دكتاتورية “الجهل”

“الجهالة أم المصائب”

فرنسوا رابلي

الدكتاتورية لفظ وارد، أصله في اللاتينية  La dictatura  سلطة الشخص الواحد والمتكلم المنفرد. وقد تطوّر المفهوم ليصبح فيما بعد صفة من صفات الانتظام السياسي القائم على الغطرسة والعنف واحتكار الرأي ومعاداة الحرية وردع من  ينادي بها، ولسنا في حاجة لمزيد تعريف الدكتاتورية لأنها بناء ملموس  ومسيطر في المجتمع السياسي العالمي عامةوالعربي تخصيصا.

تستند الدكتاتورية إلى “شرعية” وهمية أو مزعومة أو رمزية،  فتبرّرُ سطوتها الاستبدادية عند البعض مصلحة الأمّة أو الدين أو المذهب أو الطائفة أو الطبقة، ومهما كان سند الاستبداد روحيا  أو ماديا فهو نمط حكم وتحكّم ظلوم غشوم  يمارسه الإكليروس أو الإمام أو الزعيم، العسكرتياريا أو البروليتاريا، فهو لون من ألوان الاستعباد والكليانية الذي يدمّر الحرية عامة وحرّية الرأي تخصيصا.

نعرض في تحليلنا إلى صنف متجدّد من الدكتاتورية، وهي تلك المستندة في شرعيتها الاستبدادية إلى الجهل.

ما الجهل؟

الجهل في تعريفه المبسّط هو عكس العلم بالشيء وغياب المعرفة به  وعدم حضور صورة الشيء في الذهن، وبالتالي فالجهالة ظاهرة بشرية كونية غير أنّ التفريق واجب بين الجهالة الفردية والجهالة الجماعية  أو الجمعية، فكلّ فرد يمكن أن يجهل أمّا الجهل الجماعيّ فسياقه بنيويّ  حضاريّ.

والجهل أيضا درجات : ففيه البسيط المتمثّل في عدم فهم مسألة أو ظاهرة، وهو أمر عاديّ يقع تلافيه بسرعة عند توفّر إرادة المعرفة وتقويض شروط الكسل. والنوع الثاني هو  الجهل الكامل، ويتبلور في مخالفة العلم والقول بعكسه. أمّا النوع الثالث فهو الجهل المركّب، وهو فهم الأمور فهما عكسيا  بخلاف ما هي عليه، أو ما لخّصه ابن سينا في “الفطانة البتراء”.

والجهل حسب الأديان السماوية هو الاعتقاد الفاسد، ففي القرآن يرادف الجهل كلّ ما هو معاكس للعلم والحلم والعقل، ويفرّق القرآن بين الذين “لا يعلمون” وهي براءة، وبين الجهلة وهي خطيئة. فالجاهل هو المصرّ على عدم المعرفة وقد توعّده بالجحيم.

ويعرّف الحكيم الصيني المستنير  كونفيشيوس الجهل بأنّه ليل العقل، وهو أدهم حالك لا قمر به ولا نجوم.

إنّ الجهل ليس عدم معرفة الشيء بل هو ادّعاء معرفته والإيهام بذلك، أو أيضا معرفته بصفة محدودة وجزئية وهلامية.

ويتطوّر الجهل من ظاهرة فردية وجماعوية إلى ظاهرة ممأسسة، وقد جادت عبقرية محمد أركون بتعريف “الجهل المؤسّس” الذي ينتظم في إطار مؤسّسات تعليمية وأكاديمية تعيد إنتاج “الجهل” وتروّج لمناهج تجديده  فيتحوّل الجهل “المؤسس” إلى “مقدّس”.

ما دكتاتورية الجهل؟

تملك دكتاتورية الجهل قوّة قهرية فعّالة ببعديها المعنويّ والمادّيّ، فتحتكر سلطة  “الفعل” و”القداسة” بالهيمنة على المؤسّسات الروحية والإعلامية والتعليمية، وتنصّب نفسها سلطة باتّة للحسم في الثنائيات : المقدّس والمدنّس، الغفران والإدانة، الكفر والإيمان، الخير والشر، الشهادة والخيانة…

تبدأ دكتاتورية “الجهل” بممارسة احتكار الكلام، وينجرّ عن ذلك إسكات المتكلّم الآخر         وإشعاره بأنّ الصمت هو في كلّ الحالات أسلم من الحديث وأهون من المجادلة، كما تحتكر الجهلية الدكتاتورية “المعرفة” وتدّعيها وتصادق على براءة الانتساب الفرعي لها.

تحتكر استبدادية الجهل “الشرعية” الواحدية الانفرادية الرافضة لأيّ منافس أو مواز أو مقابل أو محاور، فتحوّل رأيها إلى الرأي وحزبها إلى “الحزب” وعقيدتها ومذهبها إلى

“العقيدة والمذهب” وزعيمها إلى “الزعيم” الأوحد الملهم.

تعاكس “دكتاتورية الجهل” مسار التاريخ فهي تتحدّى الزمن والظرفية ولا تعبأ بها فتؤطر نفسها في زمن لا تاريخاني عجيب، فتتموقع في ماض قداسي أو مستقبل افتراضي وفي كلّ الحالات فهي تخرج عن سياق الإدراك الموضوعي للزمن. تعتبر نفسها وبكلّ نرجسية متعالية مركزا بل المركز الأوحد.

من مركز “الجهل الاستبدادي” يقع إنتاج الهامش والطوق، والعمل على إدماجه إن أطاع  أو استئصاله إن بقي في ضلاله. وتمتدّ أسلحة الاستئصالية الجهلية إلى كل ما هو لا متماهي مع منظومتها وخطّ سيرها. لا تعترف إلا بمكاييلها وموازينها فهي لا تخرج من الإسقاط إلا إلى إسقاط أفظع. بل إنّها تعتبر ألعاب الأوّلين وطواطمهم وأساطيرهم  ومقدساتهم  رجسا         وجهلا وضلالا، وتدعو لمحو آثارها وتطهير العالم من شرورها، وبذلك تتألّق “الجاهلية الدكتاتورية” لا فقط بخروجها عن السياق التاريخاني بل ايضا بالإدبار عن كل استئناس انثروبولوجي لفهم مجتمعات الماضي المندثرة أو التخطيط لمجتمعات المستقبل المفترضة. تسبح “دكتاتورية” الجهل في بحار العالم لكنها تنجذب أكثر إلى “الميّت” و”الأسود”     و”الأحمر” وجنوب “المتوسط” وشرقه .

لسنا بصدد تطوير مقولة الاستبداد الشرقي بقدر ما نحن في صدد “جغرفة” الاستبداد الجهلي، ولنستدلّ ببعض الأمثلة أو قل لنستعن ببعض الأسئلة في هذه العجالة.

لمن الغالبية في البلاد العربية اليوم؟

للطبيب أم العرّاف

للوصفة أم التميمة

للمخبر أم المزار

للجامعة أم الزاوية

للنقد أم السباب

للعقل أم النقل

للثقافة أم الايديولوجيا

للفكر أم السياسة

للخبير أم البخور

للفن أم للطرب

للصحافة أم الجرائد

للسينما أم الأفلام

للضحك أم للتهريج

للحزن أم للمأتم

للرثاء أم العويل

للحوار أم العنف

للكلام أم الصهيل

للاحترام أم للخوف

للمرأة أم الأنثى

للرجل أم للذكر

للمفتاح أم القفل

للمواطن أم الرعية

للرشاد أم الفساد

 

كل “الديمقراطيات” في العالم اليوم  تعيش خشية دائمة من الجهلة والجهلية والجاهلية، فكيف الشأن بالنسبة لمشاريع الديمقراطية في تونس ومصر وسوريا واليمن ….وباقي البلاد العربية،  إنها ديمقراطيات في مرحلة الدبيب وقد تقبرها  “ديكتاتوريات” الجهل.

كم من عمرو بن هشام في هذه البلاد الرحبة : “وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون  ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون” ( البقرة 14).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق