية بديعة لجسد متمرّس بالعمل والواجب والجنس. مايكل الفتى، مشدوه، مدهوش، أمام جمالها وسحرها المشع عليه بقسوة وغموض، كأم وحبيبة في نفس الوقت. التقته في لحظة تعاطف حسّاسة. هي صدفة جمعت بينهما في صيف 1958 تحولت إلى قصة حب عاصف وعلاقة جسدية حارة. هانا تقرأ لغة الجسد والحبّ وأسرارها، ومايكل القارئ يعرف الكتابة وقراءة الروايات والآداب والتي فيها أيضاً مكامن لذة وفراديس متعة خفية تقدرها هانا حق قدرها. في لقاء العاشقين أثناء الحبّ وأثناء القراءة تمتزج الدموع بالضحكات والشهقات بالآهات في خليط آسر من المتعة والألم، الفرح والحزن، من ذاق طعمه لا ينساه أبداً. هذا العناق الفذ والمؤالفة المبدعة بين القراءة والحبّ يندر أن نجدهما في أفلام أخرى.

“فكرة السرية تحتل مكاناً مركزياً في الأدب الغربي” هكذا يقول المدرس لتلاميذه ومن بينهم مايكل الفتى. هناك سرّ في علاقة هانا مع مايكل لم يعرفه وقتها بل سيعرفه لاحقاً بعد ذلك بسنوات حين يصبح طالباً في كلية الحقوق يحمل في طياته جرحاً نفسياً بليغاً منذ تركته هانا بعد أسابيع قليلة من لقائهما صيف 1958 دون سبب يذكر ودون أن تترك عنواناً . . . هكذا اختفت فجأة كما ظهرت، وكأنها حوريّة بحر جميلة عادت إلى مائها في حكاية خرافية. سرّ هانا هو أنها لا تعرف القراءة والكتابة، وسرّها أيضاً أنها عملت سابقاً لدى الاستخبارات الألمانية حارسة لأحد المعسكرات أيام الحرب العالمية الثانية، ولحظة انكشاف سرها هي لحظة محاكمتها بناء على معلومات كتاب كتبته وأصدرته الناجية اليهودية الوحيدة من مجزرة كانت هانا إحدى المسؤولات عنها في ذلك الوقت.

“هذه المحاكمة سيرك” يقول زميل مايكل عندما دخلوا إلى القاعة وشاهدوا القضاة والمحلفين والحارسات المذنبات. صدمة مايكل العاشق من اختفاء هانا في المرة الأولى تتجدّد عندما يجدها في قفص الاتهام، فالمعشوقة، المعبودة، صارت مذنبة ومسؤولة، وصار العاشق ديَّاناً لا يرحم ولا يريد أن يغفر لها ذنبها، والذي هو أيضاً ذنبه باللاشعور. ولأن المحاكمة سيرك، ترفض هانا أن تفضح نفسها أمام الجميع، بجهلها قراءة وكتابة وثيقة التقرير السري الذي يدينها أمام المحكمة، وتنسب إلى نفسها المسؤولية الأساسية في المجزرة ويحكم عليها وحدها دون زميلاتها بالسجن مدى الحياة. مايكل الطالب في كلية الحقوق لم يدلِ للمحكمة بالمعلومة الحاسمة وهي أميتها وهو يعرف أن ذلك سيخفف الحكم عليها، وأبقى السرّ مكتوماً، ربما في جزء منه احتراماً لمشاعرها ولكن من المؤكّد أنه، أيضاً، أراد معاقبتها على تاريخها وجريمتها وعلى إخفائها السرّ عنه.

مايكل الرجل الثري (الممثل رالف فينس) الذي يحيا حياة لامعة مهنياً، محطمة نفسياً عبر زواج فاشل، وعلاقة متأزمة مع ابنته الوحيدة وأهله ومع النساء عموماً. تخطر له فكرة تسجيل أشرطة كاسيت بصوته، يقرأ فيها بعض الكتب والروايات الأدبية التي سحرت هانا إبّان علاقتهما السابقة ويرسلها لها إلى السجن. طبعاً، تكون المفاجأة رائعة ومذهلة بالنسبة لهانا المقطوعة من شجرة بلا أهل أو أصدقاء يسألون عنها، فتربطها بالحياة من جديد وتعيد إليها لحظات الحبّ الدافئة التي عاشتها مع فتاها مايكل. هي بالمقابل لا تكتفي بالاستماع إلى الأشرطة والالتذاذ بوقعها عليها، بل تخطر لها فكرة أكثر عبقرية، فتقرر تعلم القراءة والكتابة من خلال المطابقة بين ما ينطقه مايكل من كلمات في المسجّلة وما بين النص الأصلي للكتاب أو الرواية التي كانت تستعيرها من مكتبة السجن.

وتمضي عجلة الزمن وتستطيع هانا بدأبها وإحساسها العميق بالواجب والمسؤولية، عدا عن شغفها بالتعلم أصلاً، إتقان القراءة والكتابة بشكل رائع وترسل للولد مايكل الذي صار رجلاً في أواخر الثلاثينيات من عمره. ترسل له الرسالة تلو الأخرى تطلب لقاءه وهو يرفض إجابتها. قابلها بصمت بارد كصمت القبور يذكرنا بصمت والده في المنزل أيام صباه. وقتها، كان يعيش حالة الخوف والكبت المزمن في العائلة تحت وصاية الأب الكئيب. هانا، بحبّها وجسدها، حرّرته وأطلقته لفترة وجيزة كطائرة ورقية ملونة في سماء الحياة. ثمّ نكص الولد نفسياً وعاد إلى سيرته الأولى بعد اختفائها. في المرة اليتيمة التي التقاها في السجن قبل الإفراج عنها بأسبوع لحسن سيرتها وسلوكها، وقف أمامها رجلاً مفعماً بالصمت والكآبة والكتمان على عهده بنفسه. فوجئت ببرودته تجاهها، ومحاولته التملّص منها فحرّرته مرّة أخرى وهذه المرّة عن طريق الموت. الكتب التي قرأتها طوال السنوات الماضية من وحي الحبّ وعلى هدي المحبة والعشق صارت السلم الذي ارتقته في مشهد مؤثر لا ينسى لتشنق نفسها بهدوء على الطاولة وسط الزنزانة. بحكمة العاشقة المسنّة خلعت حذاءها وكأنها تؤدي طقساً دينياً صوفياً تعبر فيه من حال إلى حال، من ولادة إلى ولادة وهي التي خبرت العالم وقرأت كلّ الكتب وجسدها ليس حزيناً كحال الشاعر الفرنسي مالارميه، “الجسد حزين واأسفاه وقد قرأت كلّ الكتب”.

ابنة الناجية اليهودية الوحيدة التي حضرت المحاكمة في صباها صارت في العقد الخامس وتعيش في نيويورك. عندما التقاها مايكل بناء على وصية هانا، رفضت الغفران لها ومسامحتها ولماذا تسامحها؟ ورفضت المبلغ البسيط الذي ادخرته هانا لها لتكفّر عن ذنبها، واحتفظت، فقط، بعلبة صغيرة تذكرها بطفولتها عليها صورة جمل.

على عكس الكثير من الأفلام التي تناولت المحرقة وتاريخ النازية لم يكن الفيلم بأطروحته جزءًا حميماً مما بات يعرف بصناعة الهولوكست، التي تحضر فيها الشخصية اليهودية الخيّرة مقابل الشخصية النازيّة الشرّيرة في تبسيط مريب ومكشوف لقضية أعقد من ذلك بكثير. أراد الفيلم أن يستدعي الشرّ النازيّ اللاّعقلانيّ من دائرة الكبت والقمع الذي يزرعه في اللاوعي، ويخرجه إلى نور الوعي حتى يتخلص من وطأة الإثميّة التي يرزح تحتها الضمير الأوربي والتي تعيق مواجهة نفسه. وهاهي هانا الفتاة الألمانية البسيطة تنتسب إلى النازية دون أن تدرك ما الذي تعنيه وتقوم بمهمّاتها دون تذمر وبناء على فكرة الواجب والمسؤولية ودون أن تعي حدودها وإمكانية الرفض. ولكنّها كائن إنساني من لحم ودم، تحبّ وتعشق، وأيضاً تتحول نفسياً وروحياً وتتطهّر بالحبّ لتصل إلى التصالح مع ذاتها على شكل ندم واعتراف بالذنب يستدعي ضمن نطاق إنسانيته، مسامحة وغفرانا لم تصل إليه المرأة اليهودية التي حافظت على صورتها في ذات الإطار.

أثنى صاحب الكتاب المقتبس عنه الفيلم “بيرنهارد شيللنك” على عمل المخرج الكبير “ستيفن دالدري” بالقول: “الفيلم هو بالفعل شيء آخر. إنّها صور أخرى، لكنها صور ومشاهد اقتبست من مادّتي. وعندما يستحدث مخرج جيّد شخصيّة جيّدة أجد هذا شيئاً جميلاً”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This