عاري ولابس

كوّزت البنية شفتيها ووضعت يدا تحت سرّتها. التفتت إلى فتى في عمرها واقف على جنب. احمرّ جلده وسارع بتغطية عانته. أضافت يدها الثانية فوق الأخرى. رفع الفتى كتفيه وضغط جسمه بذراعيه. مطّت البنت شفتيها وسألت متأفّفة :

    * ما ذا بك…؟
* لماذا تركونا عراة ؟ هل باعوا الثياب كلّها؟

رفعت حاجبيها متعجّبة :

* صحيح… أهذا هو السبب؟
* أنا مثلك لا أعرف.
* في رأيك بسبب التخفيضات؟
* ربّما…انظري إلى المشاجب الخالية وستفهمين.

رفعت الفتاة ذراعها بطريقة الروبوت حتى لامست كتف الفتى وسألته:

* ما قولك لو نذهب للتأكد… وقد نجد بعض ما يغطّي عرينا.
* وهل لا بدّ أن نجد ما نلبسه… ألست مرتاحة هكذا؟
* مرتاحة هكذا ؟… لا أظنّ. أحسّ أنني لا شيء وأنا بلا كساء ولا قناع.
* وأنا أحسّ أنني بلا… كيف أقولها ؟
* بلا هيئة، بلا شكل..بلا أل تعريف؟
* انتظر… وجدت الكلمة : بلا ضوابط… لا أعرف كيف أتصرّف.
* هل كل هذا في الثياب ؟
* لا… البعض فيها والبعض فينا.
* من أحاديث الزبائن وهم يفحصون الثياب ويقلّبونها  عرفت أنهم يربطون بينها وبين أشياء أخرى حتى امتلأ رأسي بعلامات الاستفهام.
* يربطون بينها وبين ماذا مثلا ؟
* يربطونها بالدين أو الأخلاق أو الاحتشام أو الفنّ أو التمظهر أو اللياقة أوالشياكة والموضة…فتسمع مثلا : هذا مناسب لحفلة الزفاف. لا، هذا مكشوف الظهر. لا…هذا حرام الخروج به في الشارع. انظري هذا محتشم. وهذا روعة فنية. أما الذي اختارته أختك فهو قصير. لماذا لا تختارين دوما إلا ما يصلح لجدّتي.
* يحبّ الناس دوما تحميل الثياب كل ما يخطر في أوهامهم من مقاصد. بالمناسبة هل سمعت مثلي كلام زائراتنا عن فلانة” لبست” وفلانة الأخرى “لم تلبس” رغم أن أختها الأصغر ” لابسة ” ؟…
* سمعت ولكنني لم أفهم معاني الكلمات، فهل كنّ يتحدّثن عن عاريات قرّرن اليوم ستر أجسادهنّ، أم عن مكسيّات يستبدلن الألبسة أو يضفن عليها أخرى ؟ الأمر ملغز.
* هنّ الباحثات عن معنى يحاولن العثور على ما يدلّ عليه.
* ألا يقال عادة أن الثوب لا يصنع الرّاهب ؟
* نعم لكنه يدلّ عليه.
* أنا لا أفهم كثيرا ما يعنونه بهذه الأمور.
* ولا أنا…لكنني بدأت أعي ما في الثياب من أشياء. فأنا وأنت لا نعني شيئا بدون تلك الأشياء.
* إذن تعال نبحث عن أثواب نكون به شيئا.

أطلقا ضحكة بريئة. تماسكا باليدين ونزلا يجريان بين الرفوف وحوامل الثياب رافعين أذرعتهما كفراشتين، عاريان كدودتين..ناسيين ما حرصا على ستره منذ قليل.

كان رجلان واقفين كتمثالين في مكان غير بعيد. التفت أحدهما نحو صاحبه يسأله :

* أليس المحل مغلقا…؟
* بلى… المفروض أنّه كذلك في هذا الوقت..
* لكنني أسمع حركة غير عادية.
* من داخل المحل ؟…هذا مستغرب. الحرفاء انصرفوا، والبائعات لحقن بهم على عجل.
* ولماذا على عجل ؟
* للتسكّع قليلا، للتزيّن قبل وصول الأزواج، ربما لإعداد العشاء.

أكملت امرأة واقفة كالصّنم بجوارهما:

* لأخذ الأطفال من المدرسة،أو ربما لشراء أشياء من السوق. لماذا ركّزتما على أمر واحد؟
* آه…آه أهلا بك.

قالها الرجلان  معا ملتفتين بطريقة الروبوت نحو رفيقتهما.أسرعا في نفس الوقت بتغطية محاشمهما. انتبهت إلى عريّها هي أيضا فغطت بيديها نفس الموضع.

صمت الجميع بعض الوقت. سمع في الأثناء قهقهة الطفلين من جهة مقاصير القيس.

سألت المرأة :

* ماذا يفعل الطفلان هناك ؟

أجابها أحد الرجلين :

* لا أحد يعرف…أخشى أن يفسدا نظام المحلّ فتحدث مشكلة.

وقال الثاني :

* يستمتعان…لماذا لا نستمتع بوقتنا مثلهما ؟
* أصبت…هيّا نتجوّل مثلهما أو نسترخي قليلا بعد الوقوف الطويل.

قالت المرأة :

* هما يجريان ويعبثان على ما يبدو… أنفعل ما يفعلان ؟

قال الرجلان :

* لا…ربما نجلس.
* نسترخي قليلا…
* ونثرثر كثيرا…لم لا ؟
* أنا متوتّر من كثرة الوقوف…أحسّ بتجمّد أعضائي.
* وأنا حائر بهذا العري الفاضح…
* هل تعرف لما ذا خلعوا كل ملابسنا ؟

قالت المرأة :

* لعل التعرّي صار موضة…
* أو ربما انتبه الناس أن لا فائدة في الثياب.

ضحك الرجل الأول وعقّب :

* لديّ ما يؤيّد كلامك. ولعلّ الأمر بدأ منذ زمن طويل بالتدرّج ونحن لم ننتبه. ألم تلاحظي أنه بقدر ما كثرت محلاّت اللباس وتوفّرت الأقمشة قلّصت النّساء من حجم الثياب ؟

سأل الرجل الثاني متضاحكا :

* أنقصت من تحت وزادت من فوق…أم العكس؟

احتدّت المرأة من مزح صاحبيها :

* لا علاقة بين الأمرين، المرأة تطيل ثيابها وتنقص منها في كل العصور والأزمنة.لا تعبأ كثيرا بالطول والقصر، الأناقة عندها هي كل شيء، وفي سبيلها تأتي بما يخطر على البال وما لا يخطر.
* ولماذا هذه الإجابة القاطعة الباتّة ؟
* لأن كلامكما غير بريء.
* مهما كان ثوب المرأة فهو إفصاح عن ذاتها ورغباتها وأسرارها.
* بالعكس…لا يفصح ثوب المرأة عن أسرارها، بل يزيدها خفاء.
* تتحدّثان عن ثياب المرأة… وكأنّ الألبسة والأزياء لم تتوحّد اليوم عند الرجل و المرأة: كاسكيت من فوق جينس من تحت.

تدخّل زميلها الثاني في الحوار :

* الجينس سلوك وليس ثوبا.
* سلوك أو غيره… لكن من الغباء أن يحرص جميع الناس على ارتداء نفس الثياب… جمال الدنيا في التنوّع.  في اختلاف هذا عن ذاك.
* عالم اليوم غبيّ همّه تحويل الناس إلى أرقام، يلبس فيه الجميع  كالجميع.
* نعم…يهمّه أمر هؤلاء… يعجبه تشابه الكلّ بالكلّ… بهم يحقّق أهدافه.
* ومن بينها إشاعة عالم القطيع. الجميع في شكل واحد، مثل البرلمانات الملكيّة.

سأل الرجلان :

* إذا سلّمنا أن الموضة ستكون الميني ثم السوبر ميني… التقليص والتنقيص والتقصيص، إلى بلوغ العري الكامل، فماذا ستبيع محلاتنا مستقبلا ؟
* وماذا سيخيط الخياطون  وتطرز القرويات عاملات المصانع مبخوسات الأجر ؟
* وأين يذهب صنّاع الموضة ؟
* وهل تقفل معامل الغزل و النسيج وتنوقف آلات صنع الأزرار والحاشية والفرانجة والتنتنة والريكامو والعدس والكنتيل وبكرات الخيط ؟
* وماذا تفعل المصانع الأوروبية النازحة حديثا إلى بلادنا…وبم تملأ شاحناتها المصطفّة في الموانىء؟
* وماذا تفعل البائعات المصفرّات الوجوه  كعاملاتنا… والتجّار المحمرّون المنتفخون مثل صاحبنا ؟

تدخّلت رفيقتهما سائلة :

*…ونحن، ما رأيكما فيما سيفعل بنا ؟

صمت الجميع، واسترخوا على الكراسي المريحة. نسوا عوراتهم، تركوها مكشوفة. بعد فترة وجوم تكلّم أحد الرجلين فجأة فأعادوا الأيدي حيث كانت.

سألت المرأة الجالس بجوارها وقد طأطأ رأسه مفكّرا :

* هل وجدت جوابا ؟
* أنا أفكّر فقط. لست مطالبا بجواب.
* فكّر بطريقة مسموعة حتى نستفيد.
* ربما الناس حائرون. أو هم  متردّدون.
* حائرون في ماذا ؟
* متأرجحون في رأيي بين أمرين : هل يغطّون الجسد كلّه كما يفعل الغطّاسون، أم يعرّونه تماما كما كان أبوانا آدم وحوّاء.

سأل زميله :

* ولم لا يختارون التغطية الجزئية : يصنعون لباسا للجزء الأسفل ويعفون الجزء الأعلى؟
* أو بالعكس يا ذكيّ : يكشفون الأسفل  ويسترون الأعلى.

أبدت المرأة رأيها :

* أو يختارون تغطية الرأس والنصف الأسفل وترك ما بينهما مكشوفا ؟ أنا رأيت في إحدى الفترينات سابحة تلبس قطعة واحدة من تحت وقبّعة قشّ من فوق، وكان المشهد ظريفا جدّا.

استصوب أحد الرجلين الفكرة فعقّب قائلا :

* هذه الطريقة أفضل… ففيها حفاظ على الرأس والفرج أهم عضوين في حياة الناس : وهما المسيطران على كل المشاعر والقرارات.

واصلت المرأة توضيح فكرتها :

* على هذا بنيت رأيي. ألا تجدان علاقة وطيدة بين العضوين ؟..ألا يستقطبان جملة نشاط الكائن الحيّ بشقّيه الحيواني و الإنساني ؟

قال زميلها الأول :

* بلى… فالرأس يفكّر ويحلم ويخطّط ويتوهّم ويشتهي و يتلذّذ ويأمر، والفرج يخضع ويطيع وينفّذ ويستجيب ويتفاعل راضيا خانعا حتى ولو كان في ذلك هلاكه وضياعه.

قال الثاني :

* الرّهبة من السيدا أو عدم الاكتراث بها يبدأ في الرأس. الرغبة و الاشتهاء والتمنّي والاستمناء تتبلور كلها فيه.
* صحيح…الارتماء على الإناث سواء للإغواء أو الإغراء أو الاغتصاب أو طلب الزواج يخطّط ويقنّن ويتقرّر في الرأس، ثم تنفّذه الأعضاء السفلية.
* فمن الأولى بالتغطية والربط والكبس والتزميل ؟..إنه الراس.
* نعم… لذا يكثرفي الشرق لبس العمائم و الزمائل والكشاطي والأشمغة والأعقلة والأحرمة والكبابيس والطرابيش والعراقي والشواشي.
* وعند النساء العصائب والتقارط و البخانق والمحارم والحرارم والعجائر والغنابز والأخمرة والأحجبة والألحفة. قاموس كامل.
* ربطوا الفاعل ابن الفاعل.. الأمّار بالسّوء، عقلوه.
* و عقلوا معه العقل بنفس المناسبة.

سألت المرأة :

* ألا يعجبكما الرأي؟
* أي رأي؟
* تحرير النصف الأعلى من كل لباس.

قال احد رفيقيها :

* لا مانع عندي… فنحن إذا ما انتبهنا قليلا سنلاحظ أن التنويع يكاد ينحصر في لباس النصف الأسفل.
* ولماذا في النصف الأسفل، وقد كناّ نقول أنه ليس الجزء المخطط والمدبّر ؟
* يا رجل…جرّب تتكلم وأنت بلا سروال. أهمية لباس النصف الأسفل دائمة وقائمة مهما تنوّعت شكلا ونوعا، بدءا بورقة التوت وخرق احتزام زنوج الأدغال، إلى فوطة أهل اليمن وكيلت سكوتلاندا وسراويل الأكراد الفضفاضة، ومن بنطلونات الفروسية إلى شورت الكشافة. ولا تغيير يذكر بين الجاكيتات والصدريات والبلوزات إلا في الأكمام وموتيفات التطريز.

أضافت المرأة :

* ومن ميزو جدّاتنا وكبّوس الغارق إلى جيب الكلوش والبليسي والمطلوق والميني والماكسي وسروال الشارلستون وساق الفيل إلى قطعتي السباحة ثم القطعة الواحدة والبيكيني…و ربما اللاّقطعة مستقبلا.
* ولا تنسي الجينس موضة عصرنا هذا.

عادت المرأة إلى الموضوع :

* دعونا من هذا… واقترحوا ما يلبس بين الفوق والتحت.
* لماذا جعلت منها مشكلة ؟.
* ألا ترى كيف تركونا عراة ؟ لا بدّ أن ثمّة مشكلة.
* وما الضّرر إن بقينا عراة ؟ المفروض أن يلبسونا أشياء جديدة فيها تميّز وابتداع وهويّة مختلفة عن السائد والمألوف والموجود لدى الجميع، أو أن يتركونا عراة. والأجدر بهم في النهاية هو إعادتنا إلى المخازن.
* هذا رأيي أيضا.إن غاب المعنى من الثياب، أو إن بقينا دون ثياب أصلا فما جدوى وجودنا في هذا المكان؟

قال رفيقهما الأول :

* كيف تسألين عن جدوى وجودنا… ألا ينفع عرض الجسم العاري : الزّبنطوط…الملط.. الحاف… بلا علامة ؟ هل لا بدّ من رموز نحملها ونعرضها ؟

احتجّت المرأة :

– وكيف يحتمل إنسان على هذه الشاكلة ؟

أجابها رفيقها :

* صحيح العري أكثر من كونه قلة حياء هو شكل حيواني. الثياب هي التي تبثّ الروح في الإنسان.

وقال الرفيق الثاني :

– لكن العري هو أصل الإنسانية…شئتم أم أبيتم.

حدثت حركة في أقصى المحل. التفت الكهول الثلاثة بطريقة الروبوت ليروا الطفلين عائدين وكلاهما يلبس كاسكيت من فوق وجينس من تحت ولا شيء بينهما. لما  سألوهما أين كانا دفعا ذقنيهما إلى الأمام ورأسيهما إلى الخلف ليستطيعا النظر إلى مخاطبيهما. هكذا اكتسب الذقن هيئة عنادية ومال الرأس قليلا فبرز الخدّ وتصعّر، وارتفع الظل المغطي للوجه حتى تساوى مع الجبين وبهذا انسدل الجفنان ليغطيا أعلى العينين ويكسبا النظرة صلفا واستعلاء وقحا لا تملكه النظرة المباشرة الوضيئة ا لواضحة.

نظر الشابّان بتلك الهيئة إلى مخاطبيهما وأجاب الفتى :

* في الجهة المقابلة لدبري.

وأشارت الفتاة بطريقة الروبوت إلى مؤخرة المحلّ. ثم عادا بخطوات موزونة يغالبان الضّحك للوقوف حيث كانا.

تبادل الرجلان والمرأة النظر، قال أحد الرّجلين :

* صحيح ما قلته عن علاقة الثّوب بالسلوك.

قال رفيقه :

* الثوب بريء وإنما استعماله غير بريء.

قالت رفبقتهما :

* العاري واللاّبس كلاهما بائس.
* او يائس…
* لا الثوب بريء ولا حامله بريء.
* المشكل في المعنى…هل تعرفون جوهره ؟

صمتوا يفكّرون ثم عادوا بطريقة الروبوت إلى أماكنهم السابقة في الفترينة دون أيّ قول.فقد فتح الدّكّان وحضر صاحبه.

عبد الواحد براهم: كاتب من تونس.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This