ثقافة الأزمة وفجوة الزمان

 العودة إلى المعنى الإغريقي لمصطلح  الأزمة Krisis تساعدنا على فهم دلالته العميقة، فكلمة Krisis تعني في الأصل القرار أو التشخيص، إنها تلك اللحظة الحاسمة التي نكون فيها خلال قيامنا عمليّة ما، في وضع ريبة، فنشخّص أمرا ما. بهذا المعنى تعني الكريزيس لحظة النقد المصاحبة لكلّ عمليّة فكريّة. من غريب الأمور، كما يلاحظ إدغار موران في نصه عن علم الأزمة Crisiologie، أن الأزمة أصبحت اليوم تعني “اللحظة التي تزامن اضطرابات فتظهر خلالها شكوك. وعندما كانت الأزمة مقصورة على القطاع الاقتصاديّ، كان بوسعنا التعرّف عليها من خلال بعض الصفات الكمّيّة مثل تقلّص الإنتاج وتقلّص الاستهلاك، الخ،. ولكن حين أصبحت الأزمة مسألة تنسحب على الثقافة، والحضارة والإنسانيّة، فَقَدَ المفهوم كلّ حدوده”(1).  والحقيقة أن مفهوم الأزمة قد ارتبط منذ الإغريق أيضا بدلالة طبّية، وهي الحالة التي يكون فيه الشخص المريض في وضع متأزم (état de crise,état critique) وهي حالة يمكن أن تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه. لذلك، وإن كانت الأزمة ملازمة للفكر باعتبارها حالة إبداعيّة، فذلك لا يعني أنها تدلّ على وضع تحوّل إيجابيّ، فالأزمة، مثل المرض، يمكن أن تكون تعبيرا عن انحطاط يولي بنا القهقرى إلى أزمان وأفكار ظننا أنها اندثرت بلا رجعة فإذا بها تعود من جديد(2). غير أنّ هذا المعنى السلبيّ للأزمة لم يصبح شائعا إلا بعدما بيّن ماركس آليّة الايدولوجيا الرأسماليّة التي تدافع عن حريّة الأقوياء وتزدري أولئك الذين يمتلكون قوة الإنتاج. وغنيّ على البيان أن ما يسميه الماركسيون بديكتاتوريّة البروليتاريا لم يكن في الواقع تحقيقا لمدينة فاضلة والإنسان كامل كما حلم به ماركس، بل كانت له نتائج وخيمة لم تكن أقل قسوة من تلك التي أدى إليها النظام الرأسمالي. يدفعنا هذا الوضع إلى التساؤل : ألا تتضمن الأزمة وجها آخر غير هذا الوجه السالب الظاهر في النظام الرأسمالي، وإنما وجه موجب لما تتضمنه من تجديد لمراجع الفهم والتأويل والعمل، وهي الأزمات التي تحدث في الفكر والعلم والفن فتتولد بمفعولها نظريّات جديدة ومعارف جديدة وتكنولوجيات متطورة تجعلنا نقبل على نمط اجتماعيّ جديد هو مجمع المعرفة ومجتمع المعلومات؟

      للإجابة عن هذا السؤال نحتاج إلى العودة إلى المجال الذي نشأ فيه مفهوم الأزمة والذي هو المجال الإبداعي والمعرفي بصورة عامة، وهو مجال يتضمن دلالة ايجابيّة تجديديّة تغيّر مجرى الأحداث وتثوّر مفهوم الزمان والمكان، إنها فعل الكايروس Kairos الإغريقي. فاجتماع السلب والإيجاب في الأزمة هو الذي يجعل هذا المفهوم مفهوما إشكاليا بأتم معنى الكلمة.

والحقيقة أن مفهوم الأزمة قد ارتبط منذ بدء التفكير الفلسفي بالعمليّة النقديّة بحيث يعسر الفصل في مجال الفكر والإبداع بين الأزمة والنقد. فليست الأزمة حدثا طارئا يعرض على المفكر والمبدع في المجال الفني أو العلمي أو التقني، ليست الأزمة استثناء، والاستقرار والاتفاق والتصالح قاعدة. بالنسبة للمفكر والمبدع، الأزمة حالة مستمرة لأنها جزء لا يتجزأ من زمنيّة الفعل الفكري والإبداعي. لذلك فالسؤال : “كيف يجب على الإعلاميّ أن يتعامل مع الأزمة؟” يتطلب منا تحديدا دقيقا لمهمة الإعلامي لكي نعرف هل أن الفعل الإعلامي مجرد اجترار وتكريس للسائد المعروف المتفق عليه، أم أنه فعل نضالي تربوي، يلعب دور التثقيف والتجديد وتطوير طرق التواصل والتفاهم. ولكن في كلا الحالتين لا ينفصل فعل الإعلامي عن الثقافة التي ينتمي إليها. فإذا كان المجتمع الذي يعيش فيه الإعلامي مجتمعا مفتوحا يقبل النقد ويحترم حريّة الأفراد في سياق احترام المؤسسات لأنه استبطن قيم الحداثة، كان فعله مرتبطا بأخلاقيّة معروفة تحمي حريته التعبيريّة، وان كان السياقُ سياق مجتمع مغلق، لا يؤمن بالحريّة الفرديّة ولا بضرورة المؤسسات، كان عمل الإعلاميّ الحق عسيرا مريرا، لكنه على الرغم من الظاهر رائد ثاقب، يلعب دورا أساسيا في تغيير العقليات وتدعيم المؤسسات وقيم الحريّة والديمقراطيّة.  لذلك يمكن أن ينقلب سؤال :”كيف يتعامل الإعلام مع الأزمة؟” إلى سؤال آخر قد يبدو مفاجئا، وهو : “متى كان الإعلام خارج الأزمة لكي يتعامل معها كما لو كانت شيئا غريبا عنه ؟”

عموما، تعتبر الإضافة التي يحدثها المبدعون الفنانون والتقنيون والعلماء والإعلاميون من خلال أعمالهم وآثارهم، شرخا في الزمن وقطيعة واهتزازا وتحوّلا يتغير بفعله زمن الثقافة وزمن المعرفة وزمن القول وزمن الفعل والفهم والممارسة. فبعد إحداث علم الجبر، وبعد استعمال الصفر لم يعد بوسعنا استعمال الرياضيات كما كانت تستعمل، وبعد اختراع الساعة لم يعد مفهوم الزمان على الصورة التي كان عليها، وبعد الثورة الكوبرنيكيّة، لم يعد من الممكن فهم علم الفلك كما كان يفهم بحسب النموذج الأرسطي، وبعد لافوازيه تغيّرت نظرتنا للظاهرة الكيميائيّة. وبعد اختراع الراديو والسينما والتلفزة ثم المينيتال والحاسوب تغيّر الإعلام تغيّرا جذريا. فالمبدع لا يغيّر الحاضر فحسب، إنه يغيّر الماضي ويجعل علاقتنا بالماضي علاقة انتقائيّة. والغريب أن كل المبدعين من شعراء وعلماء ورسامين ومهندسين لم يقرروا إحداث أزمة، شعروا فقط أنه ثمة لحظة مواتيّة Kairos للإفصاح عما يخالجهم، فما أحدثوه، كثيرا ما كان بمجرد فعل للصدفة مع أنه لم يكن، بعدما نتأمل فيما قاموا به، فعل صدفة.

ما هو ناتج عن إبداع يحدث صدفة إذ أن كل ما يوجد في زمان كوبرنيك وغاليلي لا ينبئ بأن الوقت قد حان للتخلّي عن نظرية أرسطو. واليوم، حينما تعود بنا الذاكرة إلى الماضي القريب نفاجئ بأن لا شيء ينبئ بأنه في مدة لا تتجاوز العشرين سنة، سيصبح لكل واحد فينا حياة مدنيّة اجتماعية، وأخرى عنكبوتيّة إعلاميّة(3). كل الإبداعات استرداديّة إذا، تنظر إلى الماضي انطلاقا من الحاضر.

وعلى الرغم من ذلك، فما هو إبداع يُحدث أزمة  ويغيّر مجرى الأحداث والفهم والتأويل والعمل. يمكن للإبداع أن يجد ظروفا سانحة تجعله ممكنا وقابلا للتوقع، فعندما برهن غاليلي على أن الأرض ليست محور الكون وأن الأجرام السماويّة تخضع للكون والفساد، وأنّ العالم واحد، والمعرفة واحدة، لا تختلف قيمتها باختلاف مرتبة الموضوع المدروس كما كان يعتقد الأرسطيون، ففد أحدث بذلك أزمة على مستوى المعرفة وعلى مستوى القيم السائدة والخطاب المتداول اضطر الكنيسة إلى  محاكمته. تلك الكنيسة نفسها التي أعجبت في البداية بعمله، ووفرت له إمكانيّة العمل والبحث فأتاها كما يقول “في أقدم الموضوعات بعلم جديد بإطلاق” (اليوم الثالث, فرنسي 125 انقليزي 153)، ما كان كل ذلك ليحصل لو لم تتوفر الظروف السانحة لتطوير موقف علمي يحدث أزمة عميقة تثوّر نظرتنا للعالم. وكذلك الحال بالنسبة لكثير من الباحثين. معنى ذلك، أن الكنيسة لم تكن مدرسة الاعتقاد والتعبّد فقط، بل كانت أيضا مدرسة العلم والانفتاح. وهذا ينفي القول القائل إن الدين يعارض في جوهره العلم. فالكنيسة، كغيرها من المؤسسات الاجتماعيّة ترى صعوبة في تقبل ما هو جديد ومباغت، ولا يندرج ضمن قوالبها الجاهزة. ما حدث لغاليلي لا يختلف جوهريا عما حدث لسقراط أو للرسول محمد. فما يمكن تسميته بثقافة الإعلامي لا يتمثل في معارف وعلوم شتى بل في عقليّة خاصة واستعداد أساسي، لقبول الجديد وفك رموز الإبداع المغمور وترويج خطاب مستحدث يجسم ثقافة الانفتاح والاختلاف والحريّة والديموقراطيّة، فمن صفات المبدع المجدد حقا أنه لا يُفهم من عصره، أو قل إنّ ذويه يجدون صعوبة في قبول ما يأتي به. مهمة الإعلامي في هذه الحالة إنما تكمن في توفير ظروف أيسر لكي لا يتحوّل المبدع إلى ضحيّة تختار الانتحار أو الهجرة أو الصمت.

ما أريد قوله هو أن الحسّ المرهف المميّز للإعلامي هو وعي حاد برهانات مجتمع المعلومات المرتبط بعصر الحداثة التي نعيش. طبعا، يمكن أن نعيش هذه الحداثة ومجتمع المعلومات ونحن لا ندرك حقيقتها ولا رهاناتها ولا كيفيّة التعامل معها تعامل الفاعلين المشاركين في الحوار العالمي، كما يمكن أن نعيش هذه الحداثة ومجتمع المعلومات ونحن ندرك ونعي تمام الوعي ما هي مفترضاته وأسسه النظريّة التي وفرت له شروط الإمكان والتواجد.

حداثة الأزمة:

لم تكن إيديولوجيا الحداثة دائما تجسيما لقيم الديمقراطيّة والحريّة والعقلانيّة والفرديّة فقط، بل طوّرت أيضا قيما استعماريّة وعقليّة حربيّة غازية. أدى ذلك بمجتمعاتنا إلى محاولة الدفاع عن نفسها والمحافظة على هويتها من الانسلاخ عبر تدعيم المعتقد الديني ردا على حملات التغريب التجنيس. زد على ذلك، كان تطور العقلانيّة في المجتمع الرأسمالي سبيلا لترسيخ النجاعة التقنيّة في سياق استغلال فاحش للثروات الطبيعيّة والإنسانيّة. ولما كان العلم مرتبطا اليوم ارتباطا عضويا بالتكنولوجيا فقد أصبح التقدم التكنولوجي رهانا معرفيا وإيتيقيا وسياسيا. لكن التكنولوجيا لم تغير معرفتها فحسب بل غيرت أيضا سلطتنا مما كان من شأنه أن ينتج عقلا “أداتيا” مهوسا بالوسائل ومستهترا بالغايات. غيّر كل ذلك علاقة الإنسان بالطبيعة التي غدت بدورها تحت سيطرة هذا العقل الآداتي الذي يُشيِّئُ كلّ ما هو حيّ ويربط العلم بالمصلحة. تمثلت العقليّة النفعيّة إذن في انتصار العقل الآداتي المخطط والمنفذ لإرادة السيطرة على الطبيعة، أداته في ذلك الفهم الميكانيكي للطبيعة الغافل عن معايير التطور المستدام والمسكون بهاجس الإنتاج والإنتاجيّة ضاربا عرض الحائط ما يترتب عن ذلك من خطورة على مستقبل الأرض(4) والتنمية المستدامة. وهكذا، أصبح بمقدور الإنسان اليوم أن يفسد الأرض بطريقة نهائية لا يتيسر إصلاحها ومراجعة ما حصل فيها من هلاك، وهذه أزمة أخرى لا يجوز عدم الاكتراث بها وهي أزمة ايكولوجيّة علينا النظر في أسبابها الحقيقيّة وانعكاساتها المقبلة على الأجيال القادمة والإنسانيّة جمعاء(5).

أدى هذا الوضع بالفلاسفة المعاصرين إلى القول بضرورة نقد الحداثة والتحوّل إلى ما بعد الحداثة لتجاوز المفارقات التي أفضى إليها الفكر الحداثي. فقد لاحظ فلاسفة مدرسة فراكفورد أنه كان بإمكان التقدم العلمي والتقني أن يقضي في القرن العشرين على آفات عدّة مثل المجاعة والحروب والاستبداد، لكن هذا القرن كان على نقيض ذلك، قرن المجاعة والحروب والاستبداد مما يعني أن مبادئ مثل الحقيقة والحريّة والعدالة فقدت معناها. لذلك يعارض هابرماس Habermas بين العقل الآداتي والعقل التواصلي(6) ويعمد هوركيمار(7) إلى الحديث عن نقد النقد، وهما في هذا الشأن يمنحان العقلانيّة بعدا ايتيقيا وسياسيا لم تعره النظريات القائلة بالحتميّة التاريخيّة الأهميّة التي تستحق.

زد على ذلك، إذا ما كانت الحداثة إضافة إلى كونها مجموعة من القيم والمبادئ نمطا في العيش وطريقة في التفكير والتعامل، فذلك يعني أنها تتغلغل في صلب اليوميّ بجميع ما تحمله من مظاهر ايجابيّة وسلبيّة كمظاهر الموضة والإشهار والمنوّعات والاهتمام بحياة الفنانين والأثرياء وانتشار ثقافة الصورة والعنف وتلفازات نقل الواقع المباشر. كل هذه المظاهر الحداثيّة عوّضت الثقافة بحيث يعيش الإنسان اليوم حياته في انفعال مستمر دون نقد ولا تأويل ولا مراجعة. يبدو أن المجتمعات العربيّة، في غالبها، لم تعرف من الحداثة إلا وجهين سالبين: الأوّل، تمثّل في رفض قيم العقلانيّة الحداثيّة التي أسّست للأنوار والثورة الفرنسيّة والصناعيّة بتعلّة أن تلك العقلانيّة كانت في الآن نفسه المسطرة لظاهرة الاستعمار والاستغلال. والثاني، تمثل في عوارض الحداثة السلبيّة التي لا تُظهر من الحداثة إلا جانبها الاستهلاكي وطغيان ثقافة الصورة  المجسمة في القنوات الاشهاريّة والاستعراضيّة والدعائيّة والتبشيريّة.

الثورة المعلوماتيّة والثورة المعرفيّة: فجوة الزمان:

يتميز زماننا بتطور غير مسبوق لوسائل الاتصال ولتدفق سريع وكبير للمعلومات ولمصادرها من راديو وتلفاز وسينما ومينيتال وأنترنات وجرائد ومجلات ورقيّة ورقميّة بحيث أصبح من الطبيعي أن نتحدث أكثر فأكثر عن مجتمع المعلومات. والحقيقة أن ما نسميه مجتمع المعلومات هو مجتمع تمكّن من إنتاج الثورة الرقميّة أو، على الأقل، المشاركة فيها، وهي ثورة صناعيّة ثالثة ارتبطت بظهور شبكة الأنترنات. وفي الواقع، لا يمكن ان نفصل بين الثورة الرقميّة والثورة العلميّة الحديثة إذ ارتبط العلم الحديث ارتباطا عضويّا بالتكنولوجيا، خاصة في القرن العشرين، حينما تمّ تطوير الظواهر الميكروفيزيائيّة وما صاحبها من نظريات ثوريّة مثل نظريّة النسبيّة المحدودة ونظريّة الكوانتا، وكلاهما قضى في العلم على فكرة الحتميّة مما كان من شأنه أن يشرّع لفارق نوعيّ بين الحقيقة الميتافيزيقيّة المطلقة التي بيّن كانط Kant ضرورتها على المستوى الأخلاقي(8)، والحقائق العلميّة التي غدت مرتبطة بالنموذج الإرشادي الذي نختار اتباعه والانخراط في متغيّراته النظريّة. بذلك أصبح “الواقع، كما يقول غاستون باشلار، حالة خاصة من الممكن”(9).

أدت كل هذه التغيّيرات إلى إحداث ثورة معلوماتيّه رقميّة تندرج في سياق ما يُسمى اليوم بمجتمع المعرفة. وهو مجتمع  يتميّز بقدرة مؤسساته الاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة والعلميّة على التجدد والتغيّر وإعادة الهيكلة في سياق شبكة تضع المعرفة في متناول كل مقبل عليها وكل من يرغب في اقتنائها –على الأقل في درجاتها الدنيا-  وهذه القدرة على الانفتاح هي عين ما سماه كارل بوبر بالمجتمعات المتفتحة التي تجعل النقد محركها الأساسي والقدرة على المراجعة وإعادة الهيكلة طابعها المميّز. من أهم ما يميز مجتمع المعرفة أنه مجتمع ينبني على التواصل بما يتميّز به من قدرة فائقة على التعلّم والتجدد والتبادل والإنتاج والإبداع والنقد، فيكون بذلك قابلا لاستيعاب التغيّرات الداخليّة والخارجيّة، معتبرا المعرفة محورا أساسيّا للتطوّر المستدام(10).

بهذا المعنى يمكن أن نقول إن مجتمع المعرفة مجتمع تواصلي.  وقد تمكن أمارتييا سان ومحبوب الحق(11) منذ سنة 1990 من تطوير مؤشر جديد للنماء البشري يأخذ بعين الاعتبار رفاه الفرد والمجموعات بحيث لم يعد يكفي، لكي نقيس التطور الاجتماعي، إلى العودة معدل الدخل الفردي .PIBأصبح من الممكن الحديث عن الرأسمال البشري، وهو يتمثل في القدرات المعرفيّة العامة وفي المهارات المهنيّة التي يحوزها الأفراد وتحوزها المجموعات وتسمح بتحسين الإنتاج والإنتاجيّة، وإن كان مفهوم رأس المال البشري مفهوما قد ظهر وانتعش على مستوى البحث الاقتصاديّ، فإنه يسمح بالربط بين البعد المعرفي الشامل والبعد المهني الضيّق. تكمن أهميّة رأس المال البشريّ في تغيير مفهوم التطوّر الاقتصادي الذي كان يتجسم في الثورة الصناعيّة الأولى والثانية في الثراء الماديtangible المتمثل في الأدوات والآلات، وغدا مع الثورة الصناعيّة الثالثة يتجسم في الثراء اللامادي (أي المعنوي)  intangible أي في التربة والتكوين المهني والإعلام، مما يدل على أن المعرفة قد أصبحت المحرك الأساسي للتطور الاقتصاديّ. أدى كل ذلك إلى تحويل المجتمعات المتطورة من مجتمعات إنتاج إلى مجتمعات خدمات بحيث غدا الاقتصاد مهيكلا بحسب قواعد المعرفة العلميّة الأمر الذي يجعله قابلا للتغيير الجذري تماما مثلما صار العلم قابلا لهذه الانقلابات النظريّة العامة. إن تحول الاقتصاد من اقتصاد إنتاج إلى اقتصاد خدمات لا يعني أن الإنتاج قد صار بلا معنى، بل المقصود من ذلك أن نسبة ارتفاع المؤشر الاقتصادي إنما يتحدد في جانب كبير منها  بنسبة نماء المعرفة التي يمكن بدورها أن تمثل عنصر تثوير للاقتصاد المادي. كما أن الاستثمار قد تحول في المجتمعات الرأسماليّة من استثمار في الصناعة إلى استثمار في الخدمات. تطوّر الأنترنات قد جعل من الممكن مثلا لشركة مستقرة في ألمانيا أن تؤدي خدماتها انطلاقا من مركز خدمات موجود بالمغرب أو بتونس. بذلك أدخل مجتمع المعلومات في ذهنيّة مستعملي وسائل الاتصال إلى جانب واقع العولمة، ثنائيّة رئيسة جديدة وهي زوج السرعة والبطء. فكل النشاطات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة أصبحت اليوم مرتبطة بما يسميه الإعلاميون بالتغطية الإعلاميّة التي يحددها معيار السبق. فالحدث الذي لا يظهر في وسائل الإعلام لا يعتبر حدثا. ولكن، مع تطور الأنترنات،  كثيرا ما أصبح الآن الحدث شيئا يصنعه أولئك الذين لا يتحكمون في وسائل الإعلام وليسوا من الإعلاميين. وذلك يدل على تغيّر اجتماعي كوني عوض التجمعي collectif بالترابطي  connectif . شعب المرتبطين بشبكة الأنترنات هم الناتمواطنون netoyens الذي يمثلون أوّل شعب ترعرع في محيط تكنولوجي مختلف اختلافا جذريا عن المحيط الذي عاش فيه آبائه. يلتحق الناتمواطنون بشبكات عالميّة تتنامى يوما بعد يوم، وهي تخلق كل يوم روابط جديدة وعلاقات جديدة. يغيّر الانتساب إلى الشبكة العنكبوتيّة سلوك الفرد ويغيّر نظرته إلى المجتمع وإلى العالم. إنه تحوّل أساسي في الذهنيّة، يتمثل في انتقال من انهمام بالجواهر والمحتويات إلى انشغال بالعلاقات والروابط. وعلى مستوى الهوية، يصبح لكل شخص هويتان، هويته الاجتماعية وهويته الافتراضية، الأمر الذي يمكن أن يحدث انفصاما في الشخصية أو تحقيقا للذات المقموعة اجتماعيا. تبدو إذن الأنترنات من هذه الزاوية الأخيرة، وسيلة تعبير ديمقراطيّة يمكن لملايين الأشخاص استعمالها والترابط بينهم. ذلك هو ما دفع بعض المفكرين إلى الحديث عن تحوّل العالم إلى “قرية كونيّة”(12).

      يُعنوٍن تيري كروسي Thierry Crouzet  الذي يصف جمهور المرتبطين بشبكة الأنترنات باعتبارهم جمهورا سيكون له في القرن الواحد والعشرين وزن سياسي وإعلامي وثقافي كبير بهذا العنوان المثير :”إنهم لا يصوتون، لا يتظاهرون، لا يدرسون، لا يعملون، لكنهم يغيّرون العالم “(13). يضيف غي سارمون Guy Sorman في هذا الشأن :”  أصبح المُبحر على النات المتمرد واللامحدد ناتمواطن، يفلت الناتمواطن من السلطة، من سلطة الآباء والأعراف، ومن سلطة الأسياد والكنائس ومن سلطة الدولة أيضا، ولو عرف الناتمواطن الثراء، فسيكون من الصعب إلزامه بالضرائب”(14). ويعبر أحمد دحماني على آماله في أن يساهم الأنترنات في تطور الديمقراطيّة المحليّة بسرعة إيصال المعلومة(15) مؤكدا على أن فضيلة الأنترنات الأساسيّة إنما تكمن في منحها السلطة المحليّة والجهويّة نفوذا ما كثيرا ما كان غائبا في الأنظمة الديمقراطيّة الأوروبيّة. ولكن ينبه بيار بورديو إلى أن ديمقراطيّة وسائل الاتصال ليست إلا وهما جميلا لأنها تخفي حقيقة سيطرة “أسياد العالم” من أصحاب رؤوس الأموال، على توجهات الشبكة الالكترونيّة فيقول: “من خلال سيطرتهم الشبه مطلقة على وسائل الاتصال، ينحو أسياد العالم الجدد إلى تجميع كل السلطات الاقتصاديّة والثقافيّة والرمزيّة، وهم بذلك قادرون على فرض عريض لرؤية للعالم مطابقة لمصالحهم”(16).

وعلى الرغم من ذلك، يبدو أن الأنترنات تفسح مجالا للحريّة والتبادل والترابط لم تكن متاحة في السابق. وفي هذا السياق يذكر الفيلسوف الفرنسي ميشال سار Michel Serres سار مثال السيدة أويارMme Huard البلجيكيّة. فهذه المرأة البلجيكيّة تذمرت في بلوقها Blog من حالة انقسام البلجيكيين بين فلامون ووالون، فكانت ردّة فعل البلجيكيين عجيبة إذ وصل عدد المعلقين على بلوقها إلى حدود الخمس مائة ألف تعليق. يذكر ميشال أيضا مثال شاب فرنسي من مونبوليي، وهو ريمي غييار Rémi Gaillard وضع فيديو هزلي زاره أربعة مائة مليون زائر(17). وهكذا، يمكن لكل شخص أن يضع على الأنترنات ما يحلو له وحينئذ نتفطن إلى أن بعض الأعمال البسيطة التي لا يعيرها أصحابها اهتماما كبيرا، يمكن أن تكتسي أهميّة تفوق كل ما كانوا يتصوروه. تتمثل المعضلة التي على الإعلامي إدراكها في الوعي بمثل هذا التغيير وبالتنبيه إليه في الوقت الذي تتحتم فيه المبادرة.

يطرح مشكل انتشار وسائل الاتصال اليوم في المجتمعات العربيّة معضلة تخطي الفجوة المعرفيّة والرقميّة التي تمثل في الحقيقة فجوة زمنيّة بحيث تتعايش شعوب ولا تتعاصر بل يمكن أن تجد في نفس البلد أناسا يعيشون في عصور مختلفة وأزمان مختلفة. فهذا وقته ثمين، يجرى وراء المعلومة ويسعى إلى الارتباط  بالمدينة العلميّة والمعرفيّة في أوروبا وأمريكا عبر الأنترنات والفيديو محاضرة وتبادل المعلومات، وزميله الإعلامي لا يزال بدون عنوان إلكتروني، لا يرى ضرورة في الاستناد إلى هذه التكنولوجيا الغريبة، إلا إذا كان استعمالها مرتبطا برفاهه (السيارة والتحكم عن بعد، الخ.).

ولكن، عموما، تجدر الإشارة في هذا الشأن، إلى أن نسبة الارتباط بشبكة الأنترنات في ارتفاع متزايد في العالم بصفة عامة، وفي العالم العربي بصفة خاصة. لكن هذا الارتفاع لم تصحبه إستراتيجيّة واضحة لرفع الأميّة التي تمثل تحديا أساسيا من تحديات القرن الواحد والعشرين(18). وحسب تقرير الألكسو، تصل نسبة الأميّين في الوطن العربي إلى حدود 29.7%، وهو ما يعادل المائة مليون أمي، علما أن نسبة الأميّة بين النساء تبلغ حدود 46.5%. يضيف تقرير الألكسو أن  75 مليوناً من إجمالي الأميين العرب تتراوح أعمارهم بين 15 و45 عاماً مما يعني أن مشكلة الفجوة الرقميّة والمعرفيّة تمثل خطرا مباشرا على مستقبل البلاد العربيّة لا يجوز تناسيه بأي حال من الأحوال. فإذا كان وجود المشاكل الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة مرتبطة برفع الأميّة، فإنه يتحتم التنبيه إلى أن هذه الأميّة في المجتمع العربي مزدوجة:  تتمثل أوّلا في جهل الكتابة والقراءة، لكنها تعني ثانيا انغلاقا مذهبيّا ومليّا ينبني على انصهار فهمنا المتداول للواقع ضمن “نموذج إرشادي” سائد يجعلنا نطرح المشاكل الفكريّة انطلاقا من شبكة نظريّة أوليّة، أو مبدأ أوّل يقول بوجود تعارض كليّ بين قطبين أو حدين هما الأصيل والدخيل. يطابق الأصيل كل ما يتعلق بالهويّة الحضاريّة والثقافيّة، ويشير الدخيل إلى الأنماط السلوكيّة أو الوسائل التقنيّة والثقافيّة التي أنشأتها الحضارة الغربيّة والتي كثيرا ما كان تبنّيها في العالم العربيّ والإسلاميّ مصدر جدال طويل ومعارضات إيديولوجيّة خطيرة. قد ترتب عن الانحباس داخل هذا الأفق الإشكاليّ انقسام المفكرين العرب إلى معسكرين متعارضين: معسكر الأصوليين المحافظين ومعسكر العلمانيين المجددين.  تزداد حدة الصراع بين المعسكرين في شكلها الإيديولوجي والمذهبي بمناسبة رواج بعض الوسائل التكنولوجيّة الحديثة مثل المذياع والسينما والتلفزيون والأنترنات وغيرها من وسائل والاتصال. فقد احدث استعمال هذه الاكتشافات التكنولوجيّة الشعبي رجة اجتماعيّة وسياسيّة لم تكن نتائجها دائما إيجابيّة.  لذلك كان اختيار النهج النقدي الوسطيّ التحديثي المتفتح هو النهج الأمثل للخروج بالإعلام من الأزمة المذهبية التي وقع فيها. ومهما كانت اختياراتنا الفكرية فقد أصبحت التقنيات السمعيّة والبصريّة ضروريّة اليوم في منهج المعرفة والتربية مما يزيد من أهميّة دور الثقافة الرقميّة في رفع تحديات التنميّة. وإذا ما كانت هذه الثقافة فرصة ذهبيّة للمجتمعات المتخلفة لسد الفجوة المعرفيّة والرقميّة والاقتصاديّة بينها وبين المجتمعات المتقدمة، فإن نسبة ارتفاع نسبة الأميّة يزيد في هذه الفجوة ويجعل التقارب بين المجتمعات الفقيرة والمجتمعات الغنية أمرا يزيد استحالة يوما بعد يوم، خاصة إذا ما اختارت هذه المجتمعات تبني مجتمع المعلومات بكل ما فيه من تقنيات والتخلي عن مجتمع المعرفة بكل ما فيه من حريات وقيم حداثيّة.

الهوامش:

1-    Edgar Morin : Pour une crisologie. In: Communications, 25, 1976. pp. 149-163.
2-   إن ما نراه في بعض القنوات العربية التي تتكاثر كل يوم من عودة للشعوذة وتطوير العقليات المتخلفة التي ينشرها دعاة التصحر وانصار الجهل والجهالة يدل على فوضى يعيشها المجتمع العربي ولا يبدو أنه يمكن أن يخرج منها بسهولة.
3-   لم يعد مقبولا اليوم أن يبقى المتعلم بدون عنوان الكتروني،ويبدو أن المشاركين في “الحياة الثانية” Second Live يناهزون المائة والثلاثين مليون شخص، نسبة ضئيلة منهم من العرب.
4-  Hans Jonas : Le principe responsabilité: une éthique pour la civilisation technologique, Flammarion, 2008.
5-  Philippe Roch, Dominique Bourg : Crise écologique, crise des valeurs ?: Défis pour l’anthropologie et la spiritualité, ÉditeurLabor et Fides, 2010.
6-  Habermas, Théorie de l’agir communicationnel, L’Espace du politique, Paris, Fayart, 1987.
7-  Adorno, Horkheimer , La Dialectique De La Raison: Fragments Philosophiques, Gallimard, 1989.
8-  Emanuel Kant : Critique de la raison pratique, Paris, F. Lcan, 1921.
9-  Gaston Bachelard : Le Nouvel esprit scientifique, Prais,  PUF, 1972. p. 14.
10-   لا تكمن ميزة مجتمع المعرفة في كونه يرنو الى النماء والتطور فحسب بل في كونه يمنح التطور بعدا جديدا يختلف عما عرفته الأمم خلال الثورة الصناعية الأولى والثانية. والقسط المشترك لهاتين الثورتين استنادهما لعقلانية اداتية وبراغماتية نفعية لا تعير اهتماما يذكر للاستتباعات السلبية التي يفرضها كل استغلال للطبيعة او البيئة باعتبارها مخزونا يضمن بقاء الأفراد والمجتمعات  ويتحتم عليهم المحافظة عليه ضمانا لحياة الأجيال القادمة لذلك فالتنمية المستدامة لم تعد مجرد شعار بل هي سياسة عامة تعمل كثير من بلدان العالم منذ مؤتمر كيوتو على اختيارها كاستراتيجية عامة.
11-   Amartya Sen :  Un nouveau modèle économique: développement, justice, liberté, Odile Jacob, 2000.
12-  Renaud Camus, Du sens, p. 341-342, P.O.L. Texte repris de La Campagne de France, journal 1994, p. 60, Fayard. « « Je pense que la société métissée va vaincre, qu’elle a pour une grande part déjà vaincu. Je pense que la France sera bientôt un quartier comme un autre du village universel, avec, pour mettre les choses au mieux, un dosage ethnique et culturel peut-être original. De même qu’ont été progressivement et plus ou moins heureusement intégrés les Juifs, beaucoup moins étrangers toutefois à notre culture ancienne, de même seront intégrés les musulmans, les Arabes et les noirs. Mais ils ne seront pas intégrés aux Français de souche, et les Français de souche ne seront pas intégrés à eux : tous seront intégrés ensemble à une société et peut-être une civilisation qui est en train de naître sous nos yeux, et que nous voyons déjà à l’oeuvre dans les banlieues, les lycées, les discothèques et les films publicitaires. »
13-  Thyerry Crouzet : Le peuple des connecteurs: ils ne votent pas, ils n’étudient pas, ils ne travaillent pas, mais ils changent le monde, Bourin éditeur, 2006.
14-    Guy Sorman: Made in USA: regards sur la civilisation américaine, Éditeur Fayard, 2004. 194-195 « L’internaute rebelle et insituable est devenu un Neroyen; le Netoyen échappe à toute autorité, celle des parents, des patrons, des maîtres et des Églises. Et à celle de l’État, bien entendu. Si le Netoyen s’enrichit sur le Web, il devient difficilement taxable… »FERRIER, Fabrice, Internet un public alternatif.. (Contribution à une sociologie du r netoyen, citoyen du réseau. Mém DEA Etudes politiques: Paris, IEP. 1997, dir.: N. Mayer (B. FNSP).
15-  Ahmed Dahmani : La démocratie à l’épreuve de la société numérique, Karthala édition, 2007 Robert Boure, Gérard Loiseau : Démocratie locale et Internet,  Noméro 60 de Sciences de la société, Collectif Éditeur Presses Univ. du Mirail, 2003.
16-  Pierre Bourdieu : « La culture est en danger », in Contre-feux 2, Pour un mouvement social européen, Raisons d’agir, 2001, pp. 88-89.
17-  Interview de Michel Serres par Coline de Mallet, journal le Figaro ,  28 septembre 2009. www.lefigaro.fr/…/01031-20090928ARTFIG00001-la-crise-une-petite-ride-sur-la-surface-de-l-histoire-.php
18-   ليس غياب البعد الاستراتيجي مسألة متعلقة بمسألة بعينها، الأمية، الإعلام،التربية، الخ، بل هو غياب عام هيكلي يعبر عن رفض قيم التعاقد والتوافق والتشاور المميزة للحداثة.

– الطاهر بن قيزة: أستاذ الفلسفة بكلّية العلوم الإنسانية والاجتماعيّة (جامعة تونس )

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق