ملفّات ما العقلانية،أي عقلانيّة؟ (8)

ثمَّة وجوه مختلفة للنظر إلى مفهوم “العقلانية” وإلى الحكم الذي يفصل بين ما هو عقلاني وما هو لاعقلاني. واستناداً إلى هذا الحكم، أصبحت كلمة عقلاني لصيقة ببعض المجتمعات والثقافات والفلسفات، دون سواها. فالمجتمع “العقلاني” هو المجتمع العلمي أو المتقدِّم تكنولوجياً، والثقافة “العقلانية” قد تعني الثقافة العَلْمانية أو التنويرية، والفلسفة العقلية هي التي تنظر إلى العقل على أنَّه الوسيلة الوحيدة للمعرفة وعلى أنَّه الأقدر على بلوغ الحقيقة المطلقة واليقينية.

وقد تجسَّدت العقلانية، في المجتمعات الغربية، بصورة فعلية، من خلال العلم والعَلْمانية، على حدٍّ سواء، ومن خلال إطلاق حرية العقل بهدف معرفة الحاضر والانتفاع به، والتنبؤ بالمستقبل والسيطرة عليه، وتسخير هذا وذاك لخدمة الإنسان وتحريره من جميع أشكال الهيمنة والتسلط والقمع. ولكن، حدث انحراف للعقل عن مساره أفضى إلى تغييرات هائلة عن الغاية المرجوة، وكانت اللاعقلانية هي إحدى نتائج العقل بوصفه صانع التقدم التقني. وهو ما أدَّى إلى وضع العقل موضع النقد من جانب كثير من الفلسفات المعاصرة.

ولو نظرنا إلى انتقادات بعض فلاسفة الغرب للاعقلانية السائدة في المجتمعات الغربية والتي خلقت، في نظرهم، الكثير من الأزمات، لوجدنا في الحلول المطروحة من جانبهم لتخطي هذه الأزمات، صوراً أخرى من اللاعقلانية تجلى بعضٌ منها لدى برغسون وفلاسفة مدرسة فرانكفورت بتقسيم الفاعلية الإنسانية المفكرة إلى مجالين، أولهما، عقليٌّ متخصصٌ في المادة الجامدة، وثانيهما، حدسي -ليس للعقل سلطان عليه -مهمته الولوج إلى أعماق الحياة والروح

فلو عدنا إلى نصوص برغسون، لوجدنا أن جوهر عمل العقل قائم في السيطرة على العالم المادي والانتفاع به وهو، في نظره، حقٌّ مشروع للعقل طالما أنه انحصر في هذا المجال. ولكن رغبة العقل في السيطرة على كلِّ شيء، قد تجاوزت حدود المجال الطبيعي له. فهو يبحث في أشياء كثيرة ويتوصَّل منها إلى نظريات هامَّة، «ونظرياته هذه تريد أن تحيط بكلِّ شيء، لا بالمادة الجامدة التي له عليها سلطان طبيعي فحسب، بل بالحياة والفكر أيضاً.»(1) فالسيطرة التي تحقَّقت للعقل على عالم المادة، والنجاحات التي حققها فيه، فسحت المجال أمامه واسعاً ليمتدَّ بسلطانه إلى ميادين الحياة الإنسانية المختلفة.

ولئن تجلى أعظم تقدُّم حققه العقل في الصناعات الحديثة والتقنيات التي كان لها دور كبير في تحقيق الرفاه لبعض المجتمعات، فإنَّ من أخطر النتائج التي انتهى إليها حبّه للسيطرة الذي نجم عنه صناعة ما يفسد حياة الإنسان ويدمرها. فقد «…كان من المسلَّم به خلال مدة طويلة أنَّ الصناعة والآلة تحققان السعادة للنوع البشري. أمَّا اليوم فلا يعزُّ على الناس أن يلقوا عليها تبعة ما يكابدون من آلام، ويقولون إنَّ الإنسانية ما كانت يوماً أكثر منها اليوم ظمأ إلى اللذة والترف والثراء، حتى لكأنَّ قوة لا تُقاوم تدفع بها أبداً إلى أن تروي أشدَّ رغباتها غلظة.»(2) وعلى الرغم من أنَّ “برغسون” توفي في عام 1941، ولم يشهد التقنيات التكنولوجية والرقمية التي نشهدها اليوم، ولم يعرف النهاية التي انتهت إليها الحرب العالمية الثانية في هيروشيما وناكازاكي، ولا ما تبعها من حروب استخدمت فيها الأسلحة الحديثة، إلا أنَّه كان قد استشعر أنَّ الإنسانية سائرة، لا مفرَّ، في طريق محفوف بالمخاطر، ووصفه لما ستؤول إليه البشرية، هو ما حدث بالفعل.

لقد تحول العقل إلى أداة للسيطرة ليس على الطبيعة فحسب، بل على حرية الإنسان، وأصبحت السيطرة هي الغاية الفعلية التي يسعى إلى تحقيقها، بصرف النظر عمَّا إن كانت الوسائل المستخدمة مشروعة أم محظورة. وهو ما يعني انقلاب العقل على العقل ذاته، وهيمنته على حرية الإنسان وكرامته، فضلاً عن هيمنته على العالم المادي. فالعقل الأداتي أو العقل المسيطر، عقل هادم لكل ما يعترض سبيله، حتى وإن اقتضت مصلحته تدمير الأحياء والعبث بحياتهم.

ويمضي فلاسفة مدرسة فرانكفورت إلى ما مضى إليه برغسون في التحذير من خطر ما سموه بالعقلنة. ويرى “هوركهايمر” أنَّ العقل يقبع في قلب حضارة تتجه به، شيئاً فشيئاً، إلى الاغتراب عن ذاته، وانخراطه في نمط من العلاقات التي تتحكم بمصير الإنسانية بأكملها. وذهب “أدورنو” إلى أنَّ المرحلة التي وصل إليها العقل في المجتمع الرأسمالي الحديث، قد انتهت، في نهاية المطاف، إلى تحوُّل العقل ذاته إلى أداة بيد السلطة التي عمدت إلى ترسيخ أيديولوجيتها، وتسويغ ممارساتها القمعية باسم العقل وتحت شعار العقلنة، فأصبح العقل قوة لاعقلانية مسيطرة على الطبيعة والإنسان، على حدٍّ سواء. ولعلَّ أوضح صور اللاعقلانية قد تجلَّت في إخضاع الثقافة للتصنيع، مما أفضى، في نظره، إلى أزمة استقلال الفن البرجوازي وإلى اقتران هذا الفن بغرق العقل وانخراطه في الأيديولوجية السائدة. ويبرهن “ماركيوز” بدوره أنَّ التكنولوجيا ذاتها، فضلاً عن تطبيقاتها في مختلف الميادين، صارت تجسِّد تسلطاً على الطبيعة والإنسان بطرق ومناهج علمية محبوكة بمكر وخداع. فالآلة التي صنعها العقل وأراد بها تحقيق النفع للإنسان، قد أخطأت طريقها وسارت ضدَّ العقل وضدَّ الإرادة، كما أنَّ المجتمعات الحديثة التي سعت نحو الفردية والاستقلالية، قد انتهت إلى تهميش الفرد وتجاهل ذاتيته.(3)

ويرى “هابرماس” من جانبه أنَّ مصلحة المعرفة التقنية والعملية ترتبط بمصلحة العقل في تحقيق النجاح. وعندئذٍ لا يقاس فعل العقل بمقياس تجريبي محض، ولا بالسعادة التي يحققها للإنسانية، وإنَّما يقاس بمقدار النجاح الذي يحققه المُنتَج في حلِّ المشكلات والتغلُّب على الصعوبات. ومن الواضح أنَّ “هابرماس” ينظر إلى نجاح العقل من منظور آخر على أنَّه إخفاق في الجانب الإنساني، لأنَّه سَلَبَ الإنسان حريته، وأغرقه في حضارة الآلة على حساب سعادته وكرامته.(4)

ولئن انقلب العقل ضدَّ العقل، في رأي هؤلاء الفلاسفة، وسارت المجتمعات الغربية في طريق لاعقلاني، فإنَّ الحلَّ الذي طرحوه لم يكن بأفضل حال من اللاعقلانية التي تزداد خطورتها يوماً بعد يوم. فقد رأى برغسون أنَّ الحل قائم في حصر العقل في مجاله وعدم توسعُّ نشاطه إلى مجال الحدس، لأنَّ في هذا التوسُّع إفساداً للحياة ولشتَّى جوانبها الروحية. وبذلك يكون برغسون قد حدَّد نطاق العقل، من جهة، وفصل، من جهة أخرى، فصلاً حاداً بين جانبي الحياة. ونظراً للطابع الحدسي والصوفي الذي تتسم به فلسفته بعامة، فقد اقترح بديلاً فلسفياً تمثَّل في الدعوة إلى الصوفية من حيث هي، في نظره، باعثة لإرادة القوة في الإنسان، وهو ما من شأنه أن يعيد التوازن إلى الحياة بجانبيها المادي والروحي.

أمَّا الحلُّ الذي ذهب إليه فلاسفة مدرسة فرانكفورت، فيتمثَّل أيضاً، في الفصل بين المجال العقلي والمجال الروحي الذي يشغل الفن الجانب الأكبر منه، وأن ترتبط المعرفة التي تُحرِّر الإنسان بالتأمل لكونه يوجِّه المعرفة توجيهاً صحيحاً، بعيداً عن المصالح الأيديولوجية والسياسية، وبذلك يستقل الفنُّ عن سلطة العقل وتزدهر الحياة الروحية.

وإذا كان في وسع بعض قطاعات الثقافة الغربية أن تذهب إلى اقتراح حلٍّ يتمثَّل في التوفيق بين العقل والحدس، وإذا كان من المسلَّم به أنَّ التطور يجسِّد حقيقة الحياة وماهيتها، فإنَّ التطور التاريخي للمجتمعات لا يكون متكافئاً في كلِّ العالم، بل ثمَّة نسبيَّة تاريخية تجعل هذا التطور رهناً بعوامل متباينة من مجتمع لآخر.

وعليه، فإذا كان “برغسون” ومن بعده فلاسفة مدرسة فرانكفورت محقين في دعوتهم لوضع حدٍّ للعقل لأسباب تتعلق بالتقدم التقني الذي اجتاح كلَّ ميادين الحياة في أوروبا، فإنَّ مبدأ النسبية التاريخية للتطور، هو ما يجعل من الضروري الاعتراف باختلاف واقعنا العربي. وإذا كانت أوروبا قد عاشت زمن الحداثة، وانتقلت إلى ما بعد الحداثة، فما زلنا نحيا قبل الحداثة، وهو ما يتعيَّن علينا السعي والنضال للوصول إلى الحدِّ الأدنى من العقلانية. ومن ثمَّ، فإنَّ الحدَّ من هيمنة العقل الذي ارتآه هؤلاء الفلاسفة ضروري في أوروبا، لا بدَّ أن يقابله، في عالمنا العربي المتخلِّف، إطلاق حرية العقل، والتحرُّر من قيود الموروث.

وإذا كان العقل، في عالم التقدُّم التقني، قد استأثر بدوره ودور الحدس، فكان بذلك، في رأيهم، العلَّة الكامنة خلف فساد الحياة بعامة، والجوانب الروحية بخاصة. فمن غير الممكن القول إنَّ العقل هو العلَّة الكامنة وراء فساد الحياة في عالمنا العربي، لأنَّه لا يمكن وصف واقعنا الراهن بأنَّه نتيجة لتفكير علميٍّ عقليٍّ أو منطقيٍّ، بل إنَّ العقل، في ظروفنا التي لا تخفى على أحد، لم يقمْ بعدُ بأداء ما عليه من واجب اتجاه الوقائع والبنى المتخلِّفة التي لا بدَّ من تغييرها. وبالتالي، يكتسب العقل الحرُّ أهميته _وكذلك الأمر بالنسبة للعقلانية العلمية_ في مواجهة الخرافة والأسطورة للحدِّ من دورهما. وعندها، يتحرَّر العقل وينجح في تحقيق عصر التنوير الحقيقي الذي قد يجعل من العالم الذي يخصُّنا عالماً إنسانياً أو شبه إنساني على الأقل.

الهوامش:

1- برغسون، التطور المبدع، ترجمة جميل صليبا، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع: بيروت، 1981، ص146.
2-  برجسون، منبعا الأخلاق والدين، ترجمة سامي الدروبي وعبد الله عبد الدائم، دار العلم للملايين: بيروت، ط2، 1984، ص300-301.
3-  انظر: طاهر، علاء، مدرسة فرانكفورت: من هوركهايمر إلى هابرماز، مركز الإنماء القومي: بيروت، ط1، [د.ت.]، ص65، 66، 68، 69، 72، وانظر: بوتومور، توم، مدرسة فرانكفورت، ترجمة سعد هجرس، مراجعة محمد حافظ دياب، دار أويا للطباعة والنشر والتوزيع: طرابلس-ليبيا، ط1، 1998، ص78، 79، 87، 100، 101.
4-  انظر: هابرماس، يورجن، المعرفة والمصلحة، ترجمة حسن صقر، مراجعة ابراهيم الحديري، المجلس الأعلى للثقافة: القاهرة، ط1، 2002، ص133، 186.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This