عارضات أزياء من… خشب!

عالم عروض الأزياء عالم ساحر، مبهر، خاطف للأبصار… فيه تجتمع كل بهارات الإبهار: المال الوفير، الذوق الرفيع و النساء الجميلات.
عالم صنعه رجال موهوبون عبر استغلال أجساد النساء العارضات واستغفال عقول المهووسات بالموضة والاقتناءات.
هذا العالم البديع شكلا يمشي على أجساد العارضات وكرامتهن وأحاسيسهن، وهذه أخباره تطلعنا باستمرار عن سقوط كثير من العارضات في إدمان الكحول والمخدّرات للهروب من واقع الإستغلال الفاحش في عالم يدّعي التحرّر والانعتاق من أغلال عصور التحجر والإنغلاق. وكثيرة هي الأخبار التي نطالعها عن حالات انتحار عارضات صغيرات فوجئن بوحشية هذا العالم بعد أن أمطرنّ بوعود تناطح السماء، وحين لم يجدن فيه الرحمة ذهبن للبحث عن الرحمة في السماء!

إنّ ما تعانيه عارضة الأزياء من التزامات لا إنسانية في عقود شغل لا تحترم أدنى مقومات الكرامة البشرية لا يمكن إلا أن ينتهي بها إلى الانتحار النفسي أو الجسدي، فليس أسوأ على نفسية الإنسان – و المرأة أبرز نموذج بعد انقراض العبيد والغلمان  – من أن يُملِّك الشخص غيره جسده بمقتضى عقد أيا كان نوعه سواء كان عقد احتكار أو عقد استغلال  أو حتى عقد زواج لا حُبّ فيه.

ومنذ سنوات، قدّمت عارضة ألمانية شهيرة اسمها كارين مولدر اعترافات مدوّية عن فظائع ترتكب في حق فئة العارضات، هذه الفئة المحسودة على المال والجمال والحرية الإجتماعية!

ومن اعترافاتها أن حياتها في هذا المجال صارت عبارة عن فيلم رعب بعد أن كانت أحلامها وردية وناعمة، فقد تعرضت للاغتصاب من شخصيات سياسية مرموقة ومنها أمير أوروبي شهير، وكان ذلك يتم بتواطؤ مع المشرفين على وكالة الأزياء التي تعمل معها، وهي الوكالة الأشهر عالميا في هذا المجال. وقد قالت أنّ هذا مصير أغلب العارضات اللاتي يتعرضن لممارسات أكثر فظاعة بحكم أنّهن أقلّ شهرة منها..
هذه العارضة تمت صنصرة تصريحاتها الى وسائل الإعلام الفرنسية، واقتيادها الى مصحة نفسية للتثبّت في سلامة مداركها العقلية، وهي، إلى اليوم، تحارب لإثبات أنها ليست مجنونة. ربما كانت مجنونة فعلا حين ذكرت أسماء أولئك السياسيين، فالتشهير بالسياسيين ضرب من الجنون، لكنّها كانت غبية غباء يجاور الجنون.

على أنّه تجدر الملاحظة أنّه لم تصمد في وجه هذا العالم المتوحّش إلاّ العارضات الموهوبات واللاتي يتمتعن بشخصية قوية، لأنّ الجمال لم يكن يوما أساس النجاح لا للرجل ولا للمرأة، فلا ينجح في الحياة إلا صاحب الشخصية والطموحات القويّة.
ومؤخّرا استمعت إلى عارضة أزياء عالمية أبهرتني هي التونسية عفاف جنيفان  العارضة في امبراطورية روما للموضة الحديثة. هذه المرأة الرائعة قلبا وقالبا تكلمت كلاما يقطر صدقا، وبعفوية قلّ نظيرها لدى الجميلات (!)، كانت متمسكة باللّهجة التونسيّة الجميلة تمسكها بجمالها الطبيعي الأصيل الذي لا تدخّل للجراحة فيه.
عفاف جنيفان التي تقود اليوم في ايطاليا حملات لدعم المهاجرين العرب والتي لا تُخفي طموحاتها السياسية في المنافسة على كرسي رئاسة الوزراء الإيطالي في الإنتخابات القادمة  نصحت المقبلات على عالم عرض الأزياء بعدم السقوط في دوامة التنازلات التي لا قاع لها، فكلّ من تتنازل قليلا تنتهي حتما إلى تنازل أكبر حتى تصير في الأخير حطام إمرأة. لذلك، هي تدعوهنّ إلى الاعتناء بصحتهن وتجنّب التدخين والكحول والمخدرات والعلاقات المشبوهة مؤكّدة على أنّ هذه هي مبادئها في الحياة التي لم تتنازل عنها يوما حتى أنّ كبار المصمّمين يقرؤون لها ألف حساب. فهي تحترم نفسها وجسدها، ولا تقبل أبدا المساومة على مبادئها، ففرضت عليهم احترامها، وإن كانت في في عالم لا يغلب عليه عادة إلا سلطان المال.

في الحقيقة نحن بحاجة إلى شهادة إيجابية كهذه من داخل عالم عروض الأزياء بالذات لتكون  دليلا لإنارة العارضات الجديدات في طريقهنّ المظلم نحو الأضواء والثراء،  فمعاناة العارضات -ومثلهن “الفنانات” وكل العاملات تحت الأضواء- التي يتصورها البعض معاناة ترف هي معاناة حقيقية لا تقل، أبدا، عن معاناة النساء الكادحات في المصانع والحقول، فالمرأة في الحالتين واحدة تتعرّض لإنتهاكات جسدية  وجنسية ونفسيّة، وإن تغير غلاف الاستغلال، وربّما كان غلاف الاستغلال اللامع والبراق أكثر قسوة على النساء.. فصنّاع الموضة يستعملون النساء كأداة من أدوات العمل كالقماش أو المقصّ أو غيرهما. والمعلوم أنّ صناعة الموضة الراقية من أقوى الصناعات و أكثرها درا للأموال، لذلك لا تعرف معاملة العاملات في هذا المجال شفقة أو رحمة حتى في أبسط الأمور الإنسانية كالحمل والإنجاب، فيفرضون على العارضة إلغاء أي برنامج للحمل والإنجاب خلال مدّة العقد، كما أنهم يخضعونها لأنظمة غذائية تجويعية أشدّ من الشدّة  حتى تختفي من جسدها تلك التضاريس الأنثوية المميزة، فتصير كالعارضة الخشبية تسخر فقط لحمل القماش وإبرازه.
فهل هناك ما هو أشدّ قسوة من هذا الانتهاك الفظيع لجسد ونفسية المرأة التي تحرم بمقتضى علاقة شغل من أكل ما تحبّ والحفاظ على  أنوثتها كما تحبّ والحمل والإنجاب ممّن تحب؟

إنه الاستعباد الجديد للنساء يقابله ذلك الاستعباد القديم المتجدّد الذي يريد أن يغلف النساء في أكياس سوداء منعا للفتنة. وبين هذا وذاك وحتى لا تبقى المرأة كما رسموها مجرد أداة لإثرائهم أو للتنفيس عن غرائزهم وأحقادهم فما عليها إلا أن تستعيد عقلها الذي طالما استغفلوه بنظرياتهم وتنظيراتهم حتى صارت هيكلا جسديا لا إحساس فيه شِق يُغطّيه وشِق يُعرّيه‼.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This