أحمد بوقري: لا مجال للاعتدال أمام الفظاعات المعرفية / ميرزا الخويلدي

عرف الناقد السعودي أحمد بوقري باشتغاله بالقضايا الفكرية والثقافية، ناقدا ومحللا، كما اشتغل بالسرد قاصا. وعلى الصعيد النقدي عرف بكتاباته في «النقد الحضاري»، حيث يرى أن هذا النقد استهواه كمنهج ثوري «كونه أكثر اتساعا في نافذة الرؤية، وأكثر اختراقا لما ورائيات الواقع وخبيئات المستقبل ووعوده المستحيلة».

ولد الناقد السعودي بوقري في مكة المكرمة وتخرج كمهندس مدني في جامعة البترول والمعادن سنة 1979، وعمل 30 عاما في شركة «آرامكو السعودية». ويكتب النقد والقصة القصيرة، وله كتابان نقديان: «الريح والمصباح» و«السيف والندى»، كما أصدر مجموعتين قصصيتين: «خارطة للحزن والزيت»، و«إيقاعات الجوع.. موسيقى العطش». ويعمل على كتابه الجديد الذي يصدر بعنوان: «الراهن.. اليومي.. اللحظي»، وهو عضو سابق لمجلس إدارة النادي الأدبي في الشرقية من 2006 – 2010.

وهنا حوار معه أجري في الدمام حيث يقيم.

* كان كتابك الأول «الريح والمصباح: مقاربات في الفكر والإبداع» الصادر عام 1999 عن دار الكنوز الأدبية، مقاربا للقضايا الفكرية برؤية نقدية، وجاء بعده بعشر سنوات كتابك الثاني «السيف والندى» الصادر عن نادي الشرقية الأدبي 2010.. كيف أثر عامل الزمن في القضايا الثقافية التي عالجتها؟

– هذا سؤال حيوي، إذ إن عامل الزمن، أو عامل الوقت – بتعبير شعبي – له تأثير كبير بلا شك في تغيير الأفكار وتغيير الخطابات بل وتغيير زوايا الرؤية، فالقضايا الثقافية والفكرية التي عالجتها في التسعينات غيرها في نهاية العقد الأول من الألفية الثانية بلا أي ذرة شك، وإذ يحيلني سؤالك هذا إلى دراسة مطولة أنجزها الآن بعنوان «الكتابة والزمن» لتنشر في كتابي النقدي الجديد، فإنني لم أتناول الزمن كعامل تأثير أو مفتت للخطابات والأفكار بل تناولته في سياق مختلف تماما كعنصر محايث ومتضام ومتجلٍّ في النسيج الكتابي برمته. فالمحايثة والتضام الزمني لا يعنيان عندي التسكين والتجميد للفعل الإبداعي أو الفكري أو عدم المراوحة، بل يبدوان كعاملي تبدل داخلي وتآكل ذاتي في آن، تبدل للخطابات والأنساق الفكرية وتآكل للقديم المستنفد مفسحا للجديد مساحات تخلقاته المغايرة.

وكما قلت في مقدمة كتابي «الريح والمصباح»، فإن الزمن الكتابي كالنهر لا يمكن النزول فيه مرتين، فما كتبته قد توالد في سياقات خطابية لم تكن فقط متماثلة مع واقعها بل كانت دالة على مرحلة انقضت همومها وإشكالاتها ولحظتها النفسية، ولا يمكن أن تعيد إنتاج نفسها، فاللحظة «النفس – فكرية» المتغيرة انفلتت من دائرتها الآيديولوجية المغلقة إلى فضائها المعرفي اللامحدود.. إذا كان عامل الزمن باعثا ومحفزا على الانتقال الحثيث من الآيديولوجي إلى المعرفي إلى الكوني في النظر إلى تحولات القضايا الثقافية والفكرية كلها في لحظتنا الراهنة.

* السيف والندى

* في كتاب «السيف والندى» تساءلت: «أما زالت للكاتب رسالة؟».. برأيك ما هي رسالة الكاتب، خاصة أنك ترى أن «الدور الرسالي للكاتب قد ولى»..؟

– عندما طرحت سؤال المقدمة في «السيف والندى»: هل للكاتب رسالة؟ لم أكن لأنفيها بل لأؤكدها، إنما الذي انتفى في رسالة الكاتب راهنا هو الصورة القديمة الاستعلائية، صورة الذي يعرف وحده.. فبعد أن كان في الخمسينات وما قبلها وما بعدها بقليل يكتب تحت ظلال الحقيقة المطلقة الناجزة، وعن واقع ماثل صلد لا بديل له، صار يكتب تحت إلحاح نزف معرفي داخلي قلق، ونتيجة لضغط حرقة هائلة من الأسئلة القلقة، يبحث عن واقع افتراضي حلمي، واقع «virtual» متخيل لا يشبه المعاش، كما صار الكاتب يبحث عن الأجوبة عند قارئه، ورسالته تحولت إلى حث المتلقي على البحث معه عن إجابات لها معنى في الواقع والتاريخ والمصير، نزل الكاتب العربي عن عليائه وركب مع قارئه قاربا واحدا وأبحرا معا نحو أفق الحقيقة المغايرة.

* في الكتاب ذاته أنت ترى الكتابة «إما أن تصفع وتنزل كالسيف القاطع على قباحات ما ترى، وإما أن تحط عليه رشيقة في حنو الندى.. وفي كلتا الحالتين لا تحتمل الحياد».. ألا يعبر ذلك عن قطيعة مع الاعتدال، على نمط تقسيم العالم إلى فسطاطين؟

– لا.. لا مجال للاعتدال.

ثنائية عنوان كتاب «السيف والندى» فرضت رؤيتين وموقفين لا ثالث لهما، الحياد في الموقف تمييع للرؤية وتخليط في الخطاب لم أرتضه يوما. الذين يدعون إلى التوفيقية والوسطية لا يملكون الرؤية المتماسكة ولا الموقف الواضح. هناك قباحات وتجاوزات وفظاعات مخيفة في متن الكتابة اليومية وسلوكياتها وأخلاقياتها، وهناك في المقابل جماليات واتساقات وروح رفيعة وحضارية في كتابات أخرى وفي واقع آخر.. كيف تزن هذا بذاك؟

هل على الكاتب أن يقف على الحياد؟.. أم يحط بسيفه هناك، ويقطر بندى وردته هنا؟

هذا ما تنبه إليه شاعرنا المتنبي منذ قرون حينما قال:

«وضع الندى في موضع السيف بالعلا

مضرُ كوضع السيف في موضع الندى».

* النقد الحضاري

* الدكتور عبد الله الغذامي كتب عن النقد الثقافي، وأنت تحدثت عن النقد الحضاري. ما هي طبيعة هذا النقد، وبماذا يختلف عن النقد الثقافي؟

– النقد الحضاري أول من كتب به وعنه – عربيا – المفكر الفلسطيني الراحل هشام شرابي، وهو جاء بخلفية اجتماعية معرفية شديدة الحساسية في تماسها التجريبي المرهف والدقيق مع الواقع السياسي العربي وسياقات الصيرورة والتغير في نسيجه المعقد.

إذ ذاك استهواني هذا المنهج النقدي الثوري كونه أكثر اتساعا في نافذة الرؤية، وأكثر اختراقا لما ورائيات الواقع وخبيئات المستقبل ووعوده المستحيلة، إلا أن النقد الثقافي بالتأكيد غير منفصل عن فضاءات هذا النقد الحضاري في مقارباته، وإن أساء إليه الغذامي بإسهاماته المتهافتة وتعسفات فهمه للنسق وتعاليه عن التماس مع الواقع الحي وتجربته الجمالية والتاريخية.

وللحقيقة فإن النقد الثقافي مهووس بمعنى الظاهرة – النسق والنظام اللغوي والتشكيلي، بل ومهووس بمعنى الخطاب مكتفيا بلغته وبنيته، ذاته لذاته، لا يثمر لا قيمة معرفية جديدة ولا أفقا للتغيير، فالكتابة على ضوء هذا المفهوم النقدي الثقافي ليست إلا تعاليا، فجاء منفصلا عن السياقات الأولى لصيرورة الأفكار الكبرى في انبثاقاتها وسيرورتها التاريخية، كما يبدو الكاتب من خلالها منفصلا كليا عن ذاته وتاريخه.

وعلى الرغم من أن النقد الثقافي كما كتب به وعنه محمد أركون وإدوارد سعيد ونصر أبو زيد وإيهاب حسن أرحب بكثير من إسهامات الغذامي المحدودة وتشوهاته النظرية، فإن النقد الثقافي لا يعني الهوس بالظاهرة وبريقها ونسقها، بل يتخطى ذلك إلى ما تحتمله من صيرورات وانباثاقات متجددة.

* طالبت ذات مقال بما سميته قراءة صحيحة وواعية للتوجهات الجديدة لمشروع الدولة الثقافي، الذي وصفته بأنه يتصف بـ«قبول التعددية الثقافية والانفتاح على الآخر والتسامح الثقافي»، أين تلمست مضامين هذا المشروع على صعيد المؤسسة الثقافية؟

– عندما استشرفت مشروعا ثقافيا ناهضا للدولة في السنوات القليلة الماضية (2006 – 2010) كنت صادقا مع قناعاتي ومتسقا مع الواقع الثقافي الحيوي الذي كان يرهص من حولنا بوعوده، ويطلق شعاعاته الأولى في مشهدنا الثقافي القاتم آنذاك. لقد كانت السنوات الذهبية التي عايشناها مع إياد مدني وعبد العزيز السبيل كمثقفين حقيقيين مهمومين بالتغيير الثقافي لكونهما آنذاك مسؤولين مرموقين، تلك السنوات كانت حبلى بوعود ثقافية بهية بعضها أنجز وبعضها الآخر أصابه الإجهاض قبل الأوان.

عناصر المشروع الثقافي الطموح هذا كانت ظاهرة للعيان الثقافي، ولا ينكرها ذو بصيرة، وهي قد تحددت في:

– إعادة هيكلة الأندية الأدبية تمهيدا لمرحلة الانتخاب ومن ثم الاستقلال الأدبي.

– استراتيجية ثقافية وطنية طموحة توضع لأول مرة في تاريخنا الثقافي شاركت في نقاشاتها وبلورة ملامحها أطياف متعددة في مجتمعنا الثقافي السعودي.

– بزوغ ملامح لخطاب ثقافي جديد تبنته الدولة ممثلة في وزارة الثقافة والإعلام أخذ يؤسس لرؤية جديدة في الفعل الثقافي وبدء تشكل خطاب جديد يعي واقع التأخر الثقافي ويستجيب للتغيرات الثقافية العالمية في ظل العولمة مقتربا بالمشهد الثقافي في قلب المشهد التنموي ويضعه كعنصر فاعل فيه.

وأظن أن قراءتي كانت صحيحة في وقتها، وإن شابها الآن بعض القلق من تراجع للمشروع إن لم أقل، توقفه.

* وعي النخبة

* لديك نقد موجع لموقف النخبة الثقافية وتخليها عن مسؤوليتها، تارة تطالبها بـ«تطوير الوعي»، وأخرى تعيب عليها التماهي من أجل مصالحها.. أليست هذه النخبة جزءا من طبيعة المجتمع الريعي، والمكبل بالقيود الموروثة..؟

– لقد قلت إن المثقف وعلاقته الملتبسة تاريخيا بالسلطة في وعيها الكلي هو ما يربك هذا الدور الحيوي الذي ينتظر منه، وخوفه من المجتمع كسلطة اجتماعية ومهادنته للسلطة السياسية هو ما يجعله ينخرط في خطاباتهما ويسقط في مواقفهما المتخشبة، فيعدم في فعله تلك الاستقلالية حتى النسبية منها، فيصبح متماهيا أو مغيبا أو مدجنا، ومن هنا تنتج إشكالية اللا فعل واللا تأثير.

وذات مرة كمثال على المثقف الخائف أو المتماهي ذكرت ذلك النمط من المثقفين الذين يدافعون في تبريراتهم – وهم على قمة السلطة الثقافية – ممتنعين عن الخوض في طروحات فكرية أو نقاشات إبداعية لأعمال إبداعية عدها المجتمع من المحرمات أو صادرتها الجهات المسؤولة وكأن منع هذه الأعمال الإبداعية أو الفكرية يمنع بالنتيجة عرضها أو الحوار حولها، فروايات القصيبي وتركي الحمد أو أفكار عبد الله القصيمي لا يجوز مناقشتها في منابرنا، كونها لم تفسح من قبل وزارة الثقافة والإعلام أو لم يتقبلها المجتمع بعد، وطرحت سؤالا مرا وقلت: أي منطق يقترفه مثقفنا في حق نفسه وحق مسؤوليته التاريخية في تطوير الوعي السائد؟

* لماذا ينكفئ المثقف عن أداء دوره، أمام حضور طاغ للخطاب الديني؟

– ما تقول إنه حضور طاغ للخطاب الديني هو نتيجة لتراجع ثقافة الأسئلة عند مثقفنا المعاصر. فغياب السؤال الفلسفي في وعينا الجمعي هو غياب ثقافي بامتياز، فالمثقف ظل خجولا في تأسيس دور الفعل والنقد والمساءلة، فارتمى من حيث لا يدري في طروحات نقيضة مهمتها تثبيت النقل واليقينية واليأس من مهمات التغيير، فصار سؤال الفتوى الدينية سؤالا ثقافيا بديلا. فالعقل الجمعي للأسف شلت قدراته وأهدرت طاقاته الإبداعية بقهر خارجي، فغابت عنه القدرة حتى على التفكير في أموره ودقائقه الخاصة والصغيرة والمبتذلة حينما استوحشت الفتوى الدينية فصارت كهفا يلجأ إليه كل من احتاج الاحتماء من النور المختلف والقول المختلف.

* نهاية الليبرالية

* بين قول الغذامي إن الليبرالية السعودية انتهت وهي بلا مشروع ممنهج، ورأي تركي الحمد بأن مستقبل الليبرالية في المملكة مشرق، وقول سعيد السريحي إن «مجتمعنا أكثر إيمانا بالحداثة».. كيف تراها أنت؟

– ما يثير انتباهي دائما في أحاديث ناقدنا عبد الله الغذامي هو تلك اليقينية والنسقية التي ينتقدها.. لكنه يكتب بها ومن قلبها الأجوف. فعنده الليبرالية السعودية انتهت وكأنها بدأت وطرحت منهجها ومشروعها وفشلت.. تماما كما هي اليقينية ذاتها عندما ينفي وجود رواية سعودية ولا يرى غير «بنات الرياض».. وهكذا يخلط الشخصي بالمزاجي باللاموضوعي باللاتاريخي، مما يدل على أن النقد الثقافي لديه مصاب بعوار حقيقي. الليبرالية ليست مشروعا كاملا تماما كالحداثة التي يقول عنها «يورغن هابرماس» حداثة متواصلة غير مكتملة ما زالت المجتمعات الغربية تعايشها. والليبرالية رؤية كونية تنبني في سياق التحرر من قيود التاريخ وقيود المعنى المطلق.. وهي ضرورة للتحرر البشري برمته لأنها هي التحرر في جذره الأول.. ضرورة كامنة في العقل البشري. وقد انتقل العقل الغربي من مستوى هذه الضرورة إلى مستوى حرية التجاوز. فهل انتقلت مجتمعاتنا العربية ومنها مجتمعنا السعودي من هذه الضرورة المؤجلة إلى الضرورة المستأنفة؟

هل انتفت ضرورة التحرر الفكري من التعصب والتشدد؟

هل انتهت ضرورة التحرر الذاتي من معوقات الإبداع الفردي والوصاية الأبوية؟

هل انتهت ضرورة التحرر المجتمعي من إكراهات الاستبداد السياسي وصولا إلى حرية التعدد وحرية تداول السلطة السياسية؟

إذن هي لم تنته يا دكتور عبد الله (الغذامي).. بل لم تبدأ حقيقة.. فأجدني متفقا مع تركي الحمد كونها أحد وعود المستقبل.

* لديك مجموعتان قصصيتان: «خارطة للحزن والزيت» (1994)، و«إيقاعات الجوع.. موسيقى العطش».. أين وصل مشوارك في عالم السرد.. ألم يراودك إغواء الرواية..؟

– جميل هذا السؤال.. يأتي أخيرا بمثابة استراحة في ظلال الإبداع المنعشة بعد هذا الركض الفكري في هجير الأسئلة الحارقة المتلاحقة..!

قد لا تعلم أن مشواري الكتابي قد بدأ من نقطة السرد ونبعه.. من بوابة القصة القصيرة التي كانت مخدتي ولحافي الإبداعي في ليالي الشباب الحالمة.. كنت لا أصحو من نومي إلا وقد حلمت بأنني كتبت القصة القصيرة كما كتبها تشيكوف أو يوسف إدريس.

السرد بادئة الوعي الجمالي.. إلا أن الشاشة الداخلية تحولت لدي إلى شاشة أخرى عندما أخذت أعب بنهم من كتب الفكر والفلسفة والنقد بينما طفل السرد كان يطل بين آونة وأخرى كأنه يذكرني بوجوده الراعف بما وراء الشاشة الآخذة في الاتساع.

رصيدي القصصي حتى الآن لا يتجاوز المجموعتين، وفي الحقيقة أتألم لعدم إخلاصي بشكل كاف لهذا الفن الذي يستحثني على الإمساك به، إلا أن القصة القصيرة تقزمت فصرت أكتبها شذرة، أو ما يسمى الـ:ق.ق.ج. وعندي منها كم لا بأس به، فهل بعد التقزم السردي هذا من عملقة متحولة إلى رواية؟!.. أشك في ذلك.

عن جريدة الشرق الأوسط

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق