كيف انفصلت المعرفة عن الاعتقاد

بقلم: فيرونيك لو رو Véronique Le Ru

يريد الخَلْقِيّون فرض فكرة أن الكيان الإلهي يمكن أن يكون بمثابة التفسير في مجال العلوم. إنهم ينكرون بذلك أربعة قرون من تاريخ الفكر الحديث.
لماذا نهتمّ اليوم بمشكل العلاقة بين العلم والإله؟ ألم يتحرّر العلم من نير اللاهوت والدين مذ ْ أن طـُرحت (فرضية الموضوعية) من قِبَل غاليليو وديكارت في القرن السابع عشر؟
ألم يحجّر كلّ من هذين المفكرين اعتبار الغايات في النشاط العلمي؟
فالعلم ينتشر- وِفق مُسلّمة الموضوعية – انطلاقا من الرفض المنهجي لاعتبار أن كل تأويل للظواهر من حيث أسبابها النهائية يمكن أن يؤدّي إلى المعرفة الحقيقية (انظر “فرضية الموضوعية” أدناه). فالعلم يقوم في تعارض مع منطق الأسباب الغائية، وهو يقول لا للحلول السهلة التي تحيل  مشكلةً – يُستعصى حلها أو يُساء طرحها – إلى الله، خالق نظام الطبيعة.

لكن البعض يريد منّا أن نصدّق اليوم أن العلم يمكن له أن يُنجَز دون لزوم الاعتراف بفرضية الموضوعية هذه، ودون رفض قطعي بأنه يمكن للطبيعة أن تحمل مشروعا، مشروع الإله الذي خلقها. إنهم نفس الأشخاص الذين يعملون على تقويض كامل للتفكير: فهم يهدفون، بوضعهم فرضية الموضوعية محل التساؤل والتشكيك، إلى إضعاف العلم والحطّ من مكانة الخطاب الافتراضي، في حين يريدون رفع الخطاب الإيديولوجي إلى مرتبة العلم. وهم بنحو أدق يأملون القيام بهذه العملية المزدوجة على الأرضية الحسّاسة للبيولوجيا ونظرية التطور.

إن الخَلقيين – فلنسمِّهم بأسمائهم – يسعون بذلك إلى تدمير العلم بإدخاله في جدال إيديولوجي بين الذين يؤمنون بالله والذين يرفضون أن يتداخل النشاط العلمي مع المسألة الربّانية. وتجدر الإشارة هنا على الفور، بأن الأمر لا يتعلق بمناقشة لاهوتية، بل إيديولوجية. لا يتعيّن على الخلقيين أن يتصرّفوا كلاهوتيين، الأمر الذي يحتم عليهم أن يندرجوا بالضبط في هذا  اللاهوت أو ذاك : اليهودي أو المسيحي أو الإسلامي. كلاّ! إستراتجيتهم تختلف كليا عن ذلك : لتدمير الاستقلالية التي اكتسبها العلم تجاه كل مؤسسة ربّانية متعالية، نجدهم يلجؤون إلى التقليد الفلسفي ويستعملون ما يمكن أن نطلق عليه إله الفلاسفة والذي تمثلت وظيفته الرئيسية في التأسيس للعلم. إنهم بذلك يمحُون ثلاثة قرون من الفلسفة النقدية لكي يبرزوا من جديد حجة التصميم التي لخصها فولتير في تلك المقولة : الساعة تدل على الساعاتي(1). وعلاوة على ذلك، فنيّتهم تبدو واضحة من خلال التسمية التي أطلقوها على حركتهم : “التصميم الذكي” (Intelligent Design).

حقوق منفصلة

لمواجهة قبضتهم الديماغوجية والأيديولوجية على نفوس المزيد من الناس، سواء في الولايات المتحدة أو الهند أو السعودية أو بلجيكا، يبدو من المفيد العودة إلى الفترة التي حدث فيها الفصل تدريجيا بين نوعين من الخطاب – خطاب العلم وخطاب اللاهوت- والتذكير بالفرق بين الإيمان والمعرفة. خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، شيّد العلم صرحه بالتأكيد على استقلاله الذاتي وعلى تحرره من حجة التصميم. وهذا منطق غائيّ يستنتج، انطلاقا من ملاحظة نظام الطبيعة، أن هناك مبدأ نظام متعال وأن هناك خالقا لهذا النظام، هو الله. غير أن  بناء العلم لم يكن دون مقاومة من العلماء أنفسهم. فقد استلزم الأمر وقتا كي تفرض مُسلمة الموضوعية نفسها لدى العلوم. لم يكن إرساء “حقوق منفصلة” للعلم واللاهوت، على حد تعبير باسكال، عملية تسير على خط مستقيم وتدرّجي، بل كانت تجري عبر التقلبات والقفزات (2).

وفي الواقع كان من العسير على العلم في العصر الكلاسيكي أن يستغني عن الله لأنه، حسب المفهوم الميتافيزيقي السائد آنذاك، هو الذي يحدّد للعلم معناه وغاياته. كان لا بد أن يكون العلم في خدمة علم الله الذي يؤسس له بدوره في مبادئه وفي بحثه عن الحقيقة. فالعلم (من هذا المنظار) يهدف إلى الكشف عن جوهر الكمال الكامن في الطبيعة التي خلقها الله وإلى تحويل النظر من كمالية الطبيعة إلى كمالية الإله. هناك إذن حركة مزدوجة تربط هكذا العلم بالإله: فالله، من ناحية، يؤسس للعلم ويحتوي كل المبادئ الضرورية لنشاطه (مبدأ السببية ومبدأ عدم التناقض ومبدأ الحفظ، الخ) والعلم من الناحية الأخرى يعود ليضع نفسه من جديد في خدمة اللاهوت. العلماء يكتشفون قوانين ومبادئ – مثل قانون الجاذبية أو قانون رد الفعل الأدنى- تُبرز للعيان كمال الطبيعة ونظام الكون، وهذا يساعد على تفعيل حجة التصميم : فعبر الصنيعة نستطيع أن نتعرّف عن الصانع وعبر نظام الطبيعة وكمالها يمكن إدراك مبدأ نظام الخالق وكماله. فاللاهوت بهذا المعنى شيء طبيعي وهو يُقرأ في الطبيعة.

القوانين النسبية

غير أن هذه الحركة المزدوجة بين العلم والله سرعان ما واجهت عقبات. فإظهار باسكال بأن الوقائع العلمية هي ذات طبيعة تاريخية لأنها تعتمد على التجارب وبالتالي على التقدم التقني، شكّل أيضا مراجعة للطابع المطلق للقوانين المكتشفة من طرف العلماء. فعلى سبيل المثال، ما كان يعتقده العلماء القدامى بأنه قانون نهائي للطبيعة، والقائل بأن الطبيعة تمقت الفراغ، هو في الواقع خطأ أثبتته عقول علماء القرن السابع عشر وتجاربهم، كما يفسره لنا باسكال، إذ إن الأقدمين كانوا هم المحدثين. لقد كانوا يعيشون في مهد العلم، أما المحدثون في الزمن المعاصر فهم في الحقيقة يشكلون القدماء في السياق المعرفي العام، إذ أنهم راكموا كل معارف القرون السالفة.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن إعلان مُسلـّمة الموضوعية من قبل غاليليو وديكارت في النصف الأول من القرن السابع عشر ونقد التفكير القائل بالأسباب الغائية في ذات الوقت من قبل المستشار باكون، ثم بطريقة أكثر جذرية من قبل سبينوزا في النصف الثاني من ذلك القرن، قد أحدثا صدعا خطيرا في صرح اللاهوت الطبيعي. لقد أعلن المستشار باكون أن ميتافيزيقا الأسباب النهائية عقيمة وغير مجدية في حين وصف سبينوزا اللجوء إلى تلك الأسباب بكونه اكبر إجحاف لكل العصور، يقود إلى الانضواء تحت إرادة الله، “هذا الملجأ للجهل”.(3) وخلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر نجد أن أصحاب الموسوعات les encyclopédistes ، بما فيهم دالمبرت d’Alembert، عملوا بدورهم كثيرا على استبعاد كل الذين يقولون بالأسباب الغائية ويسمّونهم “الأسباب-الغائيين” (les cause-finaliers).

غير أنه إذا كان ممكنا بل وحتى مُلزِما للعلم الاستغناء عن الله في فعاليته، فهو لا يستطيع بنفس القدر الاستغناء عن المبادئ الميتافيزيقية. لقد لاحظ عالم الرياضيات الفرنسي بوانصو Poinsot في أوائل القرن التاسع عشر أن العلم إذا كان بناءً لنظام من القوانين، فإن مسألة أساس هذه القوانين (“هل هناك قانون للقوانين؟”) تحيل إلى مبدأ الثبات والاتساق. وهو مبدأ يشرف على المعرفة الإيجابية دون الاندماج فيها ودون أن يكون مجرد إحالة إلى الطبيعة.
ويلحّ كذلك ارنست ماخ Ernst Mach، في مؤلفه الآلية La Mécanique المنشور سنة 1904، على فكرة أنه لم يعد بالإمكان إحالة مبدأ الاقتصاد مباشرة إلى الطبيعة، بل يجب أن يحال إلى العلم نفسه، الذي يمكن تصوّره كبحث مستمر عن الأمثل، فالعلم يهدف بأقل الجهود الفكرية إلى تقديم أكبر قدر ممكن من تعليل الظواهر، في حد أدنى من المقترحات. وكان لايبنتز Leibniz قد لاحظ ذلك بالفعل عندما قال إن تقدم العلوم يتحقق بالاختزال. غير أن حساب الأمثل عند ماخ لم يعد يرجع إلى أُسٍّ  متعال يكون هو الإله الخالق المثالي لأفضل العوالم الممكنة، بل إلى العلم نفسه، المحكوم باتجاهات الفكر الإنساني الهادفة إلى اختزال المبادئ إلى أقل عدد ممكن، وإلى البحث عن الوحدة والبساطة في نشاطه التنظيري. وهكذا فإن العلم نفسه هو الذي يكون نتيجة مبادئ البساطة والاقتصاد في التفكير وهي مبادئ تهيكل أنشطة العقل وفي نفس الوقت تؤسسها و تنيرها.

وفي نفس الحقبة، لم يكن بوانكاريه Poincaré من السذاجة كي يعتقد أن العلم يمكنه الاستغناء عن المبادئ الميتافيزيقية، إذ هو يدلل بالعكس بأن مشكل تحديد درجة الاحتمال لفرضية مهمّة للعلوم هو كامن وراء اعتبارات البساطة والاقتصاد في التفكير المنتسبة للمعايير الميتافيزيقية(4). يجب أن نستنتج إذن أن العلم يستطيع الاستغناء عن الله ولكن لا على الميتافيزيقا، لأن العقل نفسه لا يستطيع أن يتخلى عمّا يؤسسه ويدلّه في نفس الوقت عند بذله المقتصد لجهود التفكير وعند عرضه لنتائج هذه الجهود.

التمييز

هل تمّ الطلاق بين العلم والله؟ لقد بات من الواضح أن ثلاثة قرون من التفكير في حقوق منفصلة بين العلم واللاهوت قد وضعت حدا نهائيا لأخطاء التفكير الغائي ولضلال العقل الذي يدّعي استنتاج حجة وجود الله من المعارف العلمية. وهذا لم يمنع الإيمان والدين من أن يكونا مجالا لا يتعارض مع مجال العقل والتجربة، فكل حياة وأعمال مؤمن وعالم مثل باسكال تثبت ذلك بما فيه الكفاية. ولكي يعيش حياة مؤمن وعالم على أفضل ما يكون، ترك لنا إرثا من الوسائل المنهجية التي تمكننا من التمييز بين العلم والاعتقاد: فالاعتقاد، الذي يقوم على أساس السلطان والإيمان، له حقوق منفصلة عن حقوق العلم الذي يقوم على أساس العقل والتجربة. فيمكن لعالم ما أن يؤمن بالله بكامل الوعي. غير أن هذا “الوعي الكامل” هو أيضا وعي بضرورة التمييز بين الاعتقاد والعلم، أي بين القناعات الدينية وبين المعرفة.

أمّا اليوم، فإن حركة التصميم الذكي المزعجة التي تنتشر في جميع أرجاء العالم، فهي تتصرف و كأن هذه الأفكار لم توجد قط. فأنصار هذه الحركة لا يتوسّلون العلم، بل يستفيدون من علم كاذب، يتمثل في نظرية الخَلق، من أجل خدمة أغراضهم الدعائية. إنهم بطبيعة الحال غاضبون على داروين بالخصوص ويسعون إلى الإيهام بان النظرية الداروينية ليست علمية بل ما هي إلا فرضية مساوية للنظرية الخلقية ومنافسة لها. إنهم بهذا الصنيع لا يسعون فقط إلى رفع عقيدة إيديولوجية إلى مصفّ علم، بل أيضا إلى الحط من علم (علم الارتقاء والتطور) إلى مرتبة الفرضية. وبمثل هذه الضربة المزدوجة نراهم يبثون الشك لدى العديد من الناس الذين لم يفكروا فلسفيا في الرهانات التي تطرحها عدم شرعية حجة التصميم والذين قد ينقادون لإغراء الأطروحة الغائية العائدة.
فالخَلقيون، بمَحْوهم لمعيار التمييز بين المعرفة والاعتقاد وبين العلم والايدولوجيا، يمحون في الحقيقة جوهر العلم الذي يتمثل في كونه مقام على فرضية الموضوعية. وفي نهاية المطاف لا يتورعون على إظهار أن “العلم للمؤمنين” هو أكثر شرعية من “العلم للملحدين” بحيث يكون حريّ بنا أن نتخلى بصورة نهائية لا فقط على تطوير النظرية الداروينية بل حتى على تدريسها.

معارضة العلم

إن رهانات هذه الحركة الإيديولوجية لخطيرة للغاية : فهل يمكن مستقبلا مواصلة تدريس داروين في المدارس والكليات والمعاهد الثانوية والجامعات؟ أم هل سنضطرّ إلى الاكتفاء بتدريس علم الخَلق المزعوم “المُوصَى” به إيديولوجيا؟ يجب أن تؤخذ هذه الحركة على محمل الجد، ذلك لأنه يمكننا أن نسمع اليوم طالبا في فرنسا يدرس في فصل علوم الحياة يقول لمعلمته : “أنتِ، سيدتي، تعتقدين في داروين لأنكِ ملحدة !”

لقد بلغ الخلط هنا بين الاعتقاد والمعرفة ذروته بهذه العودة إلى الممارسات اللاعقلانية الجازمة – ولكنها المتفاهمة إيديولوجيا- لمحاكم التفتيش ومناهجها الاتهامية. فأستاذ البيولوجيا الذي يعطي درسا حول التطور متهم بالبدعة بسبب خطاب يؤوّله تلاميذ متدينون بنقله إلى مجال آخر(مجال اللاهوت) ليدينوا الأستاذ ويعاقبوه؛ فالمعرفة والاعتقاد لم تعد لهما حقوق منفصلة وكل شيء أصبح صالحا لنزع كل مصداقية على نظرية داروين. هذه الإدانة وهذا الحط من القيمة لا يطال داروين وحده بل العلم بأكمله والمجتمع في مجمله؛ وما هذه الهجمة الخَلقية في حقيقة الأمر إلا حربا على العلم.

الهوامش:

1- Voltaire, in Oeuvres complètes, tome XV, critical edition by R. L. Walters and W. H. Barber, The Voltaire Foundation, Oxford, 1992, p. 755.

2- Blaise Pascal, préface au «Traité du vide » in Œuvres complètes, Seuil, 1963, p. 230.

3- Baruch Spinoza, « Éthique», appendice de la première partie, in Œuvres, III, Garnier-Flammarion, 1965, p. 65.

4- Henri Poincaré,  La Science et l’Hypothèse, Paris, 1902, Flammarion, 1968, p.196.

فرضية الموضوعية (حسب ديكارت):

“يجب أن لا نبحث عن الغاية التي خلق الله من أجلها الشيء، بل فقط عن الوسيلة التي أرادها لذلك.

يجب أن لا نسعى للبحث عن الغايات التي اعتمدها الله في خلق العالم، بل أن نقصي كليّا من فلسفتنا البحث عن الغايات النهائية، لأنه لا يجب أن نعتدّ بأنفسنا ونظن بأن الله أراد إحاطتنا علما بنصائحه؛ بل، وباعتباره خالق كل الأشياء وبفضل ملكة التفكير التي وضعها فينا، يجب أن يتجه سعينا فقط إلى معرفة كيف أن الأشياء التي ندركها بواسطة حواسنا استطاعت أن تكون (هكذا). وسوف نكون واثقين، بفضل البعض من سماته التي أراد أن يكون لنا بها بعض الإلمام، من أنّ ما نشاهد بوضوح وتميّز انتماءه إلى طبيعة هذه الأشياء يملك كمال كونه حقيقي.”

روني ديكارت، مبادئ الفلسفة، І،28 من الأعمال الفلسفية، المجلد عدد3 ، قرنيي،1973-1963، ص.108


نشر المقال بالمجلة العلمية “La Recherche” عدد 447  بتاريخ  ديسمبر
2010

  بقلم فيرونيك لو رو (Véronique Le Ru) أستاذة محاضرة في الفلسفة بجامعة رانس  الفرنسية
أصدرت كتاب “العلم و الله” بالفرنسية بمنشورات  Vuibert- في أكتوبر 2010

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق