لوح شوكولا… وحجاب!

يبدأ فيديو الأغنية بصورة طائرةٍ تحطّ في مطار ما، تتبعها مباشرة صورة سيارة تصل إلى المطار تخرج منها شابة بنظاراتها الشمسية ذات التصميم الحديث جداً وملابس حديثة الطراز أيضاً وأخيراً حجاب “حديث الطراز” ترافقها شابتان إحداهما محجبة أيضاً بطريقة “حديثة الطراز” والأخرى تنتهي مع نهاية الأغنية بارتداء حجاب زهري “حديث الطراز”. الأغنية باللهجة المصرية، وهي عبارة عن تشجيع مباشر وواضح على ارتداء الحجاب، عنوانها: “اتحجبتي برافو عليكي”.

بداية تجدر الإشارة إلى أنني لست بصدد انتقاد الحجاب فيما سيلي، فهو جزء من ممارسات تنسب إلى الاسلام ومن المنطقي أن “تختار” امرأة ارتداءه عندما تعتبر نفسها مسلمة تود ممارسة واجباتها الدينية “على أكمل وجه”. كما تجدر الإشارة أيضاً إلى أنني أحترم “خيارات” كل من هم حولي فيما يخص صيغة تقديمهم لأنفسهم للمجتمع و صيغة تعبيرهم عن معتقداتهم و إيمانهم إن وجد..
كل ما في الأمر أن الأغنية التي ذكرتها صدمتني لعدة عوامل سأتحدث عنها فيما يلي، وبأنَ الانتشار الإعلامي لعدة أفكار من هذا النوع، لا بل وعدة صور من هذا النوع، يقلقني، بالدرجة الأولى كوني إمرأة في مجتمع شرقي، وبالدرجة الثانية، كون الأجيال الشابة حالياً في مجتمعاتنا العربية شديدة الهشاشة ومعرضة لإعلام شديد التناقض، لعصر العولمة السريع الإيقاع وأخيراً لإرثٍ اجتماعي وسياسي غاية في التعقيد والتشرذم مما يجعل اجتراره إلى التطرف أمراً سهلاً لكونه يعيش مسبقاً في دوامة البحث عن الذات ولكون محيطه المعاصر لا يقدم له أيّ شكلٍ واضح للهوية.

دعوني أبدأ بما أثار قلقي في الأغنية المصورة التي تكلمت عنها والذي يتجسد بشكل أساسي في عدة نقاط..

النقطة الأولى هي شكل المرأة المحجبة “حديثة الطراز” وكأن خطاب الأغنية، الموجه بوضوح للمرأة المسلمة، يبرر ارتداء الحجاب في العصر الحالي. بمعنى آخر، كأنه يحاول أن يقول للنساء بأنهن يستطعن ارتداء الحجاب دون أن يشعرن بأنهن خارج “الحقبة”، وبأنَ الحجاب ممكن أن يظهر جمال المرأة من غير أن تكون بحاجة لإظهار محاسنها بمجرد أن ترتدي ملابس محتشمة “أنيقة” وحجاباً “على الموضة”. وهذا برأيي المتواضع أمر غاية في التناقض مع مفهوم الحجاب بشكله الأساسي المطروح في الإسلام والقائم على فكرة “إخفاء المحاسن” و”عدم لفت النظر” والابتعاد بأكثر قدر ممكن عن مشاركة المرأة لاحساسها بجسدها وجمالها مع الآخرين، بشكل أدق، مع الرجال.

يبدو إذاً بأنَ هذه الأغنية تحاول، بشكل ما، كما هو حال ظاهرة الحجاب حالياً في كل مكان، أن تعد أرضاً شبه محايدة بين “طاعة الدين” و”الحرية الشخصية” وهو أمر غير قابل للتحقيق و من الطبيعي أن ينتج عنه شكل هجين، في حالتنا هذه، شكل امرأة تختار أن تطيع الدين فترتدي الحجاب، وفي الوقت نفسه تختار أن تعيش في عصرها و وسط الحداثة فتخترع أشكالاً جديدة للحجاب الذي كان بداية ببساطة مجرد طريقة لاخفاء المحاسن. المشكلة الأساسية تكمن في النهاية بأن هذه المرأة أو الشابة لا تقف على أرض محايدة، بل على حبل رفيع جداً، بين واقع يحثها على “المساواة” مع الرجل، و “فرض” يؤطّر كل كيانها بجسدها الذي يعد ذنباً أو “أداة إثارة متنقلة”.

هل النساء، حقاً، أدوات إثارة متنقلة؟ وهل الرجل في عصرنا الحالي على هذا القدر من الجهل والتعسف؟ بالطبع لا! فكما تثبت لنا الأغنية “اتحجبتي برافو عليكي” الرجل المعاصر، رجل لطيف، لم يجبرها على شيء، بل  فوجئ باختيارها، بشكل إيجابي طبعاً، واعتبرها “أجمل هدية من عند الله”. وبهذا تكون المرأة اختارت الحجاب بكامل وعيها وإدراكها و بدون أي ضغط. هذا، على أي حال، ما تظهره الصور اللاحقة في الأغنية مع قصة الشابة التي لم تكن محجبّة في بداية الأغنية وقررت الحجاب عند رؤيتها لأختها الصغيرة “المحجبة” تصلي. تجدر الإشارة هنا إلى أن أختها الصغيرة لا يتعدى عمرها الثماني سنوات على أبعد تقدير.

النقطة الثانية في الأغنية التي أثارت انتباهي هي تقديم فتاة، ومن ثم عدة فتيات – “أطفال” إن صح التعبير- وهن يرتدين الحجاب ويحصلن على مكافآت (لوح شوكولا أو شيء من هذه القبيل) من أستاذهن في المدرسة (الذي صادف أن يكون هو نفسه من سَعد بحجاب الفتاة التي يحبّ في بداية الأغنية). السؤال الذي يُطرح بداية هو : ماذا تمتلك أي من هذه الفتيات من أنوثة لتخفيها؟ وما معنى أن يكافئن على حجابهن؟ كيف يوضع ارتداء الحجاب في الكفة نفسها مع الاجتهاد المدرسي؟ وكيف نجعل من شكل أحد الطلاب معياراً لتميزه عن الباقين؟ كيف نسمح بالدرجة الأولى لأنفسنا بأن نعتبر أن طفلة تستطيع اختيار الحجاب بنفسها، وبكل “حرية”؟ لا بل أنها تستطيع “وعظ” أختها الكبرى “غير المحجبة” وجعلها تشعر بالذنب لأنها تشاهد أغنية مصورة لهيفاء وهبي؟ هل تملك فتاة في الثامنة وعياً دينياً بهذا العمق؟ وعياً وجودياً بهذا الشكل؟ نظرةُ واحدةُ منها تكفي لإعادة أختها إلى الصراط المستقيم. ليس الأمر أنني أقلل من قدرات الأطفال على تشكيل وعي وجودي لكن جميعنا نعلم بأننا، حتى سن معينة يكتمل فيها وعينا لذاتنا، مسيرون بما يقدمه لنا محيطنا الأصغر، أي عائلتنا، من طرق للتعبير عن أنفسنا و طرق أيضاً لرؤية أنفسنا. وليس من المنطقي لفتاة بهذا السن أن تختار الحجاب. ليس من المنطقي لأستاذها أن يكافئها على معتقدات عائلتها و طريقة تعبيرهم عن دينهم، وليس من المنطقي له أن يضعها في خانة مختلفة عن زميلاتها في هذا السياق، ألا وهو السياق المدرسي. فالمدرسة ليست مرتبطة إلاّ  بالعلم والمعرفة

والاجتهاد، وليس بالمعتقد.

النقطة الثالثة التي استرعت انتباهي في الأغنية متعلقة بشيء ذكرته منذ قليل وهو إحساس الشابة غير المحجبة بالذنب لمشاهدتها أغنية مصورة لهيفاء وهبي أمام أختها الصغيرة المصلية و التي تقترب و تأخذ جهاز التحكم وتلغي صوت التلفاز، ثم ترمق أختها الكبرى بنظرة عتب أقرب إلى الاحتقار. المقارنة بحد ذاتها غير مقبولة. فما هي الرسالة التي يود الخطاب في هذه الحالة إيصالها؟ أنّ المغنّية المذكورة مثال للفسق و بأنها تتعارض مع تعاليم الإسلام؟ أم بأن من يشاهد أو يستمع لها، أو لمثيلاتها من “الفنانات” يحيد عن درب الدين؟ لا أظنّ أنه من العدل وضع نمط “فنّي” معاصر (بغض النظر عن مستواه) بمقارنة مع فرض و واجب ديني لا علاقة له بغير من يطيعه، أي المرأة المحجبة في هذه الحالة. أن تكون هيفاء وهبي أو غيرها رمزاً للإثارة لا يعني بأن جميع النساء عليهن ارتداء الحجاب. فهما أمران منفصلان. أن تكون هيفاء وهبي أو غيرها بصدد مخالفة الشريعة الإسلامية، في عدة أمور، هذا لا يمت بصلة لخيار فردي لشخص آخر بطاعة الشريعة إن كان في الصلاة أو الحجاب. ومن غير العدل أن توضع المرأة أمام خيارين وحيدين لا ثالث لهما: إما أن تكوني فاسقة أو أن تكوني تقية. لا خيار آخر. وكأن المرأة غير المحجبة “فاسقة” بالضرورة  والمرأة المحجبة “تقية” دون شك! وهذا أمر يسيء لكل امرأة غير محجبة ويضعها في خانة لا تنتمي إليها، خانة ترفضها هي بالأساس. ثم إنَ هذا النوع من التصنيفات عندما يعمم ينشئ قاعدة هشَة للمجتمعات، ويعيدنا إلى شكل من أشكال المجتمع تحاول البشرية، ومجتمعنا العربي حالياً، منذ زمن طويل الخروج منه. مجتمع لا يكف عن تحطيم المرأة وحصرها في زاوية التصنيف الذكوري.

وأما على مستوى آخر، ليس ببعيد عما أثارته الأغنية من تساؤلات بالنسبة لي، أتساءل عن ظاهرتين إعلاميتين حديثتين أيضاً. الأولى ظاهرة “الفنانات” اللواتي يقررن ارتداء الحجاب و مشاركة “الجماهير” بقرارهن، لا وبل أحياناً، بمتابعة العمل في المجال الفني و لكن ضمن “الشروط الجديدة” التي يفرضها الحجاب. أكرر هنا، بأن مسألة ارتداء الحجاب أو عدمه تشكل بالنسبة لي حرية شخصية، وأنا لا أنتقد كون الفنانات المقصودات قررن ارتداء الحجاب وإنما الضجيج الإعلامي الذي يحيط و يتبع أمراً غاية في الخصوصية ، ومن البديهي أن يكون أمراً “بينها و بين ربها”، و ليس “بينها و بين الناس”. فالدين قبل كل شيء، هو علاقة مع الخالق، و قرار الحجاب هو قرار ديني متعلق بعلاقة المؤمنة مع خالقها وبطاعتها له. لكن وجود المحطات الدينية، بشكل خاص، يساعد بداية على اضفاء طابع جديد، معاصر بدوره، على الدين. طابع “انتشاري” إن صح التعبير. والانتشار هو من ميزات العولمة، صفة عصرنا الحالي. الظاهرة الثانية متعلقة بشكل مباشر بهذه المحطات التي تتفرع عنها محطات دينية للأطفال تقدم بدورها صورة “الطفلة المحجبة” كأمر بديهي ومطلب ديني.

الحقيقة أنني لم أذكر الظاهرتين السابقتين للتوسع في آثارهما وإنما لكونهما مرتبطتيْن بشكل مباشر مع ما كنت أحاول عرضه من خلال الحديث عن الأغنية ولأن جميع ما سبق يجعلني أذكر فترة إعلامية مطبوعة في ذاكرتي في منتصف التسعينيات حيث ظهرت موجة كبيرة من المبشرين المسيحيين في الإعلام العربي وموجة من المحطات المسيحية التي لا تزال موجودة على أي حال. شبهت حالة الممثلة حنان الترك و هي تبشر بالإسلام وتدعو النساء لشهادة الإسلام بمبشر مرَ بلبنان و”شفى” العديد من الناس، من بينهم مسلمون أيضاً (بمحض الصدفة)! وشبهت المحطات الإسلامية بالمحطات المسيحية الأمريكية التي تبث مواعظ قساوسة حول الحياة و ما يجوز أو لا يجوز.

وأختم بتشبيه أخير (لا هو ولا ما سبقه من تشابيه يهدف لمقارنة منهجية) بين نظرة الإسلام حالياً للمرأة و نظرة المسيحية التي حاولت في وقت معين أن “تتعصرن” وأن توهم المرأة بأنها تستطيع أن تكون “فرداً كاملاً” في ظل منظومة قمع لا ترى فيها سوى أداة للتكاثر  وتهديد دائم يجب محاصرته. لكن كل ما فعلته الكنيسة بدورها منذ ذلك الحين هو إعطاء المرأة “لوح شوكولا” وإيهامها بأنها “طالبة مميزة” في صفوف المجتمعات العلمانية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق