عولمة وسائل الإعلام

  كما يقول أنطوني غيدنز: «تعدّ أواخر الستينات من القرن العشرين نقطة بداية ثورة المعلومات، لأنه تمّ إرسال أوّل نظام من الأقمار الصناعية إلى خارج كوكب الأرض، وكان هذا النظام من الأقمار الصناعية غير الاقتصادية.. إنّ وجود شبكة من أقمار الاتصالات بهذا المعنى يمكّن الاتصال من أية نقطة من الأرض مع نقطة أخرى» (1).

 وبعد هذا التطور، تم إطلاق أقمار اقتصادية إلى الفضاء، وإطلاق أنواع مختلفة من الأقمار لتسهيل الاتصال مع أماكن مختلفة من الأرض. وفي العقد التالي، ومع السرعة الصاروخية للتطور، عرضت أنماط وأشكال مختلفة من الأجهزة الإلكترونية والاتصالات في السوق، ودخلت في الحياة اليومية للناس في كافة أنحاء العالم. وفي أواخر الستينات تم تشغيل الإنترنت في وزارة الدفاع الأمريكية أولاً، وذلك لأغراض عسكرية، ثم تطور الأمر في الأعوام التالية مع مدّ شبكات متعددة، إلى وسيلة للانتقال السريع والسهل للمعلومات.

كان مستخدمو الإنترنت في البدء من أصحاب المراكز الاقتصادية والتجارية، والعلماء والمراكز العلمية ومعاهد التحقيق، ومع التطور الذي حصل للشبكات ووجود (كل أنواع المعلومات بأشكال مختلفة)، دخلت هذه الوسيلة الإعلامية إلى حياة الناس الاعتيادية.

«منذ ما يزيد على ربع قرن أقامت وكالة المشاريع المتقدمة (ARPA) التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية شبكة “أربانيت” (ARPANET) للربط بين الجامعات ومراكز البحوث الأمريكية ضماناً لاستمرار التواصل بين العلماء ومتخذي القرار العسكري والسياسي في حال حدوث ضربة سوفيتية نووية مفاجئة؛ وكانت البداية في عام 1969 عندما أقيمت نواة هذه الشبكة للربط بين المركز الدولي للبحوث التابع لجامعة ستانفورد وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس وجامعة كاليفورنيا في مدينة سانتا باربارا وجامعة ولاية يوتا. ومن هذه النواة الرباعية ظلت الشبكة تنمو بمعدلات هائلة حتى أصبحت بلا شك “الشبكة الأم” أو “شبكة الشبكات” وهناك معلومات تفيد بأن مجتمع الإنترنيت بلغ مليار مشترك خلال عام 2000. إن الإنترنيت حالياً يعتبر بمثابة تحقيق فعليّ لاستعارة “القرية الإلكترونية”… وهي أيضاً خطوة عملية لإثبات مفهوم مجتمع المعلومات الذي شكك البعض في صحته. ولقد وفرت لأول مرة وسيلة نشطة لسرعة النفاذ إلى المعلومة وسرعة انتشارها ونشرها وتوظيفها، وباتت من أهم الوسائل الأساسية لتحقيق النزعات الحالية نحو العولمة» (2).

ساهمت عدة عوامل مثل (سرعة العمل، السهولة ورخص استخدام وسائل الاتصال الالكتروني وأيضاً عدم إمكانية خضوعها للدول)، في إقبال الناس من كافة أنحاء العالم على هذه التقنية.

ومهد الانتفاع من أنظمة المعلوماتية الحديثة، الاتصال بين الناس في أماكن مختلفة من الأرض وأن يشاركوا في تجاربهم وآرائهم ومشاعرهم. وفي هذا السياق، الشيء المهم من وجهة نظر عالم اجتماع ما، ليس تبادل العلوم والفنون والمعلومات عن هذا الطريق فحسب، بل استفادة الناس من هذه الوسائل باعتبارها أداة التسلية واللعب، وعلاقات الصداقة، وحتى الزواج. والأهم من هذا فإن هذه الوسائل تهيئ عالماً افتراضياً للناس (أثري – سيبرنتيك). وسبّب الاستخدام الدائم لهذه الوسائل من قبل الناس وإدمانهم عليها، صارت حياتهم الواقعية  تقع تحت رحمة عالم غير واقعي وافتراضي سماه علماء الاجتماع مسبقاً باسم الفضاء السيبرنتيكي، وهو بدوره مهم جداً وقابل للنقاش.

إن ظاهرة ثورة المعلومات أو انفجار المعلومات تدخل العالم إلى مرحلة جديدة تختلف كثيراً مع الهيكليات الرئيسية أو العالم السابق. وفي هذا السياق يتم الحديث عن مجتمع معلوماتي عالمي نستطيع أن نشير إلى أهم سماته :

1. إمكانية واسعة لتخزين المعلومات.
2. إمكانية الانتقال السريع للمعلومات عالمياً وفي أبعاد كبيرة.

ومع أن هذا التحول يبدو في النظرة الأولى امتدادا لمرحلة التطور العلمي والتكنولوجي من أجل ارتقاء نمط حياة الإنسان، فإنّنا إذا تعمقنا بالنظر في تمهيدات وأسباب وأرضيات الظهور، والنتائج النهائية، واللاعبين الأصليين لهذه الظاهرة، سنلتفت إلى آثار وأبعاد سلبية مهمة لا يمكن اعتبارها مصادفة (فضلاً عن آثارها الإيجابية).

يقول محمد محفوظ: « ولقد بات واضحاً أن البشرية جمعاء دخلت اليوم في المجال السمعي – البصري، حيث أضحى التلفزيون والشاشات الإلكترونية والنصوص المرئية والمقروءة، هي الوسائط المستخدمة في نقل المعلومة والمعرفة»(3) . ويشير الباحث الفرنسي (مارك أوجيه ) في كتابه (حرب السلام) إلى غزو الصور الذي صار يغطي الأرض كلها، بأنه «غزو يشنه نمط جديد من الخيال الذي يعصف بالحياة الاجتماعية، يصيبها بالعدوى ويخترقها إلى حد أنه يجعلنا نشك فيها، في واقعها وفي معناها وفي المقولات الخاصة بالذات والآخر الذي يتولى تكوينها وتعريفها» (4).

أحد العلماء الذين ألفوا عدة كتب في ظل انفجار المعلومات، عن التحولات العالمية، هو ألفين توفلر (Elvin Tofler)، وفي كتابه «حضارة الموجة الثالثة» ضمن إشارته إلى أن تكنولوجيا المعلومات تمهّد لثورة المعلومات ويسمّيها الموجة الثالثة، يعتقد أن هذه الثورة تمهّد للتغيير وانتقال القوى العالمية. وبعبارة أخرى : إن التقنية الجديدة والمعلومات المدرجة فيها ستكون المصدر الرئيس للثروة والسلطة في المستقبل(5).

واليوم نحن نرى تحقق هذا الأمر في العالم، بحيث أن أصحاب السلطة والثروات يحتكرون أكثر شركات المعلوماتية والاتصالات والأقمار الصناعية وشبكات الانترنت ويديرونها، وهم ينتمون إلى قلة قليلة من الدول العظمى العالمية. «وتبين لنا إحصاءات منظمة اليونسكو أن هناك ثلاثمائة شركة إعلامية هي الأولى في العالم، وجدنا بينها 144 شركة أمريكية و80 أوربية و49 يابانية. ومن بين الخمس والسبعين الأولى في مجال نقل المعلومات إلى الجمهور هناك 39 شركة أمريكية و25 أوربية غربية و8 يابانية. ومن بين الشركات الثماني والثمانين الأولى نجد 39 شركة أميركية و19 شركة أوربية غربية و7 منها يابانية في مجال قطاع الخدمات (المعلوماتية والاتصالات البعيدة المدى). وفي قطاع التجهيزات ومن 158 شركة هناك 75 شركة أمريكية و36 أوربية غربية و33 يابانية، ويوجد الباقي بأكمله تقريباً في الشمال وفي استراليا وكندا (6). وتقسم هذه الشركات إلى ست مجموعات، أربع منها أميركية وواحدة أوربية وواحدة استرالية – أمريكية. هذه المجموعات هي : تايم وارنر (Time warner)، مجموعة برتلزمان (Bertels man)، مجموعة فياكوم (Via com)، مجموعة ديزني (Disney)، نيوز كوربوريشن (News Corporation)، و مجموعة تي. سي. تي. (TCT) »(7).

وقد أشار الكثير من العلماء في العالم العربي إلى أبعاد هذا الأمر العظيم من زوايا مختلفة. وينظر عبد الله عبد الدائم إلى الآثار السلبية لتخزين المعلومات وسرعة انتقالها بوصفها خطراً: «ولا ننسى – فوق هذا كله بل قبل هذا كله – خطراً تزداد حدته يوماً بعد يوم وتستلزم مواجهته جهوداً ثقافية من نوع جديد، ونعني به : خطر التغير السريع المذهل في المعرفة في عصرنا. فالمعلومات كما تشير الإحصاءات – وكما بيّن تقرير نشرته جامعة MIT   الأمريكية (معهد ماساشوستس للتكنولوجيا)- تتضاعف الآن خلال فترة تتراوح بين 18 شهراً و24 شهراً. غير أن هذه الفترة (كما تبين تلك الإحصاءات أيضاً) سوف تتضاءل في نهاية العقد الأول من القرن الحالي فتبلغ حوالي أسبوعين أو ثلاثة أسابيع. وهكذا فالأميون (في القرن الحادي والعشرين) كما يقول توفلر في كتابه الأخير تحول السلطة (power shift) (8)، «لن يكونوا أولئك الذين لا يعرفون القراءة والكتابة، بل هم أولئك الذين لا يعرفون التعلم ثم نسيان ما تعلموه ثم التعلم من جديد» (9).

علينا أن نلاحظ بأن تقنية المعلومات تزيد من معلومات الناس، غير أنها لا تعنى التحليل والتبيين كثيراً. يجب أن نرى، هل مع امتلاك الكثير من المعلومات تكون المجتمعات أسعد أم لا؟ إن لم تكن ثمة قدرة تحليلية للاستخدام المناسب للمعلومات فسيكون الحجم الوافر للمعلومات مشكلة ومسبباً للمشاكل، وحتى يمكن أن تهيئ الإنسان لسلطة الأجانب، والتحليل الصحيح يجب أن يكون مبنياً على أساس الإيمان بقيم الثقافة الخاصة. وهنا من الجدير أن نشير إلى استنتاج وموقف نبيل علي، لأنه يطرح عدة أسئلة في هذا السياق ويشير إلى نقاط عدة ويقول: «هل لنا موضع قدم على شبكة الطرق السريعة لتبادل المعلومات، أو حتى في إحدى حواريها أو أزقتها؟ أم علينا أن نهيئ موقعاً لنا على أرصفتها نشاهد ما يمكن لعيوننا أن تلحق به، ونستنشق عوادمها وقد استهلكت تقانة المعلومات مواردنا الخام من بيانات ومعلومات، تماماً كما استهلكت تقانة الصناعة السابقة عليها مواردنا الخام من نفط وخلافه. وهل ستقضي تقانة المعلومات على التنوع الحضاري (CULTVRAL DIVERSITY ) لتسحق هويتنا وخصوصيتنا وقيمنا كما كادت تفعل تقانة الصناعة بالتنوع البيولوجي (biological diversity ) في عصرنا الحالي؟ ودعنا هنا نطرح سؤالاً محورياً : هل الإفراط المعلوماتي نعمة أم نقمة؟ وكما تساءل ت.س. إليوت: « أين هي الحكمة وقد ضاعت في خضم المعرفة؟». هل يمكن لنا أن نستطرد على المنوال نفسه لنتساءل: « أين هي المعرفة وقد تاهت في خضم المعلومات؟»(10).

 

الهوامش:

1- أنتونى گيدنز، جهان رها شده: گفتارهايى درباره يكپارچي جهانى (العالم المتروك: مقولات حول التوحيد العالمي)، ترجمه على اصغر سعيدى و يوسف حاجى عبد الوهاب، نشر علم و ادب، آبان 1387،  ص 33 .

2- نبيل علي،” ثورة المعلومات : الجوانب التقانية” في ” العرب والعولمة” بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، تحرير أسامة أمين الخولي، ط3، 2000، بيروت. ص 116 .

3- محمد محفوظ. “العولمة وتحولات العالم “.المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء –المغرب، 2003، ص72 .

4- مجلة عالم الفكر –العدد3- المجلد 29، يناير / مارس 2001، ص184 .

5- ألفين توفلر، “حضارة الموجة الثالثة “، ترجمة : عصام الشيخ قاسم ( طرابلس، ليبيا : الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع، 1990 ).

6- إحصاءات منظمة اليونسكو المنشورة في : الشاهد (نيقوسيا)،السنة 15، العددان 179-180 (تموز /يوليو 2000 )، ص 22 .

7- عبد الجليل كاظم الوالي،” جدلية العولمية بين الاختيار والرفض” في العولمة وتداعياتها على الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية (سلسلة كتب المستقبل العربي 24)، ط2، 2004، ص22-23 .

8- ألفين توفلر، «تحول السلطة: المعرفة والثروة والعنف في بداية القرن الواحد والعشرين»، ترجمة : حافظ الجمالي وأسعد صقر، دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 1991 .

9- عبد الله عبد الدائم، « مستقبل الثقافة العربية والتحديات التي تواجهها»، (سلسلة كتب المستقبل العربي 29)، المرجع السابق ص294 .

10- نبيل علي، ثورة المعلومات : الجوانب التقانية (التكنولوجيه)، في “العرب والعولمة” المرجع السابق ص117-118 .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This