مرايا البيت عمياء

ليس في الطريق الناضبة

مفرِقٌ ولا علامات:

الأعشاب اليابسة

عطرٌ في تابوت.

ليس للعاشق مهرَبٌ

حين تشحذ العيون بَردها لتكويه.

نارُ العالم تتجمَّع في كفِّ امرأة

كي تصالح بروميثيوس والنسور.

كم فاسدةٌ، أيتها الريح!

كم شِبرًا في طريقك

لوحٌ على الصدر

ملبَّسٌ بالصوّان!

لا تسوق الهواجسُ الماءَ،

لا تُلقي به إلى الجواميس

الغاطسة في شقوق جلودنا،

فيما الثمار تتعفّن مفجِّرةً أمّهات الرؤوس.

والأزرق، مكحَّل بطين النواعير،

هاجعٌ سافراً

على ضفاف الظلام:

لا يَلوي على كأس،

لا يخالط النرجسُ القابضين بنواجذهم

على مرمرٍ

زهرُه سكاكين…

سَيرٌ إلى اللامكان.

وجودٌ صاخبٌ

يعقد ربطة عنقه

على صنّارة بلا طعم.

كائناتٌ من تبغٍ

تنزف حرارتَها،

وهيَ:

تمخُر مداداً يابساً،

تحرس اللامكان.

لا تقولوا إننا عاجزون عن السير.

لا ينثنِ أحدُكم مستكِفّاً،

باحثاً عن النجوم في الطواحين.

لا تستقِيم خطواتُه الغشّاشة

طمَعاً بالخصر الخيزران في السماء.

أخاديد الثلج سوداء،

ساخنة من الخوف:

مرايا البيت عمياء.

أولئك الفوّارون في عباءاتهم

يلمعون:

مثلَ مَشوَى فَراشات،

مثل أرَقٍ خريفيٍّ

في فضاءٍ

يغطس في الشوك،

والعراء،

وجرائم الشرف.

أدفعُ الباب

فأسمع صدى انغلاقه

على الجهة الأخرى من الماء:

أفكِّر بالموتى،

بقاتلٍ يتسلّى بجثتي على الريق.

في الطابق الأخير من دوحة النسيان

صديقٌ خطفتْه الحَيرة،

يقضم أظفاره

خشية الأفراح والشياطين.

وآخرُ أكاديميٌّ

يداهنه بألينِ ما تجود به

قريحته المحقونة بالبارانوي.

القبور التي لم ..

والذين ماتوا ولم…

كلٌّ يهجس بجنَّة

ترسمها إصبعُه في الرماد:

المجندَلُ، الباشق، المنثور، المخوزَق، الوديع،

المتلطِّي، القَوّاد، الضحّاك، العابث، المكبّل، المحتال…

تحت أسيافٍ

يتلظّى صدأها بأحرف الجرّ.

كيفما أغمضتُ معطفي

يخترقني البرد.

مهدّمٌ ولا سبيل إلى النوم.

أنثر البُنّ على الكتب والعفاريت.

لا ربيع يؤمَّل

في ألق هذه المتاهة

المخنوقة بالبساتين.

منفى بلا جدران،

روحٌ مصفّدة بقنديل

تنبجس من زيتِه الظلال.

كأنكِ فتحتِ الباب المقفل

بالصمت والغبار؟

كأنك في مرورك

لامستْ فخذُك رأسيَ البارز

في خزانة من الملح؟

يُجهش الشرشف الأبيض

المنقّط بالنواطير،

وأنتِ تتعثّرين بوعودي الفاسدة

على بلاط

يحتمي بالرصيف.

كالدجاجةِ، كِلانا:

لها جناحانِ،

ولكنّها لا تطير.

ما أكثر ما يحتاج المرء من شرٍّ

كي يحميَ نفسه من الأذى!

هنا،

لا تكتب العاصفة إلا نفسها،

تعبث بالسكينة،

وتُنشِب أظفارها الكليلة في الرماد.

لا تصاب العاصفة بالسرطان.

لا يتعتعها السُّكْر.

لا تطلب الجنة،

ولا تأكل الثعابين.

لا ترفع سيفاً.

لا تمضغ رايةً:

تفرد أجنحتها شفّافةً كالنفاق.

هنا:

على ركبتيها أفرش رأسي وأنام.

إذا كان الليل أخرس،

فلماذا لا يتكلّم النهار؟!

هكذا يهطل الفراغ شلالاً

يُغدِق أنغامه

على الرئتين.

لا أنتظر أيّ شيء.

لا ينتظرني أي أحدٍ

تحت هذه القبّة العتيقة،

المتبدِّلة

مثلَ قلبٍ طائرٍ

بأشواقٍ راعفةٍ على النار.

كم بات غثّاً، مُكْرِباً

هذا البديع، الصباح!

كم لم أعد أّميِّز السكينة من العشب،

من حُفنة التراب!

 

كأن بي زلزالاً يجرش أحلاماً على مهل.

كأن بي موسماً تنقر العصافير غيوم رحيله

وتموت من الجوع.

كأنّ الثمار ليست خطيئة السندباد،

ولا الأصابع النوّاحة على الباب؟

كأن خطواتِك الهاربةَ تحت الضوء

تغزل وهماً لروحٍ مريضة بالخريف؟

كأن الليلَ لُقيَةٌ

تُهرِق النسغ

وتُلهي بالتفاصيل.

كأن البيتَ الضيِّق بخوائكَ اللولبيّ

لعبةُ قمارٍ خاسرةٌ

ليس فيها منافس ولا شريك.

كأنني، هكذا، صافنةٌ بيَ الريح.

كأن المساء المتّكئ على كلماتٍ هوجاءَ

يكاد يزعق:

شامتاً، غاضباً، ضاحكاً، نائحاً،خرِفاً…

يحشر النومَ في جيوبه

ويطير.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This