أطالب حركة النّهضة بالحسم : أيّ الرّأسين تريد؟ / رجاء بن سلامة

“ﺗﺎرﯾﺦ ﺑﻼدﻧﺎ اﻟﻣﺷرق… ﺑروزأﺻوات ﻧﺷﺎز ﻣن داﺧل اﻟﻣﺟﻠس اﻟوطﻧﻲ اﻟﺗﺄﺳﯾﺳﻲ وﺧﺎرﺟﮫ ﻟﻠﺗﺷوﯾش واﻟﺗﻧﻐﯾصﻋﻠﻰ اﻟﺷﻌب اﻟﺗوﻧﺳﻲ ﻓرﺣﺗﮫ… ﻧﻌﺑرﻋن ﺗرﺣﯾﺑﻧﺎ ﺑﻛل ﻧﻘد إﯾﺟﺎﺑﻲ وﺑﻧﺎء ﯾﺻب ﻓﻲ ﺧﺎﻧﺔ اﻟﺻﺎﻟﺢ اﻟﻌﺎم… ﻧﻌﺑرﻋنﻋزﻣﻧﺎ ﻟﻣواﺻﻠﺔ ﺧدﻣﺔ ﺷﻌﺑﻧﺎ ﻛﻠﻔﻧﺎ ذﻟك ﻣﺎ ﻛﻠﻔﻧﺎ ﻓﻲ إطﺎر اﻟﺷرﻋﯾﺔ وﺑﺎﻟوﻓﺎء اﻟﺗﺎم ﻟﻘﯾم ﺛورة ﺗوﻧس اﻟﻣﺟﯾدة. وأﻣﺎ اﻟزﺑ د ﻓﯾذھب ﺟﻔﺎء وأﻣﺎ ﻣﺎ ﯾﻧﻔﻊ اﻟﻧﺎس ﻓﯾﻣﻛث ﻓﻲ اﻷرض.. ”

ليست هذه خطبة فخريّة تجمّعيّة من خطب بن علي، بل بيان صدر عن رئاسة المجلس الوطنيّ التّأسيسيّ يوم 27 أفريل 2013، إثر نشر المسوّدة الأخيرة للدّستور وإثر موجة الاحتجاج والغضب التي صاحبتها.

ما معنى النّقد الإيجابيّ؟ و”النّقد البنّاء”؟ ولماذا يحنّ القائمون على المجلس التّأسيسيّ إلى هذه الأساليب الدّفاعيّة التي تذكّرنا بأسوأ ما في العهد البائد؟ ثمّ كيف نبدع دون أن نهدم التّقليد ومنظوماته؟ وكيف نبني المؤسّسات الدّيمقراطيّة دون أن نهدم السلّوكيات والذّهنيّات اللاّديمقراطيّة؟ وما معنى “أصوات النّشاز”؟ أليست ردّة الفعل هذه ناتجة عن استبطان ذهنيّة “العدوّ الدّاخليّ” بدل استبطان القيماالدّيمقراطيّة التي تقبل التّعدّد والنّقد والاختلاف مهما كان مأتاه؟ لماذا يصرّ حكّامنا الجدد على وضع الفكر في قوارير وقراطيس لتقييد حرّيّة التّعبير؟

عندما قرأت هذا البلاغ تذكّرت الكوميديا، والأقنعة القرطاجنّيّةوالبونيقيّة، والهزل والهجاء والمرح واللّهو، والضّحك الذي يكرهه رهبان العصور الوسطى ويكرهه أصوليّو اليوم. أحاطت بي أطياف أريستوفان وأبي نواس وابن الرّوميّ والمعرّيّ فقرّرت أن أهجو هذه المسوّدة كما كان يفعل هؤلاء في فنّ الكوميديا أو في فنّ الهجاء. لا بدّ من مقاومة العبوس الأخلاقويّ القادم علينا من اللّغات الخشبيّة ومن الصّفويّة الأصوليّة. لا بدّ من الكاريكاتور رسما وتفكيرا لإبراز العيوب التي تخفيها مقتضيات “المحترم سياسيّا”.

بدت لي مسوّدة هذا الدّستور كائنا فظيعا ذا رأسين : رأس ديمقراطيّة ورأس لاهوتيّة –سياسيّة. رأس “باسم الشّعب” ورأس “على بركة الله”. رأس للحقوق الكونيّة ورأس للخصوصيّات الثّقافيّة. أعبّر هكذا بالصّورة على ما بيّنه خبراء القانون بالحجّة وبالتّفصيل.
قد يتبادر للذّهن أنّ هذا الازدواج ناتج عن وجود انشطار داخل المجتمع والمجلس التّأسيسيّ بين الدّيمقراطيّين أو العلمانيين وبين الإسلاميّين. هذه القراءة غير كافية. فحزب حركة النّهضة نفسه، إذا تأمّلنا أدبيّاته وجدناه كائنا ذا رأسين، وهو غير قادر إلى حدّ الآن أن يكون ذا رأس واحد.

وحجّتي على ذلك هو أنّ للنّهضة دستورا مصغّرا تسمّيه وثيقة “الرّؤية الفكريّة والمنهج الأصوليّ” وتحافظ عليه كالدّرّة المكنونة في موقعها الرّسميّ.

تمّ إقرار هذه الوثيقة في المؤتمر العامّ للحركة في ديسمبر 1986، ثمّ نشرت في لندن سنة 1987 عن دار الصّحوة للطّباعة والنّشر، وتمّ تجديد التّمسّك بها في المؤتمر العامّ الذي انعقد بالخارج سنة 2007. وهذه الوثيقة تعتمد نظريّة للحقيقة وللتّأويل مغرقة في التّقليد والانغلاق، ومتناقضة مع مبادئ الدّيمقراطيّة وحقوق الإنسان، ومتناقضة مع التزامات حزب النّهضة مع المعارضة اليساريّة في إطار هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات. فهذه الوثيقة :
1- لا تقبل بمبدأ النّسبيّة بل تكرّس “اليقينيّات” والثّوابت. فممّا جاء فيها : “…كلما صحت العقيدة وسلمت من الشذوذ والانحراف، كلما (كذا) استقامت صور الحياة واندفعت نحو الأفضل والأكمل. ولـمّا كان للعقيدة مثل هذا الدور في حياة الإنسان وصلاح الكون، اقتضى ذلك انبناؤها (كذا) على اليقين الذي لا يرتقي إليه احتمال، ولا يداخله ظن. وإن عقيدتنا لتستقي أركانها من القرآن الكريم والسنة المتواترة، وتستقي فروعها من ظواهر الكتاب المعضدة بما صح من أحاديث نبوية مجتمعة.”

حزب النّهضة إذن ليس حزبا وفق هذه الوثيقة، بل هو الفرقة النّاجية التي تدرك اليقين “الذي لا يرتقي إليه احتمال” وتسير في طريقه.

2- تغلّب النّقل على العقل، ولا تتساءل عن مدى صحّة الأحاديث النّبويّة، وتحصر الاجتهاد في الفروع، وتقيّد التّأويل بحيث لا يمكن إلاّ أن تؤدّي إلى تطبيق الشّريعة وعدم إبطال أيّ حكم من أحكامها : “وإذا كان سبب الظنية في دلالة النص غموض وإبهام به، فإن التأويل هو طريق الخروج منه بصرف المعنى الأصلي إلى المعنى المجازي، غير أننا نقيد التأويل بشروط تحفظ من الزيغ، إذ كثيرا ما يكون التأويل مدخلا إلى التحلل من بعض التزامات الشريعة، وأهم هذه الشروط: أن يكون التأويل في مجال النصوص ظنية الدلالة أن يقوم على دليل قوي يبرره أن يكون في اللغة ما يسعه منطوقا أو مفهوما أو مجازا أن لا يتعارض مع نص قطعي أو أصل شرعي.”

3- ترفض هذه الوثيقة تنزيل النّصوص في سياقها التّاريخيّ، فهي “تؤمن بعموميّة الخطاب التّشريعيّ، ولا ترى اختصاص النّصّ بظروف نزوله وأسبابه…”

4- تقوم على ثنائيّة أخلاقيّة تتعارض مع كلّ مقوّمات الحداثة الفكريّة. فمّما جاء فيها : “خلق الإنسان مزودا بملكات واستعدادات يميز بها بين الحق والباطل في العقائد، وبين الخير والشر في الأفعال، وبين الصدق والكذب في الأقوال: “إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا” [ الإنسان 3] “وهديناه النجدين” [البلد 10 ]”.

هذه الوثيقة التي تحافظ عليها النّهضة وكأنّها تميمة عابرة للأزمنة تمثّل الرّأس العجوز المطلّة من ثنايا توطئة الدّستور وفصوله، والتي يمكن أن تمهّد لدولة تيوقراطيّة إن لم يتمّ تدارك الأمر.

أمّا الرّأس الثّانية لحركة النّهضة فيمثّلها البرنامج الانتخابيّ للحزب وكلّ الالتزامات التي تعهّدت بها في إطار هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحرّيّات وقدّمت فيها تنازلات هامّة فيما يخصّ المساواة بين الجنسين، وحريّة المعتقد وتطبيق الحدود.

إذن لا يذهبنّ الظّنّ بكم أنّ ازدواج هذه المسوّدة ناتج عن صعوبة البحث عن التّوافق بين الإسلاميين وغيرهم. إنّه ازدواج حركة النّهضة نفسه قد تمّ تكريسه، بحيث يقول هذا الدّستور الشيء ونقيضه. يمنح الحرّيّة ويقيّدها بالثّوابت والخصوصيّات. يعلن عن المساواة بين الجنسين، ويقيّدها بأنّها مساواة أمام القانون، لا بالقانون أو في القانون. يعتمد حيل الفقهاء في الدّستور المدنيّ ليحافظ على دستوره الأصوليّ.

هل ستقوم النهضة مستقبلا بقطع الرّأس الأصوليّ العجوز حتّى يكون جسمها بشريّا مقبولا؟
بدل الاختيار نجد الضّبابيّة الممنهجة، وبدل الحسم نجد التّردّد. فالنّهضة إلى حدّ الآن تريد الرّبح المطلق. ولا تقبل بخسارة الهامّ من أجل أن تربح الأهمّ.

وهنا أصل إلى النقطة الموالية. الكائن ذو الرّأسين هو كاريكاتور أو صورة هزليّة للوسواسيّ. فمن وجهة نظر التّحليل النّفسيّ، يمكن أن نقول إنّ لهذا الدّستور بنية وسواسيّة تظهر في ما يلي :

1- شعور بالقلق يتمّ تصريفه في شكل خوف على الإسلام، وهو خوف ناتج عن الشّكّ في إمكانيّة بقائه، والحرص على حمايته، والشّكّ في مدى نجاعة أساليب حمايته، وهو ما ينجرّ عليه تشديد الحماية. إنّ هذا الخوف في الحقيقة مرتبط بازدواج العلاقة بموضوع الحبّ. وهو ما سنوضّحه في النّقطة الموالية.

2- الازدواج. وهو اجتماع الحبّ والكره بنفس المقدار. بحيث يحبّ الوسواسيّ ويكره ويشعر بالذّنب فيخاف على ما يحبّه ويكرهه. ويتردّد الوسواسيّ : يفعل أم لا يفعل؟ ويشكّ، ويلحّ، لأنّه يريد قطع دابر الشّكّ. ويثرثر لأنّه يريد تبديد الشّكّ. وهذا الدّستور ثرثار مشكاك ملحاح. فالوسواسيّ يتوضّأ، لكنّه يشكّ في أنّ وضوءه نقض، أو في أنّه وضوء صحيح، فيعيد الوضوء.

3-الخوف من الأنثى، والتّعلّق بالأمّ، وتفضيل الأمومة على الأنوثة، وهو ما يظهر في فصل غريب يمجّد الأسرة : “الفصل العاشر : على الدّولة رعاية كيان الأسرة والحفاظ على تماسكها.” فصل لا معنى له، إلاّ تفضيل الأسرة على الفرد والنّظام على الحرّيّة، والخوف من حرّيّة الأفراد، لا سيّما النّساء.

حركة النّهضة حزب لا فرد، ولذلك يمكن أن نطالبها بالخروج من هذه الحالة الوسواسيّة. يمكن أن نطالبها بالحسم : أيّ الرّأسين تريد؟ إمّا هذا أو ذاك. باسم الدّيمقراطيّة والتّعايش السّلميّ، أطالبها بالقطع الرّحيم للرّأس العجوز. وبدل أن يهتمّ بعض أنصارها بختان الإناث عليهم أن يقوموا بعمليّة ختان لجسدهم الإيديولوجيّ والأسطوريّ. إنّها عمليّة إخصاء لا بدّ منها للخلاص من الفظاعة اللاّبشريّة، لا لمجرّد التّجميل.

لا يمكن أن تبقى هذه الحركة مثالا مجسّدا لتناقضات المسلم الشّقيّ : ساق في الحداثة وساق في الشّريعة. آن أوان التّضحية بالجزء من أجل بقاء الكلّ، ومن يريد كلّ شيء يفقد كلّ شيء.

عن جريدة آخر خبر

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق