الخلق مثلما ترويه نصوص التوراة

إن كان ” الخلق ” يفتتح السفر الأول من التوراة، فإن هناك فقرات أخرى تتأمل نشأة الكون على شكل بيانات موسعة كثيراً أو قليلاً. فإلى جانب نصوص سفر “التكوين”، يتناول سفر “أيوب” و”المزمور” 104 مسائل الأصول هذه. ينطوي سفر “التكوين” على حكايتين عن “الخلق”، وهناك اتفاق على القول إن الحكاية الثانية سابقة على الأولى، التي وضعت في البداية إبان الجمع والنشر النهائي لنصوص التوراة. ولم يجر حذف التناقضات إبان عملية النشر هذه. وهكذا، فإن الحيوانات خلقت قبل البشر في الحكاية الأولى، ولكن بعدهم في الحكاية الثانية. إذاً، لم يكن هناك اهتمام واقعي في جمع المصادر المتعلقة بالأصول، ولم يكن البيان عرضاً “علمياً”، إذ أن الهدف كان يتمثل في تقديم صورة قادرة على الإجابة على التساؤلات ويمكن أن تعبر عن لاهوت. تميز هذه الطبيعة الدينية للنصوص أيضاً الوثائقَ الشرقية القديمة المتعلقة بالأصول: نصوص ” الخلق “، توراتية كانت أم لا، مكرسة لإيضاح الوضع البشري، وجعله مفهوماً مثلما تصوره المقدّسُ. وكانت اللغة ومقتطفات الميثولوجيات المستخدمة بمثابة مواد بناء لخطاب يتجاوزها.

حكاية الخلق الأولى:

( GN I, 1, A GN II, 4a )

هذه الحكاية يؤرخها شارحو زمن “النفي”، بشكل عام، على أنها من القرن السادس، وينسبونها إلى وسطِ كهنةِ ” أورشليم ” المنفيين. لهذا السبب، غالباً ما تسمى “حكاية كهنوتية” récit sacerdotal. نتبيّن أن المحررين هنا كانوا شديدي التعلق باستئناف العبادة، ما وراء “الهيكل” الذي حرموا منه. تعكس سلْسَلَةُ النص هذا الاهتمام بالميدان الطقسي الديني، الموزّع على ستة أيام ويبلغ أوجه في السابع بتبجيل السبت، واجب التقوى الجوهري. في هذه الحكاية، علة “الخلق” الجوهرية هي علة الكلام والانفصال : بعث الله الوجود في كل شيء بأن فصل ورتب كل ما هو مختلط، وغير متمايز، وفوضوي. الكوكب لا شكل له، مقفر وخاو ( tohû wabohû )، وهو ما يمثل حالة شواشية chaotique لا وجود فيها للنظام. ليست هذه ” الأرض المقفرة والخاوية ” هي الأرض بل الكون؛ لن توجد الأرض، اليابسة، إلا فيما بعد. عنصر الماء سابقُ الوجود، وروح الله تخيم عليه. انفصل بعد ذلك وتمايز، على التوالي، الضوءُ والظلمات، المياه انفصلت وتمايزت بقبّة “السموات”، ومياهُ العالم السفلي و”اليابسةُ”، الأرضُ، والليلُ والنهار بالأزهريْن، النورين، الشمسِ والقمرِ. ثم، جاء دور الحيوانات، التي انتظمت “حسب نوعها”، ثم دور الرجل والمرأة، اللذين اكتمل عمل الله بخلقهما. الفكرة العميقة في هذه الحكاية هي الخروج من اللا تمايز والاختلاط كي يكون لكل شيء هويته بفضل عملية الفروق والتضادات التي انحدرت منها عناصر التعريف والتحديد : تفرَّدَ بذلك كل شيء، بكلام الله وفعله. أخيراً، لا تتضمن هذه الحكاية منع الأكل من شجرة معرفة الخير والشر، ولا إشارة فيها إلى موضوع جنة عدن.

حكاية الخلق الثانية:

( GN II, 4b, A III, 24 )

هذا النص أقدم وسابق لـ “النفي”. يؤرخونه عموماً على أنه من القرن الثامن، زمن “حزقيا” ( 716 – 687 )،  ملك ” يهودا “. مسألة الأصول في هذا النص موضحة بشكل مختلف جداً عن الحكاية الأولى. يتصرف الإله على نحو يقرّبه من النشاطات البشرية، فهو هنا خزّاف وبستاني. في بداية الحكاية، يخلق الأرض والسماء؛ الأرض موجودة، غير أنها تخلو من النبات، وتوحي بجغرافيا من نوع تلك القائمة عند أطراف “الهلال الخصيب”، حيث تقتضي الزراعة موارد ماء. يظهر الماء بعد ذلك على شكل موجة آتية من الأعماق، تصعد من الأرض وتروي السطح كله، ويتيح وجوده للإله أن يقولب الإنسانَ، من الطين. الاسم           “آدم” مرتبط بالكلمة “أرض / تراب”، adama، التي تعني من الناحية الاشتقاقية “أحمر ” rouge، لون الأراضي الزراعية في الشرق ومادة الجسد. أنبت الإله جنة عدْن، وهي أرض ترويها أربعة أنهار، غرس في وسطها شجرة الحياة، دون أن يحرم البشر من الوصول إليها. ولطالما قيل إن كلمة “عدْن” Éden تترجم الكلمة السومرية ” أدينو ” edinu، “السُهْب”، غير أنه منذ أن تم اكتشاف تمثال “حدد يسعي” Hadad Yis`i، أصبح من المقبول القول إن كلمة “عدن”، التي تنحدر من الجذر “أ/ع ..دن” ´dn، وهي عبارة مستخدمة في النسخة الآرامية من النقش الأثري على أنها من ألقاب الإله “حدد”، أي “ذاك الذي ينشر الرخاء في كل  البلاد”، يمكن أن تعني بالأحرى، في عبارة “جنة عدن”، “جنات النعيم” /  “الفردوس” jardin des délices.

ينقسم النهر الذي ينبجس في “عدن” إلى أربعة أنهار : يموضِعُ نهرا “دجلة” و”الفرات” هذه الجنةَ نحو بلاد “ما بين النهرين”؛ يعْبر “جيحون” Gihôn بلادَ “كوش” Kush، وهو اسمٌ يمكن ربطه بالاسم “الكاسيّ” والذي يمكن أن يكون عندئذ مرجعاً ثالثاً لـ “ما بين النهرين”؛ و”فيشون” Pishôn مرتبط ببلاد ” خويله ” Khawilah، الواقعة نحو الجزيرة العربية. ومن أجل تحديد موضع جنة عدن، يفرض إثباتان سابقان نفسيهما: يتجه “دجلة” و”الفرات” صوب “ما بين النهرين”، ويمكن أن يكون “جيحون” و”فيشون”، اللذان لم يتحدد موضعهما، خيالييْن. إلا أن تراث “أوغاريت” يجعل إلهها الكبير، “إيل”، يقيم “في ملتقى النهرين، عند منبع اللجّتين”. وهكذا، فإن كتلتي الماء المحيطتين بالكون لهما “منبع مشترك”، نقطة تلتقيان فيها والتي هي التقاء نهرين. كما أنه إذا افترضنا أن “عدن”، كمكان إقامة للإله “إيل”، تقع على نبع النهرين المذكورين في سفر “التكوين”، أي “دجلة” و”الفرات”، فإن الجنة ستكون موجودة عندئذ في المنطقة الجبلية الواقعة شمال بلاد “ما بين النهرين”. أخيراً، ووفقاً لمكان إقامة “إيل”، عند نبع اللجتين، فإن “فيشون” و”جيحون” سيكونان هذين الذراعين، ذراعيْ مجرى مائي ضخم ربما كان يحيط بالأرض، أي “ما بين النهرين”، المنطقة التي ستكون بذلك في حكم المركز. ولما كانت “خويله” تقع صوب الجزيرة العربية جنوباً، وحينها يمكن أن تكون “كوش” هي منطقة “القوقاز”، فإن “فيشون” و”جيحون” يمكن أن يكونا تمثيليْن للبحار التي ترسم حدود مقاطعتيْ الأرض هاتين. وحسب التصور الرافديني، الأرض محاطة كلياً بالماء، وكلٌّ من نصفيها محاط بأحد البحرين. ولكن تلزم نقطة يلتقي فيها البحران. من هنا قد يكون انطلق النهران، الكبيران، اللذان يمكن أن يكونا بالتالي العنصرين الوحيدين المهمين من أجل تحديد موضع “عدن”.

في وسط جنة عدن، توجد شجرة الحياة، كذلك شجرة معرفة الخير والشر. إن كانت أشجار كثيرة قد ذكرت في التوراة، سواء كانت تلك المتعلقة بالمعابد الكنعانية ( التثنية: 12، 2 ) أم تلك التي دعا “إبراهيم” (باسم الربّ) بقربها، فإن شجرة معرفة الخير والشر هي شجرة على حِدَة، بمفردها، إنها رمز. إن للإنسان الحق بالأكل من الأشجار كلها، باستثناء هذه، لأنه إن فعل، فقد يصبح مع هذه المعرفة حَكَماً، أي يسيطر أو يحدد الخير والشر، فلا يعود يتلقى تعريف الإله وسننه، عبر انتقال “الشريعة”. تستمر حكاية “الخلق” بخلق المرأة، المعتبرة هنا صنواً، نظيراً. ثم، تأتي حكاية الإغراء حيث يمكن أن تمثل الحيّةُ افتتان “اليهويّة” بالعبادات الأجنبية، مثلما كانت تمارس في “كنعان”، ويمكن ربط موقف المرأة بالحظر الملحوظ في مواضع أخرى من نصوص التوراة تجاه اتخاذ الأجنبيات كزوجات، إذ أنهن يعتنقن عبادات أخرى هي مصدر للخيانة. ثم تأتي قصة الانتهاك، التي يمكن تحليلها على أنها محاولة عبثية من جانب البشرية في مسعاها للحصول على قدرات إلهية. ويأتي بعد ذلك الحكم الإلهي : ستكون الحية ملعونة، ويعاقب الرجل والمرأة، ويطردان من جنة عدن، ويحرمان من إمكان الأكل من شجرة الحياة. بعبارة أخرى، أُنكر عليهما منذئذ سبيل الخلود.

تتوطد نشأة الكون إذاً في هذه الحكاية الثانية على هذا الشكل. في البداية أرضٌ بور، بلا نبات، تصبح بعد مجيء الماء والإنسان غنية بالعشب البري ثم بذاك القابل للاستغلال، ثم بنباتات ذات ثمر أخيراً. الصورة العميقة هي إذاً صورة فلاة يقوم زرعها بفضل البئر، “ضباب يطلع من الأرض”، وبعمل الزارعين. في هذه الحكاية، ليس للبحر أي دور. يستند تفسير الأصول إذاً إلى جغرافيا، أو إلى منظومة بيئية، حيث تفوز الأرض المزروعة شيئاً فشيئاً، وقد تكون هذه الحكاية صدى لأسطورة بدو رحل أقدمين أو أشباه بدو. إن مفهوم الأرض التي هي جزيرة، المحاطة بمحيط شامل، وتجتازها أنهار، تستند عبر حكاية جنة عدن وجغرافيتها إلى تصور قديم وشرقي، وتعود التوراة في هذا المفهوم، وبصورة واضحة، إلى أصول رافدينية، حين تذكر ” دجلةَ ” و”الفرات” كنهرين كبيرين يغذيان الأرض.


حكايات توراتية أخرى عن الخلق:

يقدم “المزمور” 104 وسفر “أيوب” بعض المعطيات بشأن نشأة الكون. يستعيد “المزمور” 104، بطريقة غنائية، أول حكاية لـ “الخلق”، مما يمكننا من وضعه تالياً مباشرة لهذه الحكاية من ناحية الترتيب التسلسلي الزمني. في هذا “المزمور”، يتقدم الإله، الذي لديه شُرْفته على المياه، على أجنحة الريح، السحابةُ مركبتُه والبروق خَدَمُه. يردّ المياهَ التي كانت تغمر الأرض ويضع لها تخماً كي لا تعود إلى إغراق الأرض، و”لوياثان” (الوحش البحري) خلقَه الإلهُ ليلهو فيها. إن صانع الكون وخالقَه متصوَّرٌ على أنه واضعٌ حداً للعماء، الشواش. أما سفر “أيوب”، المؤلَّف ربما في منتصف القرن الخامس، فيقدم موضوع معاناة البارّ ويطرح مسألة العدالة الإلهية. يستجيب الإله ويذكّر “أيوبَ” بما خلقه.

سفر ” أيوب”، كما هو حال حكاية الخلق الأولى في سفر “التكوين” و”المزمور” 104، هو تالٍ لـ”النفي”. يعبر الإطار الزمني لهذه الحكايات عن واقع “إسرائيل” المرتبط بوضوح بالعبادة، حيث دين “يهوه” محكومٌ بإيقاع أسبوعي يشتمل على ستة أيام للعمل ويوم للاستراحة والانقطاع لله. إذاً، يرتكز واجب احترام توزيع الوقت، المعبر عنه بهذا النحو، إلى العمل الإلهي نفسه. نقطة انطلاق هذا الفعل هي شواش هائل، “لجة” (غَمْر) ماء، تخيم على وجهها “روحُ الله”. يعود “المزمور” 104 إلى هذا المفهوم نفسه في كلامه عن الأرض: ” كَسَوْتَهَا الْغَمْرَ كَثَوْبٍ. فَوْقَ الْجِبَالِ تَقِفُ الْمِيَاهُ”. يفْصل أولُ فعل لـ”الخلق” هذه الكتلةَ.

ما تقوم عليه حكايات الخلق التوراتية:

تتسم هذه النصوص بطابع لاهوتي على نحو صريح. الأصل هو خالق؛ لا شيء يعلل خلقَه. وفي حكاية ” أيوب”، هناك ذكْرٌ لناظِرِين، إنهم أبناء “إلوهيم” Elohim، الذين يقيمون في لدنه. مع ذلك الخالق وحيد، ومنه يأتي كل شيء: العناصر، والبشر، والحيوانات، بل أيضاً سيْر الكون اللاحق. يشير سفر “أيوب” و”المزمور” 104 بوضوح إلى هذا العمل اليومي الذي هو امتداد للعمل الكبير: فعْل الإله متواصل، وليس “الخلق” سوى أول عمل في التاريخ، لأنه لم يتمخض عن وضع نهائي. إنه فعل يمكن أن يتكرر حدوثه، ويُظهر بعضُ النصوص هشاشةَ بناء العالم. وهكذا، يهدد “أشعياء” بهدم “بابل” مع السموات وكوكباتها التي لن تبعث نورها بعد ذلك: ” تُظْلِمُ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا، وَالْقَمَرُ لاَ يَلْمَعُ بِضَوْئِهِ (أشعياء 13). كما أن “الطوفان”، الذي يمثل رجوعاً إلى العماء واللاتمايز، يبرهن عن إمكان حدوث قطيعة عن الزمن الأول، بـ “الخلق”. يجب على هذا “الخلق” عندئذ أن يبدأ من جديد، إذ نشهد حينها انفصالاً مرة أخرى لعنصر الماء والأرض، ومجيئاً جديداً للحيوانات، نوعاً فنوعاً، إلى الكون، وإدارة جديدة للخصوبة والتكاثر.

في حكاية “الخلق” الأقدم، السابقة لـ “النفي”، يعالج الخالق جنةً، ونهراً، ورجلاً، وحيواناً من كل نوع، وامرأةً. وفي الحكاية الأحدث، التالية لـ “النفي”، يؤدي فعلَه في مواجهة عناصر كالماء، والسماء، والأرض، والنور. في الحكاية السابقة لـ “النفي”، للخالق نشاط موصوف بعبارات مادية كفايةً، عبر صور مأخوذة من النشاط البشري. يُصعد الماءَ مثلما يفعل حفّارُ الآبار، ويُنبت جنة مثل بستاني، ويجعل من ذاته خزافاً وهو يقولب الطين. هذا التعبير، الذي ينطوي على قدر كبير من التشبه بالبشر في الفعل الإلهي، نجده أيضاً في  “المزمور” 104 ( 104: 5 )، وفي سفر “أيوب” ( 38: 4، 6 )، حيث يحسب الإله أبعاد الأرض، ويسحب المطمار مثل معمار. وعلى العكس من ذلك، تتجنب الحكاية الكهنوتية، الأحدث، هذه اللغة. هنا، الإله لا يتصرف، لكنه بكلامه يخلِق، مما يضعها فوراً موضعاً متعالياً قبالة نشاطات البشر الذين يعملون ولا يقولون. وفي نصوص أخرى من التوراة، لاسيما في “الأمثال” (8: 22)، الحكمة الإلهية، فوق الطبيعية، هي التي تعتبر متفوقة على الكلام الذي ليس هو سوى تعبير عنها، وهذه الحكمة هي السابقة الوجود على كل عمل للإله، وفقاً لهذه النصوص.


الكلام الخلاق:

إن للكلام الإلهي، في “سفر التكوين”، قدرةً على الخلق. ومعروف أيضاً هو دور هذا الكلام في بعض القصائد البابلية. يشير أحد النصوص بشكل خاص إلى كلام “بل – مردوخ”           Bêl – Marduk ( الإله البابلي ):

” [ … ]

الكلام الذي يجعل السماء، في الأعلى، هادئةً،

الكلام الذي أراح الأرض، في الأسفل،

كلام الأنوناكي، التدميري،

ليس كلامه كلامَ متكهِّنٍ، ليس فيه

تعويذ؛

كلامه طوفانٌ يجري،

لا ندّ له؛

كلامه يجعل السموات تهدأ، يريح

الأرضَ!

[ … ] “.

بدايةُ نقدٍ

كان الحكايات المتعلقة بـ “الخلق” في مجملها، دائماً وأبداً، مؤثرة كثيراً، وكانت فقراتها موضع تعليق وتحليل مرات كثيرة، خصوصاً مع التقدم المتدرج للعلم. وكانت المناقشات حول العلاقات بين التوراة والعلم غنية وحادة للغاية. كان ينظر إلى التوراة، حتى العصر الوسيط، على أنها كلام الله، ولم تكن النصوص التي تتحدث عن الأصول تطرح مشكلة قراءة. كانوا يستندون إليها من أجل إعادة بناء كرونولوجيا تاريخ العالم أو أيضاً من أجل إعادة تكوين جغرافية جنة البدايات. مع ذلك، نشأت بالتدريج مطالعة نقدية للنصوص التوراتية، ووضعت هذه الحركة نصوصَ “الخلق” في قلب الكثير من النقاشات. ويعطينا معجم “فولتير” Voltaire الفلسفي لعام 1764، الذي تضمن مقالات بعناوين “التكوين “، و”آدم” و”الطوفان”، فكرةً عن طبيعة النقاشات التي دارت حول الموضوع. “التكوين” حسب”فولتير” زاخر بالتناقضات، لأنه على سبيل المثال لم يجعل خلقَ الشمس والقمر إلا عقب النور بأربعة أيام، أو أيضاً، حسب شرحه، “من الصعب أن نتصور أنه وُجدت شجرة تعلِّم الخيرَ والشر مثلما توجد أشجارُ كمثرى وأشجار مشمش”. وفي المقالة حول”الطوفان”، حاول “فولتير” أن يحسب الزمن الذي قد يلزم من أجل إغراق الأرض، واستنتج أن هذه الحكاية غير ممكنة. وإزاء هذه الحالات المناقِضة، ظهرت جماعة المدافعين الذين سعوا إلى التوفيق بين “الكتاب المقدس” (نصوص العهدين القديم والجديدL`Écriture ) والمعطيات العلمية الجديدة.

استمر النقد دون توقف، وقورنت النصوص بالأساطير، منذ مطلع القرن التاسع عشر. وامتاز النصف الثاني من ذلك القرن بتأثير الاكتشافات الآثارية التي تمت في الشرق، ودفعت إلى المقابلة بين نصوص التوراة والمصادر القديمة، وأثبتت وجود تقاليد أسبق من تلك الموجودة في التوراة. ولم يعد ممكناً النظر إلى التوراة على أنها أول نص متعلق بالأصول، وأصبح من المعترف به أنه توجد آثار تقاليد سابقة لليهودية judaïsme. وظهر لدى عدد من الشارحين وعي بتعقيد التوراة. وأعيد النظر بتاريخية هذه النصوص، ومضى عدد من الباحثين لاكتشاف “جنة عدن” أو بدؤوا أبحاثاً حول جبال “أرارات”، المكان المفترض لرسوّ سفينة “نوح”. وعلى نحو مواز، تقدمت الآراء التطورية évolutionnistes، وألقت الفكرةُ التي تفيد بأن العالم هو نتاجُ تطوّرٍ، ظلالاً من الشك حول هذه النصوص، متعارضة بشكل جذري مع نظريات الخلْقيين créationnistes التي فسرت النوع البشري والعالم على أنه ثمرة “خلْق” في زمن واحد. وإذْ تطورت معطيات العلم، وقف الخلقيون أخيراً مع فكرة وجود تطور، منكرين فكرة تحوُّل الأنواع، وقالوا بوجود خلق متعدد، متكرر. قبِل الخلقيون في نهاية المطاف بفكرة وجود تطور شامل، غير أنهم طرحوا الإنسان منه.

في زمننا هذا، يحللون طبيعة النصوص بالنسبة إلى تطورات العلم ومن زاوية أوسع. بات مسلماً به أن الإصحاحات الأولى من سفر “التكوين” لم تعد قادرة على مزاحمة التاريخ مثلما يعيد العلم بناءه في الوقت الراهن. هذه النصوص هي من جهة روايةٌ للأصول مثلما أمكن لحالة العلم أن تلْحظها في زمن تحريرها، وهي من جهة أخرى وسيلة أعطيت للناس من أجل فهْمٍ وقبول أفضل للشرط البشري: لاهوت. وبهذا المعنى، ليست دقائق النص مجال بحث ضمن حالة من العلم، حيث أن هذا النص وسيلة لوصف شيء آخر ولكن عبر الرسالة الموجَّهة من خلال هذه الوسيلة. وكي نقتنع بهذه الدقائق وبالطريقة التي تم فيها تصور هذا النص وثيقِ الصلة بالثقافة المحيطة، ومن أجل أن نقع، بالمقابلة، على الرسالة الحقيقية لهذه الإصحاحات الأولى، يكفي أن نقارب النصوص بعضها من البعض الآخر.


نصوص متقابلة: 

نصوص الشرق القديم، التي تعالج مسألة الأصول، كثيرة للغاية، براهينُ على أن هذا السرّ الكبير قد استرعى انتباه المفكرين على الدوام. زعزعت الاكتشافات الأولى، في سبعينات القرن التاسع عشر، أنصار وحديّة التوراة، إذْ لم يكن ممكناً إنكار التشابهات التي ارتسمت بين نصوص توراتية ونصوص الشرق القديم. النصوص السومرية المتعلقة بـ “الخلق”، ويعود تاريخ أقدمها إلى نحو 2600 ق.م، سابقة في وجودها على التوراة بمئات السنين، إن لم نقل بأكثر من ألف سنة. كما أن نصوص التراث الأكادي، ثم البابلي، التي تمتد على أكثر من ألفي سنة، سابقة على نصوص التوراة بنحو ألف سنة إلى عدة قرون أو أنها معاصرة لها في نُسخها الأحدث.

واليوم، يتفق الجميع على النظر إلى أي موقف متطرف يتعلق بالمقاربات بين توراة ونصوص شرقية قديمة بصدد “الخلق” على أنه لا مبرر له، ولكن بالمقابل إذا نظرنا إلى “التكوين” على أنه عمل يستعين باستعارات métaphores ورمزيةِ ثقافةٍ مشتركة، أمكننا أن ندرك بشكل أفضل مدى لاهوتيته. يزعم بعض معارضي هذا المسعى بأن “فلسطين” لم تشهد هذه البنى كلها التي كانت قد صيغت منها النصوص في “وادي الرافدين” ( أو في “مصر”). إلا أننا نعرف أن الكتابة المسمارية كانت مستخدمة في المنطقة خلال عصر البرونز الحديث كله، في “مصر” كما في “كنعان”، وهو ما تشهد عليه مثلاً رسائل “تل العمارنة” ( القرن الرابع عشر)، التي حوت أيضاً بعض النصوص الميثولوجية الأكادية، وأدلة مختلفة جمعت من  “حاصور” القرن السادس عشر – القرن الخامس عشر، و”أفيق” في سهل “شارون” من القرن الثالث عشر (مفردات ثلاثية اللغة سومرية – أكادية – كنعانية) ومن “مجدو”، حيث عثر على جزء من “ملحمة جلجامش”. أخيراً، سنتذكر أن حالات التماسّ بين هذه المناطق جميعها كانت أكثر تطوراً بكثير مما نعتقد، وأن المنفيين إلى “بابل”، من متعلمين وكهنة ونُخَب، ممن قاموا بتأليف الكثير من نصوص التوراة ومنها قسمٌ من سفر “التكوين”، كانوا على تماسّ وثيق مع ثقافة الشرق القديم.

توضِح الحكاية الأولى من سفر “التكوين” تماسّ “إسرائيل” مع حضارة وثنية قوية، خصوصاً من خلال نص الـ “إينوما إيليش”. ترسم هذه الحكاية الأولى المؤلفة بعد “النفي”، بالخطوط العريضة، لوحةً عن “الخلق” يمكننا أن نقارب سياقه من سياق حكاية “الخلق” البابلية. كوكب الأرض مقفر في بداية الأمر وخاو، إنه في حالة عماء لا شيء فيه منظم بعد. عنصر الماء البدئي كتلةُ ماءِ اللجة، مغطاة بالظلمات، مثلما يسبق البحر اللامتمايز عند “البابليين” كل شيء. إن مفهوم الخلق ابتداءً من لا شيء غير موجود في النصوص التوراتية. ولم يدخل هذا المفهوم إلا في العصر الهلنستي، في أسفار “المكابين”، “السفر الثاني”، الذي حرر في هذا الزمن حين انتشر تأثير الفكر الإغريقي. وبالطريقة نفسها، لم يعرف الشرق القديم هذا المفهوم، وكما بالنسبة للتوراة، يقوم الإلهُ، المقدَّم في هذه الحكاية أو تلك من حكايات نشأة الكون القديمة، بتنظيم العماء، ويرتبه ويحوله. وفي جميع الحالات، كان العماء موجوداً، “في البدء”. أما بالنسبة لحكاية الخلق الثانية في سفر “التكوين”، فإنها لا تشدد على خلق الكون، مقتصرة فقط على رواية أن الله “خلق السموات والأرض”.

حكاية سفر التكوين الأولى:

التكوين 1، 1 – 10 ( الحكاية الأحدث )

” فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ.

وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ.

وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ نُورٌ» فَكَانَ نُورٌ.

وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ. وَفَصَلَ اللهُ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ.

تك1: 5 وَدَعَا اللهُ النُّورَ نَهَاراً، وَالظُّلْمَةُ دَعَاهَا لَيْلاً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْماً وَاحِداً.

وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ جَلَدٌ فِي وَسَطِ الْمِيَاهِ. وَلْيَكُنْ فَاصِلاً بَيْنَ مِيَاهٍ وَمِيَاهٍ “.

فَعَمِلَ اللهُ الْجَلَدَ، وَفَصَلَ بَيْنَ الْمِيَاهِ الَّتِي تَحْتَ الْجَلَدِ وَالْمِيَاهِ الَّتِي فَوْقَ الْجَلَدِ. وَكَانَ كَذلِكَ.

وَدَعَا اللهُ الْجَلَدَ سَمَاءً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْماً ثَانِياً.

وَقَالَ اللهُ: «لِتَجْتَمِعِ الْمِيَاهُ تَحْتَ السَّمَاءِ إِلَى مَكَانٍ وَاحِدٍ وَلْتَظْهَرِ الْيَابِسَةُ». وَكَانَ كَذلِكَ.

وَدَعَا اللهُ الْيَابِسَةَ أَرْضاً، وَمُجْتَمَعَ الْمِيَاهِ دَعَاهُ بِحَاراً. وَرَأَى الله ذلِكَ أنَّهُ حَسَنٌ “.
حكاية سفر التكوين الثانية:

التكوين 2، 4 ب – 6

” هذِهِ مَبَادِئُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حِينَ خُلِقَتْ يَوْمَ عَمِلَ الرَّبُّ الإِلهُ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ.

كُلُّ شَجَرِ الْبَرِّيَّةِ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ فِي الأَرْضِ، وَكُلُّ عُشْبِ الْبَرِّيَّةِ لَمْ يَنْبُتْ بَعْدُ، لأَنَّ الرَّبَّ الإِلهَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَمْطَرَ عَلَى الأَرْضِ، وَلاَ كَانَ إِنْسَانٌ لِيَعْمَلَ الأَرْضَ.

ثُمَّ كَانَ ضَبَابٌ يَطْلَعُ مِنَ الأَرْضِ وَيَسْقِي كُلَّ وَجْهِ الأَرْضِ”.

حسب الإصحاح الأول من سفر “التكوين”، الكون مفترَض أنه امتداد مائي واسع، حيز من الماء في داخله قبة سماوية سوّاها الإله لفصل المياه العليا عن المياه السفلى. تحدّ هذه القبةُ، “السماءُ”، حيِّزَ المكان الذي يمكن أن تظهر فيه الأرض، بالتمايز مع المياه : يحدث انفصال جديد، مياه الأسفل من جهة، والأرض من جهة أخرى، جزء يابس وجزء مائي. هذه الرؤية موصوفة في مواضع أخرى من التوراة، كما في “الأمثال” ( 8: 27) وسفر “أيوب” (26 : 10) : العالم مدوَّر، وقبة السماء تدعمها عُمُد الجبال وتحدّ دائرةً على سطح المياه السفلى. تستند الأرض إلى عمد تغوص في مياه “اللجة” (أيوب 38: 6، والمزامير 104:  5).

في حكاية سفر “التكوين” الأولى، تحدْث السيطرة على لجة العماء بالكلام. تنشطر اللجة إلى اثنتين بظهور قبة السماء. لكن فكرة صراع ضد عنصر الماء حاضرةٌ كثيراً في فقرات أخرى، في “المزمور” 104 مثلاً :

” [ … ]

اللاَّبِسُ النُّورَ كَثَوْبٍ، الْبَاسِطُ السَّمَوَاتِ كَشُقَّةٍ.

الْمُسَقِّفُ عَلاَلِيَهُ بِالْمِيَاهِ. الْجَاعِلُ السَّحَابَ مَرْكَبَتَهُ، الْمَاشِي عَلَى أَجْنِحَةِ الرِّيحِ.

الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحاً، وَخُدَّامَهُ نَاراً مُلْتَهِبَةً.

الْمُؤَسِّسُ الأَرْضَ عَلَى قَوَاعِدِهَا فَلاَ تَتَزَعْزَعُ إِلَى الدَّهْرِ وَالأَبَدِ.

كَسَوْتَهَا الْغَمْرَ كَثَوْبٍ. فَوْقَ الْجِبَالِ تَقِفُ الْمِيَاهُ.

مِنِ انْتِهَارِكَ تَهْرُبُ، مِنْ صَوْتِ رَعْدِكَ تَفِرُّ.

تَصْعَدُ إِلَى الْجِبَالِ. تَنْزِلُ إِلَى الْبِقَاعِ، إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَسَّسْتَهُ لَهَا.

وَضَعْتَ لَهَا تَخْماً لاَ تَتَعَدَّاهُ. لاَ تَرْجِعُ لِتُغَطِّيَ الأَرْضَ “.  ( المزامير 104: 2 – 9 ).

يشير سفر “أيوب” أيضاً إلى تواطؤ بين خالق ومياه، حيث يملي الإله قانونَه على عنصر ينبغي إيقافه وتحديد تخومه: ” وَمَنْ حَجَزَ الْبَحْرَ بِمَصَارِيعَ حِينَ انْدَفَقَ فَخَرَجَ مِنَ الرَّحِمِ. إِذْ جَعَلْتُ السَّحَابَ لِبَاسَهُ، وَالضَّبَابَ قِمَاطَهُ،

وَجَزَمْتُ عَلَيْهِ حَدِّي، وَأَقَمْتُ لَهُ مَغَالِيقَ وَمَصَارِيعَ،

وَقُلْتُ إِلَى هُنَا تَأْتِي وَلاَ تَتَعَدَّى، وَهُنَا تُتْخَمُ كِبْرِيَاءُ لُجَجِكَ؟ ”  ( أيوب 38: 8 – 10 )

تتحدث كتابات توراتية أخرى من فترة ما بعد النفي عن اختبار القوة هذا بين الإله والمياه، ويرسم مجملُ هذه النصوص لأصولِ نظام الكون مواجهةً رهيبةً بين إلهٍ وكتلة ” لجة المياه “، حتى لتبدو مثل وحش اسمه رَهَب (وتعني “جَلَبَة” أو “عاصفة”) أو “لوياثان” / “تنين”، عبارتان غير واضحتي الاشتقاق كثيراً، أو أيضاً “حيّة” متلوّية. في حكاية “الخلق” الأولى في سفر “التكوين”، خلق الإلهُ “التنانين”؛ وفي مواضع أخرى، كان عليه أن يجابهها في أزمنة بدئية :

” اِسْتَيْقِظِي، اسْتَيْقِظِي! الْبَسِي قُوَّةً يَا ذِرَاعَ الرَّبِّ! اسْتَيْقِظِي كَمَا فِي أَيَّامِ الْقِدَمِ، كَمَا فِي الأَدْوَارِ الْقَدِيمَةِ. أَلَسْتِ أَنْتِ الْقَاطِعَةَ رَهَبَ، الطَّاعِنَةَ التِّنِّينَ؟ “. ( أشعياء : 1، 9 )

إن لهذه النصوص جميعها طابعاً أسطورياً؛ هدفها الشرح. أما أصول هذه الصور المستخدمة من أجل تقديم هذا الشرح فهي رافدينية وأوغاريتية، يجب أن لا نشك في ذلك. يعكس أول أفعال “الخلق” جيداً ظاهرة الاقتباس هذه، خصوصاً إذا قارنا سفر “التكوين” بـ”الإينوما – إيليش”، حيث يبتدئ “الخلق” بصراع الإله، “مردوخ” أو “يهوه”، مع عنصر مائي. في “وادي الرافدين”، عنصر الماء مدرَكٌ ككيانين، “البحر” البدئي أو “المحيط” الكوني من جهة، واسمه “تياماتد”، و”المحيط” الأرضي أو غطاء الماء العذب في باطن الأرض، المسمى “أبسو”. تتباين أسماء هذين المكوِّنيْن في نصوص “إسرائيل” وفقاً للتقاليد: “البحر” و”رَهَب” في “المزمور” 89؛ و “التنين” و”لوياثان” في “المزمور” 74؛ و”رَهَب” و “التنين” في “أشعياء” 51. يسمى أول الامتدادين المائيين “اللجة” أحياناً، المعبر عنه بالكلمة العبرية tehôm. يمكن أن نجد الـ “أبسو” البابلي في التعبير العبراني                 Apshey – ereç، “أقاصي الأرض” ( التثنية 33:، 17 )، تخوم الأرض وبالتالي شواطئ  “المحيط” الأرضي الذي يحيط بها.

وحسب وثيقة “الخلق” الأولى من سفر “التكوين”، فإن انفصال “المياه” إلى علوية وسفلية يذكرنا بانفصام جسد “تيامات”، “البحر” الأولي، الذي انشق، فأصبح قسمٌ “السماءَ” والآخر “الأرضَ”. وسواء كان ذلك في التوراة أم في نصوص الشرق القديم، فإن الانفصال هو فعل “الخلق” الأساسي. إنه الانفصال التمهيدي لكيانات لا متمايزة، الذي يتيح تمايزَ وانبثاق الهوية، وفقاً لمفهوم كثيراً جداً ما عبر عنه أدب الشرق القديم. ننوه مثلاً إلى فقرة من الحكاية التي نسميها “جلجامش، إنديكو والجحيم” :

” في تلك الأيام، في تلك الأيام القديمة،

في تلك الليالي، في تلك الليالي البعيدة،

في تلك السنوات، في تلك السنوات العتيقة،

عندما انفصلت ،، السماء ،، عن الأرض

وانفصلت ،، الأرض ،، عن السماء،

وأخذ ،، آن ،، ،، السماءَ ،، معه

وأخذ ،، إنليل ،، ،، الأرضَ ،، معه [ … ] “.

يترك الإصحاح الأول من سفر “التكوين”، المروي بسبعة أيام، مكاناً هاماً لمفهوم الانفصال البدئي هذا، وتؤدي “السماء” فيه دوراً كبيراً، كما في نصوص الشرق القديم. في اليوم الأول ينفصل النور والظلمة، وفي اليوم الثاني يفصل الجَلَدُ المياهَ، بل وتُخلقُ الأنواعُ، نباتات، وأشجار ذات ثمر، كلٌّ “حسب جنسه”، متمايزاً عن الأجناس الأخرى.

باختصار، يمكن الإقرار بأن الـ”إينوما – إيليش”، وما تحتضن من حكايات أقدم، قد أُخذت نموذجاً لنصوص حكاية “الخلق” الأولى في سفر “التكوين”، ولفقرات من بعض “المزامير” وسفر “أشعياء” وسفر “أيوب” ، في المراجع الواردة في معرض نشاط الخالق صانع الكون. وإذْ كانت هذه الأعمال كلها تالية للنفي إلى “بابل”، فإن محرريها استخدموا المواد التي وضعتها كبريات النصوص الدينية البابلية في متناولهم. ما كان يمكن للمآل الأدبي واللاهوتي لنصوص التأليف البابلي وفكره، الذي يمكن أن نتصور أنه كان يتلى أو يُقرأ في بعض المناسبات بصورة أستاذية، إلا أن يسترعي انتباهَ مثقفين ولاهوتيين، منخرطين هم أنفسهم في بحث لاهوتي عميق، وفي كتابته.

اقتباس:

إن لم يعد الاقتباس بحاجة إلى إثبات، فإن الطريقة التي جرى بها هذا الاقتباس لم تتضح. هل كان مباشراً، أم تم على مراحل؟ هل هو من عمل المنفيين فقط، أم أن الاقتباس قد انتهج مساراً أكثر تعقيداً، مازجاً بين تأثير بابلي على المنفيين وتثاقف محلي منذ نهاية الألفية الثانية؟، ذلك أن بعض عناصر حكايات نشأة الكون كانت معروفة أيضاً في “فلسطين” وفي  “سوريا” عند نهاية الألفية الثانية. في الواقع، كانت “ملحمة جلجامش”، التي تنطوي على فقرات حول “الخلق”، مثل “الطوفان”، معروفة في “فلسطين” عند منتصف الألفية الثانية. كما أن أساطير “أوغاريت” طورت في القرنين الرابع عشر والثالث عشر حكايات تشتمل على تشاكلات analogies مع ما ستكون عليه نصوص “الخلق” التوراتية. إذا استحال إذاً أن نجيب على السؤال حول طبيعة البنوة، اقتباس أم تثاقف، بين نصوص التوراة ونصوص التراث مسماريِّ الكتابة، فإنه لا مجال لإعادة البحث في فكرة هذه البنوة، وفي الواقع تتردد في النصوص التوراتية كلها، التي أُلفت بعد النفي إلى “بابل”، نصوصٌ بابلية أقدم زمناً.

وبالعكس، تتحدث حكاية سفر “التكوين” الثانية، السابقة لـ “النفي”، عن “الخلق” بطريقة أخرى، وتبدو عناصرها بالأحرى محلية المنشأ. مع ذلك، نجد الاقتباسات من تقاليد شرقية أقدم زمناً مختلطةً فيها، كاشفةً هنا أيضاً عن الدور الذي أدته “بلاد الرافدين” في حكاية الأصول مثلما رواها “عبرانيو” القرن الثامن. تلك هي حال اقتباسِ جغرافيةٍ لـ “جنة عدن”، الاقتباس الذي يُموضِعها على الأرجح جداً في اتجاه البلاد الواقعة فيما بين النهرين، “دجلة” و”الفرات”، أو أيضاً اقتباس ما يتعلق بنشأة الإنسان التي تربط خلق الإنسان بالعمل.

بالنسبة إلى مثقفي ولاهوتيي “إسرائيل”، فإن هذه المواد، الرافدينية أو الشرقية على نحو أشمل، أياً كان الزمن الذي حررت فيه، كانت استعاراتٍ على الأرجح، استخدموها لغايات شارحة، واقتبسوها أيضاً لما فيها من إلهام قوي أو لمزاياها الأدبية والتعبيرية. وضعت هذه العناصر الغريبة في خدمة بنيان لاهوتي مختلف جداً عن البنى التي ساهمت بقيامها فيما مضى، وبالتالي فقد تلقتها جماعة “إسرائيل” كلها وفهمتها بطريقة مختلفة. في الواقع، افترقت كتابات شريعتها في العمق عن هذه المواد كلها، بل أبقت أحياناً على علاقة مثيرة للجدل مع التقاليد الدينية القديمة التي كانت تحملها.

في حكايات نشأة الكون القديمة، يسِم تعددُ الآلهة والتشبيهُ anthropomorphisme ( تصور الآلهة في ذاتها وصفاتها على غرار الإنسان) الأفعالَ والتصورات. الآلهة يصارعون، تستنفرهم عيوبٌ بشرية تماماً، حتى أنها تؤثر على بعض قراراتهم المتعلقة بمسائل لا تقل شأناً عن نشوء الكون ونشوء الإنسان وأصوله. إن لمجمل آلهةِ القَدَر هؤلاء طبيعةَ الكون ومرتبطون بصيرورته؛ خلْقُ الآلهة، أصلُهم ونسبُهم، مشمولٌ في “الخلق” الشامل ويندرج فيه. وهكذا، رويت ولادةُ “مردوخ”، صانع الكون القادم، خالق العالم والبشر، بنفس طريقة ولادة الآلهة الأخرى، ولا يصبح فاتحَ العماء البدئيِّ والمنظِّمَ الكبير إلا بعد “انتخابٍ” أنجزه آباؤه. فضلاً عن ذلك، إذا كان صانعو الكون وخالقوه في النصوص المسمارية إلهيّين دائماً، من فئة كبار الآلهة بشكل عام، فإنهم يتغيرون من نص إلى آخر وتتباين معهم طريقة إنجاز “الخلق”، وحيث تبقى علاقةُ السببية التي تربط بين خالق الكون ومنجزاته العنصرَ الوحيد الذي لا يتغير.

في حكايات “إسرائيل”، تعدُّد الآلهة هذا منكَر، ويبتني عمل “التكوين” بالتعارض مع هذا المفهوم؛ بل يقدم في ذلك شكلاً من إجابة. هكذا هي الحال مثلاً في مسألة الأجسام السماوية. هذه الأجسام السماوية، المعيَّنة في نصوص الشرق القديم على أنها كيانات إلهية، ويجعلها صانعُ كون الـ “إينوما – إيليش” تضطلع بهذا الدور أو ذاك، هي في التوراة بلا اسم ودورها هو مجرد “أنوار”. يوضح المثال البسيط المشار إليه هذه القدرة للنصوص التوراتية في استخدام مواد خارجية المصدر، مقدِّمةً في الوقت نفسه أيضاً بواعثَ ثانوية قريبة من أجل تأكيد لاهوت جديد، ما وراء ثقافة مشتركة. في التوراة، الخالق هو الإله الوحيد وسابق الوجود. فقدت كل العناصر طابعها الإلهي : ليس لـ “البحر” الأولي اسمٌ أكثر من أجسام السماء، وليس للصراع ضد عنصر الماء، المذكور في “المزامير” أو في سفر “أيوب”، ذكرٌ في “التكوين”، بل وعلى نحو يعتبره غير موجود. لا يعود هذا النص يُدرِج سوى الكلام الإلهي، الكلام الفعال، وليس عنصر الأصول هنا سوى عماء.

في التوراة، لا يشكل الخالق جزءاً من الكون، وموجود بشكل مفصول كلياً عما يخلقه. مع ذلك، تبقى طريقة تصور “الخلق” مشابهة : هنالك دائماً تدخّل من جانب صانع الكون وخالقه، ثم إنه لا يعمل، إضافة إلى ذلك، بطريقة الصدور (الفيض) émanation بأن يُخرِج منه كياناً آخر، ولا بطريقة تحوُّل ما يكون. أما بالنسبة للإنسان، المخلوق من أجل خدمة الآلهة في تقاليد الشرق القديم، فإنه في التوراة مُزارع الإلهِ، المكلف بشؤون جنته ولا يُفرَض عليه العمل، على شكل جهد قاس، إلا في وقت تال، بعد أن عصا؛ يعني ذلك أنه بات منسوباً إلى الطبيعة البشرية، بينما هو في التقاليد الشرقية المكوِّن الأساسي للطبيعة البشرية نفسها. وفيما يخص دمَ الإله الممزوج بالطين، فإن هذه الفكرة لم يعد يمكن للتوراة أن تستخدمها منذ تأكيدها على الوحدانية الإلهية والانفصال الجذري بين خالق ومخلوق.

ولادة البشر وخلود:

مسألة الخلود واردة في “التكوين” على شكل الوصول إلى شجرة حياة. ما إن خُلق الإنسان حتى حصل على إدارة شؤون جنةٍ ذكرت فيها بشكل خاص شجرتان: شجرة حياة وشجرة معرفة الخير والشر. وإنْ حُرّم على الإنسان أن يتناول شيئاً من هذه الثانية، فإنه لم يُكتب شيء بشأن الأخرى. إذاً، يكتسَب الدخول إلى الحياة بهذه النبتة في مرحلة أولى. كانت نصوص كثيرة من الشرق القديم قد عالجت مسألة الخلود هذه، وانطوت جميعها على نقاط مشتركة، وليست منقطعة العلاقة مع نصوص التوراة. تستخدم هذه النصوص بشكل خاص كثيراً من الصور المتكررة، منها النباتات أو الأشجار، وفكرة الصعود، حيث أن العالم السماوي والإلهي كان مدرَكاً على أنه الحائز على الخلود الذي يتمنون بلوغه.

في البدايات: صراع وقتل:

مع اكتمال “الخلق”، تروى بداياتُ تاريخ البشرية من زاوية حكاية أُسرية. أنجبَ أولُ زوجين “قايين” ثم “هابيل”. كان “هابيل” راعياً للغنم، بينما كان”قايين” يزرع الأرض. قدم الأخوان نتاجاتهما قرباناً للرب، الذي اختار قربان “هابيل”. وإذْ آلمه ذلك جداً، قتل “قايين” عاملُ الأرض أخاه، فلُعن. يعكس هذا النص حالة من العلاقات بين نمطين من السكان : مربّي المواشي المترحّلين، والمزارعين العاملين في الأرض، الحضريين. كان أسلوبا الحياة هذان متعايشين على أرض الشرق القديم في الأزمان كلها، وأرسيا علاقات تكاملية، بل أيضاً تناقضات عميقة، سياسية كانت أم اقتصادية أم أيديولوجية. ذهبت الأفضلية عند الإله إلى ذاك  غير المرتبط بالأرض، هذا الموقف الذي يمكن أن يعكس مع ذلك إما مواصلةَ اللعنة التي استنزلها الإله على الأرض إبان الخطيئة الأصلية، أو تراتبيةً ضمنية بين طريقتي الحياة هاتين، حيث مُنحت الأفضلية للرعاة.

يعكس النص أيضاً أحد موضوعات التوراة والشرق القديم المتكررة، موضوع الأفضلية المعطاة للأصغر سناً، على نحو غير مفسر. في حالة ذرية “آدم” و “حواء”، ستذهب هذه الأفضلية على غير ما يرضى “قايين”، مرةً أخرى. في الواقع، سينجب الزوجان الأصليان ولداً جديداً، “شيث”، وستمتد ذريةُ هذا الولد الثالث لتصل إلى “نوح”، بحيث أن الجيل كله، الذي سينحدر من تجدد البشرية بعد “الطوفان”، ذاك الذي سيعمر الأرض وتتشكل الأمم منه، سينحدر من “شيث”، المولود الأخير.

الصراع بين الراعي والمزارع العامل بالأرض موضوع بارز تماماً في التقاليد الشرقية القديمة. وتتحدث حكاية سومرية عن “دموزي”، الراعي، و”إنكيمدو” Enkimdu، المزارع.

إن هذا التنازع بين راع ومزارع، مترحل ومتوطّن، الذي تحدثنا فيه التوراة عن قصة قتل أخ لأخيه على نحو قاس وعنيف، يعيد إدانةَ أسلوب حياة التوطّن إلى الجذور. وكما الملوك الرافدينيون الذين أعلنوا انتماءهم إلى سلالة أجداد كانت “تعيش تحت الخيمة”، كان “الإسرائيليون” يجدون أنفسهم في نشاطات وأسلوب حياة أسلافهم، الآباء patriarches، الذين ساروا على الدرب الذي اختاره الرب، درب “هابيل”.

كان “قايين”، المزارعُ المرتبط بالأرض، بانيَ أول مدينة، “حنوك” Hénok (التكوين، 4، 17) وشهدت تتمة ذريته ولادتها في “توبال – قايين” Toubal – Caïn، “أب الحدادين” الذي افتتح عصر المعادن. هكذا، توحي هذه الحكاية الأسرية بولادة تربية المواشي، والزراعة، والحياة المدينية والعلاقات التي ستعقدها هذه المعطيات الاجتماعية مع الأصول. يتوافق اجتماع منعطفات التاريخ البشري الثلاثة هذه مع ذاك الذي يعرفه علم الآثار المنجز في أراضي الشرق القديم : تسم الزراعةُ، وتربية المواشي والحياة المدينية عمليةَ الانتقال إلى العصر الحجري الحديث ثم إلى الفترات التاريخية.

عن كتاب:  De Sumer à Canaan, L`Orient ancien et La Bible
Par: Sophie Cluzan. Ed. Seuil / Musée du Louvre, Paris, octobre 2005.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق