خطوتان إلى الأمام خطوة إلى الوراء: الإلحاد المتفائل

البعض منّا والذين يقودون أو يعملون في حركة تنمية العقلانية والشكوكية والواقعية والاعتماد على المصادر الوحيدة المتاحة فعلياً للجنس البشري هم على العموم متفائلون. هنالك أمر واحد نعلم أن فهمنا الواسع له جوهري وحاسم وهو أن الحلول الطبيعية والبشرية هي كل ما نملك، مع أنه هنالك الكثير من الناس قد يتخيلون قوى خارقة للطبيعة قد تهب لمساعدتنا. وبالرغم من السلوك الغريب للعديد من أبناء جنسنا فنحن نعتقد أنه بإمكاننا أن ننجح في مسعانا. وبالطبع سأكون متفاجئاً جداً إذا لم يكن ممثلو أي من الأديان متفائلين بانتصار وجهة نظرهم وأن الإنسانية ستنجح وتزدهر نتيجة لذلك.

لا يمكن أن نكون كلّنا – وبخاصّة الملحدين – على حقّ. فإمّا أنه هنالك قوة خارقة ما أو لا؛ وإمّا سينجو الجنس البشري وحتى سيزدهر أو سوف نهلك جميعاً. لا أحد منّا يعرف المستقبل. نستطيع، فقط، أن نتأمَّل ونخمِّن.

لقد بيّنت العديد من الاستفتاءات والدراسات خلال السنوات الأخيرة أنّ نسبة اللاّدينيين في أمريكا قد ازدادت بحدَّة. وفي الوقت نفسه، تظهر العديد من الدراسات نفسها ودراسات أخرى أعداداً متزايدة ونفوذاً سياسياً للمتدينين المتحمسين – ما يعني بوضوح اشتداد حالة الاستقطاب في أمريكا. وترجع نسبة التزايد المتزامن والمتناقض في كلا الجانبين إلى الانخفاض في أعداد اللامبالين الذين في الوسط بحيث أن نسبة كبيرة من الأمريكييين تصنف إما كشديدة التدين أو علمانيّة.

إلا أنه هنالك نتيجة ثابتة لهذه الدراسات تمثل سبباً مباشراً لتفاؤل الملحدين وهي العلاقة المتبادلة بين العمر واللاتدين، فالأشخاص دون الثلاثين سنة يميلون إلى أن يكونوا غير متدينين بالمقارنة مع الفئات العمرية الأكبر. والملحدون يندرجون تحت مسميات ومعان عديدة مثل: عقلانيون، ذوو فكر حر، لاأدريون، علمانيون، إنسانيون، ماديون، طبيعيون. والملحدون يتفاوتون مع اختلافات أحياناً تنشأ من الاختلاف في استخدام المصطلح نفسه، إلا أن الجميع يستخدم مصطلح “الملحد” كاختصار لكل ما سبق. وهنالك أيضاً رابط ضعيف نوعاً ما ولكنه ثابت ودائم بين مستويات العلم العليا وضعف الارتباط بالدين بالرغم من أن هذا الرابط يبدو ظاهرياً أنه يصبح أكثر ضعفاً بدلاً من أن يكون أكثر قوة.

وهنالك دليل آخر أقلّ منهجية (علمية) على أنّ الإلحاد أو العلمانية تزداد قوة وذلك بالنظر إلى الجانب السياسي، فبينما يجزم عدد لا بأس به من الأمريكيين – بشكل غريب – أن الرئيس أوباما يمارس الإسلام سراً، فإن الرئيس نفسه قد اتخذ العديد من الخطوات تجعله مشمولاً معنا ضمن اللادينيين. إن تصريح أوباما في خطاب توليه الرئاسة “إننا نعلم أن إرثنا المستند على التمازج هو قوة لنا وليس ضعفاً. نحن أمّة من المسيحيين والمسلمين واليهود والهندوس واللّامؤمنين”، وكتاباته وحواراته قبل هذا الخطاب وبعده هي علامة بارزة تشير إلى القبول المتنامي لنا نحن اللادينيين. من حهة أخرى فاستقبال وترحيب إدارة أوباما بممثلين عن (Secular Coalition for America) (التحالف العلماني من أجل أمريكا) في البيت الأبيض في شباط 2010 كانت خطوة أخرى إلى الأمام، ونحن مسرورون أنه لدى رئيس الولايات المتحدة – والذي يبدو بالتأكيد مسيحياً – والدان لم يكونا – كبالغين – متدينين: والدة علمانية إنسانية، ووالد مرتدّ عن الإسلام وملحد أو لاأدري.

نحن العلمانيون لم نصل بعد إلى الحد الأدنى من الرضى سياسياً طالما أنه هنالك أعياد كالعيد الوطني للصلاة مستمرة في الوجود، بالإضافة إلى ترويج مبادرات ذات صبغة دينية تقوم بها وكالات حكومية. ونحن مقتنعون أن أشياء كهذه لا تتصف بالحكمة، وغير دستورية أيضاً؛ إلا أننا نشعر بالتشجيع عندما نرى أن وصمة العار التي نوسم بها اجتماعياً تتقلص وتقل شيئاً فشيئاً.

إنّ النجاح في نشر كتب ككتاب ريتشارد دوكينز ” The God Delusion” “وهم الله”، وكتاب كريستوفر هيتشنز ” God Is Not Great” “الله ليس عظيماً”، أو كتب سام هاريس تشير إلى ازدياد الفهم والتقدير للفكر الإلحادي والإنساني. إضافة إلى ذلك فالمنظمات الوطنية التي اشتدّ عودها كالتي أقودها حالياً “الملحدون الأمريكيون” والعديد من المنظمات الأخرى مثل:”اتحاد الحركة الإنسانية الأمريكي” “American Humanist Association”، و”مؤسسة التحرر من الدين” “Freedom From Religion Foundation”، و”مجلس الإنسانيات العلمانية” “Council for Secular Humanism” هي أيضاً خير دليل على وجهة نظرنا.

إن تقدم عملية المنطق والتفكير الطبيعي يعتمد على تقدم التعليم والثقافة، والتطور المستمرّ المتاح من العلم؛ إلا أنّ هذا التطور أو التقدم ليس حتمياً وحتى قد لا يكون أحياناً واضحاً مرئياً لأنه من المرجح أن يكون من نوع (خطوتان إلى الأمام خطوة إلى الوراء)؛ فالمعتقدات والأفكار الدينية تشكّل تحدياً جدّياً لنا لأنّ فكرة الإيمان بالله تملك إلى جانبها كلاً من العرف أو التقاليد وخاصية “العاطفية”، بالإضافة إلى الربط غير المنطقي في الذهنية الشعبية العامة بين التديّن والأخلاقيّة، لكن وبالرغم من ذلك فإن الحقائق المنبثقة عن علم الاجتماع وثقتي في الذكاء الإنساني تبقياني متفائلاً.
المقال الأصليّ:

Two Steps Forward, One Back: Optimistic Atheism, in The radical humanist

Ed Buckner:

دكتوراه في الفلسفة. رئيس منظمة “ملحدون أمريكيون” منذ أيلول 2008.

حرّر أو ساهم في العديد من الكتب مثل:

The Fundamentals of Extremism,

The New Encyclopedia of Unbelief,

Everything You Know About God Is Wrong.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق