آسف يا وطني

 

 

لم تعد العقوق تعريفا حصريا لتنكر الأبناء لوالديهم، بل أصبحت أشمل من ذلك بكثير، لأنّ من يتعمّد قتل أخيه الإنسان هو عاق لإنسانيّته وديانته، ومن يلحق الضّرر بالوطن هو عاق لوطنه ومواطنته، ومن يتنكّر لموروث الأجيال السّابقة وما قدّمته من تضحيات وصنعته من أمجاد أضحت محطات تاريخيّة ملكا للجميع، وتنسب للوطن الرّمز الجامع والذاكرة الحاضرة هو عاق للقيم الأخلاقيّة.

 

 

ولأنّني يا وطني في عنصري المادّي منك، من ترابك، ولأنّني خارجك أعرّف نفسي بك ولا شيء سواك، ولأنّي مع كلّ ذلك “أمازيغي” دون عنصريّة ولا تمّيز إلا بالوجود التاريخي في هذا الوطن، تربيّت على العرفان لكلّ من يسدي لي معروفا وطنا وإنسانا، ولأنّي من خلالك تعلمت أن أحبّ العالم والكون موطن إنسانيّتي.

 

 

لذلك كله أقول لك : آسف يا وطني أن يكون من إخوتي من هو عاق، مقصّر في أداء الواجب سهوا أوعمدا.

 

من العقوق للوطن أن لا نقدّم له التهاني بالاحتفال بالمحطات التاريخيّة التي صنعتها الأجيال والقادة والزعماء، ونسبت إلى الوطن رمزا جامعا وذاكرة حافظة وأضحت ملكا عامّا وإهمال الشعوب الاحتفال وإقامة الذكرى يعني عدم التهنئة، ويعني العقوق ليس للوطن الرمز فحسب بل تنكّر ونكران لتضحيّات الأجيال السابقة الذين صنعوا لنا الحاضر، ومن لم يقدّم التهنئة يعجز عن تقديم التعزية، لذلك ولمرّة أخرى أقول لك: آسف يا وطني، أننا صرنا نتجاهل محطاتنا التاريخيّة ولا نحتفل بأمجادنا التي صنعها أسلافنا البررة من الرجال والنساء والشباب والكهول.

 

لذلك أقول لك يا وطني: لا يحزنك إن لم يقدّم لك بعضهم التعزية في مصابك الجلل في هذه الأيام الأخيرة، لأنّ أبناءنا وإخواننا الثمانية الذين قتلوا وذبحوا غدرا في جبل الشعانبي هم ليسوا مواطنين عاديين ماتوا في حادث مرور، بل هم حماة لنا ولك يا وطني، لم يذهبوا إلى الشعانبي في رحلة صيد ولا لنزهة عابرة أو لمغنم يصيبونه، بل ذهبوا من أجل دفع الشرّ المتربّص بك وبنا وقدّموا أنفسهم من أجلنا تغمّدهم الله بواسع رحمته.

 

لذلك كان قتلهم وذبحهم فاجعة تعدّى وقعها في نفوسنا كل ما سبق، رغم أنه لكلّ واحد من المغدور بهم دوره في ما كان يقدّمه سياسيّا وعسكريّا وتمّ استهدافهم جميعا من أجل هذا الدور لا غير.

 

لذلك يا وطني حزّ في نفسي أن يتخلف بعض من أبنائك وبناتك ووجهائك عن تقديم التعازي ولو بالقليل، فقيام البعض يكفي عن الكلّ لا لأنّ المصاب مفزع فحسب وإنّما لأنّ عدم استنكار الجريمة والغدر يعني القبول بها والتعوّد على مشهد الموت والدمّ، وهذا منكر تجب الدّعوة إلى تغييره باستنفار الكلّ للتعبير عن رفضه والتصدّي لمرتكبيه حتى يعودوا إلى صوابهم وإنسانيتهم.

 

خرجت مسيرات في عدّة ولايات ومعتمديات مستنكرة ساخطة معبّرة عن حزنها وأسفها لما حصل لحُماتنا، وكان في ذلك تعزية لك يا وطني، تمنيّت لو أنّ ولاية تطاوين خرجت ولو بالقليل لتقديم واجب العزاء والتضامن لأنّي لا أرضى لها أن تسجّل في تاريخها الحضور في المنكر والغياب في الواجب ولكنها لم تفعل وأرجو أن يكون فاتني السماع أو المشاهدة وأعتذر سلفا إن حصل منها الواجب، لأنّ تونس لكلّ التونسيين وليست لحزب أو حكومة أو دين.

 

ويبقى الأكيد عندي أنّ من لا يفرح لأفراح الوطن ولا يحزن لأحزانه ليس منه، والعاق هو الخاسر أخلاقيّا وإنسانيّا وتاريخيّا لأنّه وكما قال الشاعر “للعصافير جبن وهي طائرة – وللبزاة شموخ وهي تحتضر”…

 

ومرّة أخرى أعزّيك يا وطني وجيشي وأمني بمختلف الرتب والأصناف وأسأل الله أن لا يعيد عليكم وعلينا مكروه وحماك الله يا وطني.

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق