أفول الدولة العربية المعاصرة .. مصر نموذجاً / السيد‮ ‬يسين‮

ندرك تماماً أنه لا يجوز تعميم الحديث عن الدولة العربية المعاصرة، نظراً للتباين الشديد فى طبيعة النظم السياسية السائدة فيها، والاختلافات فى رؤى النخب السياسية الحاكمة، وللفروق الجسيمة فى عدد السكان، وللتنوع الشديد فى الملل والأعراق.

وبالرغم من ذلك كله, فإن هناك عوامل أساسية تدعو إلى التعميم على الدولة العربية المعاصرة، ولعل أهمها جميعاً سيادة العولمة بتجلياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. هذه العولمة التى هى العملية التاريخية الكبرى التى غيرت من طبيعة المجتمع العالمى، وأصبحت لها أثار نافذة اخترقت الحدود، ووصلت إلى قلب كل دولة فى العالم متقدمة كانت أو نامية.

والتجليات السياسية للعولمة أبرزها ثلاثة: الديموقراطية، والتعددية، واحترام حقوق الإنسان. وأصبحت كل دولة – بما فيها الدولة العربية المعاصرة- مطالبة بالتحول إلى الديموقراطية حتى لو كان نظامها السياسى شمولاً أو سلطوياً. وهذا التحول أخذ طريقه منذ سنوات فى العالم العربى تحت عنوان التحول الديمقراطى بدرجات متفاوتة من السرعة والبطء، وبدرجات مختلفة من الفاعلية والإنجاز، فى ضوء مقاومة واضحة للنخب السياسية العربية الحاكمة للإصلاح، بعد أن تعودوا على ترف الحكم المطلق.

وهذا التحول الديموقراطى يتم بتأثير ضغوط خارجية هائلة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبى والمجتمع المدنى العالمى، وأيضاً نتيجة المطالب المشروعة التى ترفعها جماهير كل دولة عربية بدون استثناء، سعياً وراء الخلاص من ظواهر الانفراد بالسلطة، والاستئثار بالثروة، والقهر السياسى، والظلم الاجتماعى.

وقد أدت ممانعة النخب السياسية الحاكمة فى الوطن العربى طوال عقدى الثمانينيات والتسعينيات إلى اندلاع الثورات فى ثلاث بلاد عربية رئيسية هى تونس ومصر وليبيا، والتى امتد لهيبها إلى بلاد أخرى كالبحرين واليمن وسوريا.

وفى هذه الدراسة الوجيزة ننطلق من فرضية أساسية مبناها أن الدولة العربية المعاصرة -على وجه العموم- دخلت منذ الخمسينيات فى مرحلة أفول مستمرة، ونعنى بذلك التآكل التدريجى فى الشرعية السياسية للنظم السياسية السائدة، وذلك بالرغم من قيام انقلابات فى كل من العراق وليبيا اتخذت شكل الثورات، ولكن تبين مع مرور الزمن أنها كانت مجرد انتقال من نظام سلطوى إلى نظام سلطوى آخر ربما كان أكثر قمعاً، وهو ما أدى إلى انهيار الحكم الديكتاتورى العراقى على يد الهجوم الإجرامى الأمريكى على دولة العراق، بناء على قرار سياسى مضاد للشرعية الدولية، والقضاء على الحكم الديكتاتورى الليبى بناء على ثورة شعبية ساعد على نجاحها تدخل القوى الأجنبية، وعلى رأسها حلف الناتو والولايات المتحدة الأمريكية. ولم تفلت من هذه الدائرة إلا الدولة المصرية لأن الانقلاب العسكرى الذى قام به الضباط الأحرار بقيادة «جمال عبد الناصر» لم يلبث أن تحول إلى ثورة اجتماعية بحكم تأييد ملايين المصريين للمشروع القومى الناصرى، والذى كانت مفرداته الأساسية الاستقلال الوطنى، والحرية السياسية، والعدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة.

ونريد – حتى لا يتشعب بنا الحديث- دراسة حالة مصر على وجه الخصوص.

صعود وأفول الدولة المصرية:

يمكن القول إن الدولة المصرية مرت بعدة أطوار منذ تأسيسها على يد «محمد على الكبير». وليس هناك مجال للشك أن الدولة المصرية الحديثة بناها بصورة متكاملة «محمد على» (1805-1848) والذى كانت له مطامح دولية كبرى، لكى يجعلها الدولة المحورية فى الشرق الأوسط. غير أن الدول العظمى سرعان ما أحست بخطورة مشروعه على مصالحها الاستراتيجية، وهكذا تكاتفت عليه حتى هزمته وقضت على مشروعه التاريخى الذى كان من شأن نجاحه أن يحول مصر إلى دولة عظمى.

وبعد نهاية حكم «محمد على» حاولت مصر أن تجدد مشروعها الحضارى بعد انتقال الحكم إلى الخديوى «إسماعيل» (1863-1879) غير أن الدولة المصرية لأسباب شتى دخلت مرحلة الأفول فى عهد من خلفوا الخديوى «إسماعيل» من عائلة «محمد على».

إلا أنه يمكن القول إن مصر شهدت صحوة ملحوظة منذ صدور دستور عام 1923 حيث ظهرت ملامح المشروع الليبرالى (1924-1952) والذى شهد – بالرغم من الاحتلال الإنجليزى – بوادر تأسيس ديموقراطية مصرية بالرغم من أنها كانت قصيرة، إلى أن قامت ثورة يوليو 1952 التى مثلت قطيعة تاريخية مع عصر النهضة وبدأت مسيرة المشروع القومى، والذى كانت بعض توجهاته المعادية للتعددية السياسية مضادة للقيم الأساسية للمشروع الليبرالى.

وبعد النهاية الفعلية للمشروع الثورى الناصرى عام 1967، وهو تاريخ الهزيمة الكبرى على يد إسرائيل، ورحيل «جمال عبد الناصر» عام 1970 دخلت الدولة المصرية فى عملية تشويه كبرى فى عهد الرئيس «السادات» الذى أعقبه عصر الرئيس السابق «مبارك»، والذى استمر ثلاثين عاماً كاملة ودفع بالدولة إلى قاع الانحدار الكامل بحكم القمع السياسى والفساد والظلم الاجتماعى.

وهكذا يمكن القول إن دراسة حالة الدولة المصرية تقتضى الإشارة إلى أربعة مشاريع نهضوية وهى:

– المشروع الإمبراطورى الذى صاغه ونفذه «محمد على»، المورخون مؤسس مصر الحديثة (1805-1848).

– المشروع الحضارى الذى خططه ونفذه الخديوى «إسماعيل» (1863-1879).

– المشروع الليبرالى (1924-1952).

وهذه المشاريع يمكن اعتبارها مرحلة تأسيس الدولة ويأتى بعد ذلك «المشروع القومى» الذى قادته ثورة يوليو (1952-1970)، والذى يعتبر مرحلة تحديث الدولة.

وعقب ذلك تجئ مرحلة الانهيار التدريجى فى عصر الرئيس «أنور السادات» (1970-1982) وخصوصاً بعد إلغاء الاشتراكية، وبداية سياسة الانفتاح الاقتصادى، وبروز الفجوة الطبقية والتى امتدت وتعمقت فى عصر الرئيس السابق «مبارك» (1982-2011)، حيث ساد القمع السياسى، وشاع الفساد، واتسعت دائرة المظالم الاجتماعية.

وبقيام ثورة 25 يناير التى قضت على نظام «مبارك» بضربة واحدة، كان المأمول إعادة تأسيس الدولة من جديد على هدى شعارات الثورة «عيش، حرية، عدالة اجتماعية» غير أن الأحداث المتلاحقة التى شاركت فيها كل الأطراف السياسية جعلتنا نصل إلى مرحلة تهدد بتفكيك الدولة.

أولاً ــ تأسيس الدولة:

تدور مرحلة تأسيس الدولة المصرية حول ثلاثة مشاريع متمايزة، وهى المشروع الإمبراطورى الذى صاغه «محمد على» (1805-1848)، والمشروع الحضارى الذى وضع أسسه الخديوى «إسماعيل» (1863-1879)، وأخيراً المشروع الليبرالى (1924-1952) ،والذى كان ثمرة ثورة 1919، وما تلاها من وضع الدستور المصرى الرائد عام 1923.

(أ) المشروع الإمبراطورى:

هناك إجماع بين المؤرخين على أن محمد على باشا والى مصر الذى ولد عام 1762 وتوفى عام 1849 هو بانى مصر الحديثة. ويمكن القول بدون أدنى مبالغة أنه بنى مصر الحديثة باعتبارها امبراطورية على غير مثال. وذلك لأنه حين استتب له الأمر فى حكم مصر بعد صراعه الدامى مع خصومه المماليك، وبعد أن حيد مشايخ الأزهر وعلى رأسهم عمر مكرم، الذى رشحه لولاية مصر، صاغ مشروعا متكاملا لتحديث مصر.

ولن نستطيع لضيق المقام أن نرصد التاريخ السياسى «لمحمد على»، ولكننا سنركز حديثنا على الأبعاد المختلفة لمشروعه الامبراطورى، لكى نبين كيف أن هذا الضابط العثمانى الألبانى الأصل، كانت لديه طموحات عظمى لبناء مصر الحديثة، ليس ذلك فقط، بل كانت لديه رؤية إستراتيجية متكاملة، شملت تحديث كل الميادين الاقتصادية والاجتماعية والفكرية وقبل ذلك العسكرية.

ويمكن القول إنه من أكتوبر 1828 وحتى نوفمبر 1831 شرع محمد على فى إجراء سلسلة مترابطة من الترتيبات والإصلاحات شملت البحرية، والجيش، والإدارة، والميزانية، والحسابات، والرى، والزراعة، والصناعة، وذلك على النمط الغربى. وقد مهد محمد على لمشروعه بأن أصدر مجموعة من الأوامر لإخضاع كافة الأراضى المصرية تحت سيطرته.

ويمكن القول أن محمد على قام بثورة زراعية بعد أن أصبحت أراضى مصر فى حوزته بالكامل بعد انتزاعها من أيدى الملتزمين. وقد اعتمد فى تحقيق التنمية الزراعية على مشروع ضخم للرى يقوم على نظام الرى الدائم بدلا من رى الحياض، وبذلك أتاح للأرض أن تزرع ثلاثة مرات فى الدورة الزراعية بدلا من مرة واحدة.

وقد قام «محمد على» بالإضافة للثورة الزراعية بثورة صناعية. فقد أنشأ «محمد على» العديد من المصانع منذ عام 1816، واستقدم الكثير من الخبراء الأجانب والمهندسين الأوروبيين، وأرسل مبعوثين مصريين عديدين لاكتساب المعارف الصناعية من الغرب. كما أنشأ «محمد على» المصانع الحربية التى أنتجت المدافع والبنادق والذخيرة والسيوف والبارود.

وقام «محمد على» بثورة تعليمية كاملة، وذلك لأنه لم يجد فى مصر إلا التعليم الأزهرى التقليدى، ولذلك شرع فى إنشاء مدارس عليا تدرس فيها العلوم الحديثة كالطب والهندسة والصيدلة والزراعة والصناعات الحربية. ولذلك شرع فى عام 1816 فى إنشاء مدارس عالية (المهندسخانة، والطب والألسن، والزراعة). وقد استطاع «محمد على» بذلك أن ينشئ نظاما تعليميا حديثا لمصر لأول مرة، قام أساسا على اكتساب وتحصيل المعارف من منابعها الغربية، واستعان فى ذلك فى بعض القطاعات بأساتذة فرنسيين.

ومن أبرز معالم المشروع التحديثى «لمحمد على» إرساله بعثات متعددة لفرنسا وانجلترا، الغرض منها أن يحصل المبعوثون على شهادات علمية فى تخصصات متعددة أبرزها الطب، والهندسة، والزراعة، والعلوم الحربية، وفنون الطباعة. وقد فطن «محمد على» الى أهمية المطبعة فى نشر المعارف والثقافة فأنشأ مطبعة بولاق عام 1821، وزودها بكل الآلات اللازمة لطبع اللوائح الحكومية، والكتب المترجمة وجريدة الوقائع المصرية.

وكانت أولى البعثات التى أرسلها «محمد على» فى سنة 1809، ثم توالى بعد ذلك إرسال البعثات الى أوروبا بعد عام 1813، وقد بلغ عدد البعثات فى مدة ولاية محمد على 319 طالبا، وكان عدد المبعوثون فى سنة 1836 وحدها 163 .

وقد أصبح هؤلاء المبعوثين بعد عودتهم الى مصر الكوادر العلمية والفنية والثقافية التى قام عليها مشروع محمد على لتحديث مصر.

ومن أبرز المبعوثين الى فرنسا الشيخ «رفاعة رافع الطهطاوى» الذى أرسل لكى يكون إماما لإحدى البعثات. وأصبح هو رائد الفكر العربى الحديث، بحكم تحصيله الثقافى العميق، وقيامه بترجمة عدد من أمهات الكتب والمراجع الفرنسية الى العربية.

ونظرا لبروز عبقريته الفذة وثقافته الموسوعية التى استطاع تكوينها فى البعثة، كلفه «محمد على» بتأسيس كلية الألسن لتخريج مجموعات من المترجمين الأكفاء، والذين ترجموا عشرات الكتب فى العلوم والصنائع والفنون المختلفة.

وقام «محمد على» بثورة إدارية كاملة فى مصر. وذلك أنه عندما تولى السلطة فى مصر عام 1805 أنشأ ديوانا مماثلا للديوان الذى كان قد أنشأه نابليون بونابرت الذى قاد الحملة الفرنسية على مصر وأطلق عليه ديوان «الوالى»، «وجعل اختصاصه ضبط المدينة وربطها، والفصل فى المنازعات بين الأهالى والأجانب على السواء.

وتغير اسم هذا الديوان من بعد، وأصبح اسمه «الديوان الخديوى» وتفرعت عنه إدارات متعددة.

وفى الثلاثينيات من القرن التاسع عشر أصدر «محمد على» قانون (السياستنامة) أو قانون السياسة الملكية.

ويعتبر هذا القانون هو التشكيل الأساسى للحكومة فى عصر «محمد على».

وفى ضوء هذا القانون أنشئت سبعة دواوين هى:

1- الديوان العالى (النظر فى مسائل الأوقاف والقوافل والرى والبريد، والتجارة).

2- ديوان أمور افرنكية (الفصل فى المعاملات بين الأهالى والأجانب).

3- ديوان الجهادية (اختص بأمور الجيش).

4- ديوان المدارس ( شئون التعليم والمدارس والمكتبات).

5- ديوان كافة الإيرادات (يختص بايرادات الدولة ومواردها).

6- ديوان البحر (شئون البحرية والأسطول).

7- ديوان الفاوريقات (شئون المصانع والمعامل).

وهذه الدواوين كانت الإرهاصات الأولى للنظام الوزارى فى مصر، كما يمكن القول إن (مجلس المشورة) الذى أنشئ فى وقت مصاحب لإنشاء هذه الدواوين كان صورة بسيطة لمجلس الوزراء، فقد عقدت عضوية هذا المجلس لمديرى الدواوين السبعة.

ما سبق كان عرضا للملامح العريضة للمشروع الامبراطورى الذى أسسه «محمد على» باشا، والذى كان صاحب عبقرية متفردة، وامتلك رؤية إستراتيجية لتحديث مصر .

(ب) المشروع الحضارى ــ عصر الخديوى «إسماعيل» ــ (1863-1879):

إذا كان محمد على باشا والى مصر هو بإجماع المؤرخين بانى مصر الحديثة، فإن الخديوى إسماعيل (1863 – 1879) يعتبر صاحب مشروع حضارى متكامل، أراد منه تحديث مصر ليس فى مجال البنية التحتية فقط محتذياً فى ذلك خطوط التحضر الفرنسية، ولكن أيضاً فى مجال تحديث البناء السياسى. وإذا شهدت مصر فى عهده أول تجربة نيابية، فقد أمر بتشكيل مجلس شورى النواب، وأصدر المرسوم الخديوى فى نوفمبر 1866 بتكوين المجلس، وتضمن المرسوم قانونين: الأول هو قانون اللائحة الأساسية، والثانى هو قانون اللائحة النظامية.

وقد اختلف المؤرخون فى مجال تقييم الخديوى إسماعيل وإنجازاته، إذ رأى البعض أن مشروعه الحضارى لتحديث مصر لا يقل عن مشروع جده محمد على، وهو تأسيس الدولة الحديثة فى مصر، وذلك لأن مصر شهدت فى عهده فترة زاهية من فترات تاريخها الحديث، وأصبحت مدينة القاهرة عاصمة البلاد عاصمة جديدة، تختلف عن قاهرة العصور الوسطى المتخلفة. ويقدر هؤلاء أيضاً جهوده لتأكيد سيادة مصر واستقلالها فى مواجهة الدولة العثمانية والامتيازات الأجنبية، بالرغم من أن مصر كانت مستهدفة من الدول الأوروبية.

غير أن فريقاً آخر من المؤرخين لا يرى فى فترة حكمه سوى سلبيات متعددة، باعتبار أن حكمه كان مليئاً بالمساوئ التى سهلت للدول الاستعمارية التدخل فى شئون مصر، وذلك لأن سياساته أدت فى النهاية إلى فقدان مصر لاستقلالها الاقتصادى والسياسى.

وفى تقديرنا أنه من باب الموضوعية العلمية لا يجوز تجاهل إيجابيات أى مشروع، ومن الضرورى وضعه فى سياقه التاريخى، لكى نقدر نوع الضغوط الدولية التى مورست عليه، بالإضافة إلى التحديات الداخلية.

ويمكن القول إن الملامح الأساسية للمشروع الحضارى للخديوى «إسماعيل» هى:

«أولاً: التقدم بمصر فى طريق المدنية الحديثة بكل صورها وأشكالها.

يرتبط بذلك ترقية شئون الزراعة والتجارة والصناعة والإدارة والصحة والتعليم والجيش والأسطول.

ثانياً: النهوض بمصر إلى مصاف الدول العظمى.

ثالثاً: الفوز لمصر بالاستقلال السياسى».

(جـ ) المشروع الليبرالى: (1924-1952) :

لا نكون مغالين لو قلنا إن المشروع الليبرالى بدأ بثورة 1919، وانتهى بقيام ثورة يوليو 1952، ولعل أبرز لحظة تاريخية فى هذا المشروع هى إصدار دستور عام 1923.

ويمكن القول إن إصدار دستور عام 1923 هو البداية الرمزية للمشروع الليبرالى. وقد بدأت عملية وضع الدستور فى عهد الملك فؤاد بعد تصريح 28 فبراير عام 1922، والذى تضمن انتهاء الحماية البريطانية على مصر والاعتراف بها باعتبارها دولة مستقلة.

وكان من المنطقى بعد ذلك أن يتم إعداد دستور يقرر مبدأ المسئولية الوزارية أمام البرلمان بمجلسيه، كما يقرر واجبات الأفراد وحقوقهم طبقاً للقوانين والمبادئ الدولية.

وتألفت لجنة فى 13 أبريل عام 1922 سميت «لجنة الثلاثين» نسبة لعدد أعضائها ماعدا الرئيس ونائبه، وذلك لوضع مشروع الدستور، وكذلك قانون الانتخاب. وكان هناك اهتمام بأن تضم اللجنة أعضاء يمثلون كل الاتجاهات الدينية والسياسية فى البلاد. ضمت اللجنة مفتى الديار المصرية وبطريرك الأقباط، بالإضافة إلى مجموعة من كبار الأعيان.

واتخذ حزبا الوفد والحزب الوطنى موقفاً سلبياً من اللجنة التى أطلق عليها سعد زغلول باشا «لجنة الأشقياء» لأن وجهة نظره أن الدستور ينبغى أن تضعه «لجنة تأسسية» منتخبة من الشعب وليس لجنة حكومية. وقد أدت عدم مشاركة حزب الوفد فى عملية صياغة الدستور إلى ظهور جوانب سلبية متعددة، وخصوصاً فيما يتعلق بسلطات الملك فى مواجهة السلطة التنفيذية.

ويمكن القول إن الملك فؤاد – حفاظاً على سلطته المطلقة – لم يكن مرحباً بصدور دستور يقيد من سلطاته. بعبارة أخرى، عملية وضع الدستور كانت تنطوى بذاتها على صراع بين الملك والوزارات المتعاقبة التى توالت على الحكم، واستطاع أن يدخل كثيراً من التعديلات على مشروع الدستور الذى وضعته اللجنة. وأيا ما كان الأمر فقد صدر الدستور أخيراً فى 19 أبريل عام 1923، وكان مختلفاً عن مسودة الدستور الذى وضعته اللجنة.

ولعل أبرز سلبية له هى أنه تجاهل المبدأ النيابى الصحيح، وهو أن الملك يملك ولا يحكم، وذلك لأن السلطات التى أعطاها للملك تجعله يملك ويحكم فى وقت واحد.

ولن تستطيع أن نتعقب بالتفصيل المعارك السياسية الكبرى التى خاضها الملك فؤاد مع الأحزاب السياسية بعد صدور الدستور، والتى كانت تهدف جميعاً فى الواقع إلى توسيع سلطات الملك على حساب كافة المؤسسات الدستورية.

( د) فاروق ونهاية العصر الملكى (1936 – 1952):

توفى الملك فؤاد فى الثامن والعشرين من أبريل 1936 فى عهد وزارة على ماهر التى نعته فى بيان شمل المنادة بفاروق ملكاً على مصر، على أن تتولى الوزارة سلطات الملك الدستورية إلى أن تسلم مقاليدها إلى مجلس الوصاية على العرش، لأن فاروق كان لا يزال فى السابعة عشرة من عمره.

وقد اتفقت الأحزاب على أن يتألف مجلس الوصاية من كل من الأمير محمد على، وعبد العزيز عزت باشا، ومحمد شريف صبرى باشا. وصدق البرلمان على ذلك بالإجماع، واستقالت وزارة على ماهر وتشكلت وزارة مصطفى النحاس الوفدية.

وكانت المفاوضات جارية بين مصر وبريطانيا والهدف منها توقيع معاهدة تحدد التزامات الطرفين. وقد تم التوقيع على المعاهدة فى 26 أغسطس 1936، وقد اسماها مصطفى النحاس باشا «معاهدة الشرف والاستقلال». ويمكن القول إن معاهدة 1936 مثلت علامة بالغة الأهمية فى طريق سعى مصر لقيادة طلائعها السياسية للحصول على الاستقلال الكامل.

وقد تميزت حقبة الملك «فاروق» بالصراعات السياسية بين القصر وحزب الوفد، بالإضافة إلى المشكلات الاجتماعية المحتدمة مما أدى إلى قيام ثورة 23 يوليو 1952.

ثانياً ــ تحديث الدولة .. المشروع القومى (1952-1970):

فى 23 يوليو 1952 قام الضباط الأحرار بقيادة البكباشى «جمال عبد الناصر» بانقلاب عسكرى أسقط النظام القديم وأجبر الملك «فاروق» على التنحى عن منصبه والسفر منفياً خارج البلاد.

والواقع أن هذا الانقلاب الذى سرعان ما تحول إلى ثورة اجتماعية بحكم تأييد الملايين لها كان نتيجة حتمية لتدهور الوضع السياسى والاجتماعى فى مصر فى الفترة من عام 1945 حتى 1952.

ولا نبعد عن الحقيقة كثيراً إذا ما لخصنا المشهد المصرى الذى استمر من عام 1945 حتى عام 1952 بعبارة جامعة، مفادها أن احتدام الصراع السياسى والطبقى فى مصر من ناحية، والمواجهة مع المحتل الإنجليزى من ناحية ثانية، تحول إلى موقف ثورى، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معان فى علم الثورة. ويستطيع المخضرمون من المراقبين السياسيين والمثقفين ممن عاشوا بوعى الأربعينيات والخمسينيات – والكاتب واحد منهم- أن يدلوا بشهاداتهم التاريخية حول هذه الفترة. وقد سجلت بعض الدراسات التاريخية الرصينة صورة بارزة للصراع السياسى والاقتصادى فى هذه الحقبة.

وبغير الدخول فى تفاصيل متعددة لا يسعها هذا المقال، يمكن تلخيص عناصر ومكونات الموقف الثورى فى عدد من المؤشرات التى لا نعتقد أن أى مؤرخ منصف، أو باحث موضوعى يمكن له أن يختلف حولها:

1- أهم هذه المؤشرات هو احتدام الصراع مع سلطة الاحتلال الانجليزى، بعد أن استنفدت كافة الأحزاب المصرية كل الجهود فى المفاوضات مع الإنجليز، باءت كلها بالفشل، نتيجة للتعنت الإنجليزى من ناحية، والصراع الحزبى العقيم من ناحية ثانية. لم تستطع الأحزاب السياسية المصرية فى هذا الوقت، أن توحد جهودها فى إطار جبهة وطنية متماسكة لمواجهة المحتل الغاصب بإستراتيجية انعقد عليها الإجماع الوطنى. وكان آخر صوت ارتفع- فى إطار هذه المعركة السياسية الممتدة- صوت «مصطفى النحاس» زعيم حزب الوفد، حين أعلن – فى خطبة شهيرة – فى أكتوبر 1951 إلغاء معاهدة 1936 التى سبق له أن وقعها مع الإنجليز، قائلاً: «من أجل مصر وقعت معاهدة 1936، ومن أجل مصر أقوم اليوم بإلغائها» واشتعل الموقف بعد ذلك، بين الشعب المصرى وقوات الاحتلال، وتشكلت جماعات متعددة من الفدائيين لشن حرب تحرير ضد القوات الإنجليزية فى القنال، ووجدتها بعض الأحزاب فرصة للمزايدة السياسية، ووسيلة لإعداد تشكيلات مسلحة تابعة لها، لتكون جاهزة فى مجال الصراع حول السلطة فى الوقت المناسب.

أعلنت حكومة الوفد إلغاء المعاهدة، بغير أن تمتلك خطة واضحة المعالم للمواجهة مع قوات الاحتلال، وأصبح الموقف السياسى مفتوحاً لكافة الاحتمالات، فى ظل مناخ زاخر بالمحاولات الجادة لمواجهة المحتلين شارك فيها الضباط الأحرار أنفسهم، بالإضافة إلى تصاعد التصريحات الغوغائية من قبل بعض الأحزاب السياسية التى علا صوتها، فى الوقت الذى كان فيه الإخوان المسلمون يجهزون جهازهم السرى، لمساعدتهم فى الوثوب إلى السلطة.

2- المؤشر الثانى هو تآكل مصداقية النظام الليبرالى بكل مؤسساته السياسية من ملكية دستورية انخفضت أسهمها نتيجة لفساد الملك، وتدخله فى الحياة السياسية، وأحزاب سياسية أضاعت قوتها واستنفذت طاقاتها فى صراعات حزبية عقيمة وخصوصاً بين حزب الوفد وأحزاب الأقلية وبرلمانات مكونة من مجالس للنواب، ومجالس للشيوخ، يهيمن على مقدارتها كبار الملاك المستغلين الذين رفضوا كل سياسات الإصلاح الاجتماعى بصلف طبقى واضح. ويكفى أن نذكر بهذا الصدد أنه قدمت للبرلمان – بمجلسيه- ثلاثة مشروعات للإصلاح الزراعى، رفضت جميعاً. الأول قدمه «إبراهيم شكرى» والثانى قدمه «محمود خطاب، والثالث قدمه «إبراهيم بيومى مدكور» باسم جماعة النهضة القومية. ومن يرجع للمذكرة الإيضاحية المقترحة للمشروع الأخير، سيجد عبارة تحذيرية واضحة وصريحة، مفادها إن لم يطبق هذا القانون، ستقوم ثورة فى البلاد،- كما قررت المذكرة،- «ونحن نريد تلافى قيام الثورة» ولكنها كانت صيحة فى واد، بعد أن أعمت الأنانية الطبقية عيون أعضاء الطبقة المسيطرة.

3- المؤشر الثالث هو ازدياد الفجوة الطبقية بين الأغنياء والفقراء، مما أحدث خللا عميقاً فى البناء الاجتماعى، وأدى إلى توترات حادة، تصاعدت فى شكل هبَّات شعبية عنيفة فى الريف (وحوادث بهوت شهيرة فى هذا المقام)، بالإضافة إلى الاضرابات العمالية العنيفة، والمظاهرات الطلابية الصاخبة، ووصل السخط على الظلم الاجتماعى الفادح إلى إضراب قوات الشرطة ذاتها، وهو حدث فريد فى التاريخ المصرى.

4- المؤشر الرابع هو تصاعد حدة وتيرة النقد الاجتماعى، والتى ستتراوح بين قطبين الأول إصلاحى، يدعو إلى الإبقاء على النظام بشرط ترميمه وإصلاحه، واستحداث سياسات توزيعية بغرض تذويب الصراع الطبقى، والحفاظ على المصالح الأساسية للطبقة المهيمنة، والقطب الثانى ثورى يدعو إلى التغيير الجذرى الشامل للنظام القائم، وإعادة بنائه على أسس وقيم جديدة. وبين هذين القطبين المتطرفين كانت هناك مواقف وسطية شتى ومتعددة.

وقد شارك فى حملة النقد الاجتماعى اليمين، والوسط، واليسار، والمستقلون، بحيث يمكن القول إن حصاد هذا النقد الاجتماعى، والذى مورس فى الصحف والمجلات والكتب، وفى المجالس النيابية، عكس كل ألوان الطيف السياسى فى مصر. فى هذه الحملة المجيدة، لمعت أسماء من كل التيارات السياسية. برز «سيد قطب» بكتابه العظيم «العدالة الاجتماعية فى الإسلام»، وعلا صوت محمد مندور بمقالاته النقدية، وظهرت أصوات الماركسيين المصريين، وتجلت دعوات الليبراليين الإصلاحيين، ومن أبرز منابرهم «جماعة النهضة القومية»، وأسس «خالد محمد خالد» لأول مرة تياراً أصيلاً يجمع بين الليبرالية المنفتحة والنظرة الدينية المستنيرة، بدأه بكتابه التاريخى الذى أثر فى جيلنا تأثيراً عميقاً وهو «من هنا نبدأ» والذى صودر فى طبعته الأولى، ثم أفرجت عنه النيابة، وطبع بعد ذلك أكثر من خمس طبعات.

5- نتج عن موجة النقد الاجتماعى العميقة، والتى انطلقت من اليمين واليسار ملامح مشروع وطنى، كان أبرزها: الاستقلال الوطنى، وعروبة، مصر، وعدم الانحياز، والعدالة الاجتماعية، والحرية السياسية والدعوة لتأميم قناة السويس وبناء قوات مسلحة قادرة وتحديث الإسلام، وإلغاء الفوارق الطبقية الحادة، والإصلاح الزراعى، وتأميم المصالح الأجنبية.

6- المؤشر السادس ولعله أهم هذه المؤشرات جميعاً، لأنه كان هو الباب الذى اندفعت منه الثورة رافعة أعلامها الخفاقة، أنه ليست هناك قوة سياسية قادرة على أن تؤلف تأليفاً خلاقاً بين عناصر المشروع الوطنى للتغيير الاجتماعى، ولا على أن تقود المجتمع بناء على موجهاته ومبادئه.

كل هذه المؤشرات تثبت – بما لا يدع مجالاً لأى شك – تشكل موقف ثورى فى مصر، احتدمت تفاعلاته على وجه الخصوص بين عامى 1950 و 1952. من هذا الموقف الثورى، وبناء على تداعيات متتالية مسجلة فى الدراسات التاريخية، هبت رياح الثورة، التى قادها الضباط الأحرار، وهم مجموعة من الشبان المصريين الذين تربوا فى أحضان الوطنية المصرية بكل تقاليدها المجيدة، وبتأثير رموزها الساطعة: «عمر مكرم»، و«محمد عبده»، و«أحمد عرابى»، و«عبد الله النديم، و«محمد فريد»، و«مصطفى كامل»، و«سعد زغلول». هذه المجموعة الوطنية الرائدة، التى تطلق عليهم بعض الكتابات فى الوقت الراهن «العسكر» هم الذين قادوا أول تجربة مصرية حديثة فى التغيير الاجتماعى والمخطط.

غير أن هذه التجربة الرائدة، والتى أدت إلى تحديث الدولة المصرية من كافة جوانبها، تعرضت للنهاية التاريخية بعد هزيمة يونيو 1967.

ثالثاً ــ تشويه الدولة:

بعد رحيل الرئيس «جمال عبد الناصر» عام 1970 تولى الرئاسة الرئيس «محمد أنور السادات» الذى سيدخل التاريخ باعتباره بطل حرب أكتوبر 1973 لأنه أجاد التخطيط الاستراتيجى للحرب وأشرف على القوات المسلحة التى عبرت خط بارليف لتحرير الأرض المصرية المحتلة إلى أن تحقق الانسحاب الإسرائيلى من كامل الأراضى المصرية.

غير أن الرئيس «السادات» (1970-1981) بعد نهاية الحرب وبداية عصر السلام قام بخطوات جذرية لإلغاء الأسس الإيديولوجية لنظام ثورة 23 يوليو، وخصوصاً فيما يتعلق بإلغاء الاتحاد الاشتراكى العربى، والتخلى عن الاشتراكية، وتبنى الرأسمالية بتطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادى، والتى فتحت الطريق أمام نمو طبقة رأسمالية عريضة ومؤثرة قامت بالمشروعات لتحقيق أقصى درجات الربح، وأدت فى النهاية إلى تهميش الملايين من المصريين من أعضاء الطبقات الدنيا والمتوسطة.

وحين رحل «السادات» بعد واقعة اغتياله فى 6 اكتوبر 1981 وخلفه الرئيس «مبارك (1982-2011) عمق من السياسات الرأسمالية لمصر، مما أعاد إنتاج المشكلة الاجتماعية التى كانت سائدة قبل ثورة يوليو 1952، وهى الفجوة الطبقية الكبرى بين الأغنياء والفقراء فى مناخ يسوده القهر السياسى، والفساد المعمم مما فتح الطريق لاندلاع ثورة 25 يناير.

وقد رصدنا فى كتابنا «ما قبل الثورة: مصر بين الأزمة والنهضة» (القاهرة: دار نهضة مصر 2011)، والذى يضم مقالاتنا التى نشرناها قبل الثورة فى جريدة «الأهرام المسائى» وهى جريدة قومية.. رصدنا انحرافات النخبة السياسية الحاكمة، وعلى رأسها الرئيس السابق «مبارك» والتى أدت إلى تشويه ملامح الدولة المصرية وتحولها إلى دولة سلطوية استبدادية يشيع فيها القمع السياسى، والفساد المعمم، والظلم الاجتماعى فى ظل مجتمع انقسم إلى منتجعات مترفة، وعشوائيات بائسة. كل ذلك أدى إلى اندلاع ثورة 25 يناير 2011.

رابعاً ــ تفكيك الدولة:

الشعار الرئيسى لثورة 25 يناير فى محاولتها الجسورة لقلب النظام السلطوى تمهيداً لإرساء قواعد نظام ديموقراطى حقيقى يعبر عن جموع الجماهير المصرية بكافة طبقاتها وفئاتها الاجتماعية، هو «الشعب يريد إسقاط النظام»، وأصبح هذا الشعار من بعد هو الشعار الرئيسى لكافة الانتفاضات الجماهيرية العربية فى ليبيا واليمن وسوريا.

واليوم التالى للثورة لا يقل أهمية، بل قد يفوق أهمية يوم وقوع الثورة، نظراً لأن هناك احتمالات متعددة.

فقد تفشل الثورة ويعود النظام القديم بصورة أبشع مما كان فى السابق مسلحاً بالرغبة فى الانتقام، وقد تنجح الثورة فى اقتلاع جذور النظام القديم، ولكن قد يترتب عليها وضع سياسى ينجم عنه قيام ديكتاتورية من نوع جديد، أو انقلاب فى توجهات بعض القوى الثورية فيجعلها تسعى إلى هدم الدولة ذاتها، وقد يحدث انفجار اجتماعى يؤدى فى النهاية إلى تفكيك المجتمع.

اليوم التالى للثورة فى مصر بعد إسقاط النظام حدثت فيه أحداث جسام طوال الفترة التى انقضت منذ تسلم المجلس الأعلى للقوات المسلحة السلطة فى البلاد بصورة مؤقتة. ولا نريد أن نقف أمام تفصيلات ما دار فى المرحلة الانتقالية، ولكن أبرز وقائعها قاطبة تشرذم القوى الثورية وتشكيلها لمئات الائتلافات المتناحرة والمتنافسة على الزعامة والوجاهة الاجتماعية والحضور الإعلامى، وإدعاء أنها وليس غيرها من يستطيع أن يحرك الشارع باسم شرعية الميدان. أما الأحداث الكبرى التى تلت ذلك فهى اندفاع القوى السياسية التقليدية، وفى مقدمتها جماعة «الإخوان المسلمين» للقفز فوق قطار الثورة المندفع، ونجاحها – نتيجة أخطاء سياسية فادحة للائتلافات الثورية والقوى الليبرالية واليسارية – فى الحصول فى انتخابات مجلس الشعب والشورى على الأكثرية وشاركها فى ذلك حزب «النور السلفى». ومعنى ذلك إقصاء التيارات الثورية والليبرالية واليسارية من البرلمان لأنها لم تمثل إلا بعدد قليل للغاية.

ومعنى ذلك أن إسقاط النظام الذى نادت به الثورة أدى فى الواقع إلى تأسيس نظام ديكتاتورى جديد أخطر من النظام السابق، لأنه يتحدث باسم الإسلام، وينطلق من توجهات دينية تسعى فى الواقع إلى إلغاء مدنية الدولة، وتأسيس دولة دينية، وإعادة نظام الخلافة من جديد، بحيث تصبح مصر مجرد إمارة من الإمارات الإسلامية المتعددة التى سيحكمها الخليفة الإسلامى المنتظر، والذى كانت تحلم بعودته جماعة «الإخوان المسلمين» منذ بداية تأسيسها على يد الشيخ «حسن البنا». عام 1928.

سقط النظام نعم، ولكن –كما رأينا- أقيمت على أنقاضه ديكتاتورية سياسية دينية تبلورت فى حكم الإخوان المسلمين، ولكن أخطر من ذلك أنه حدثت محاولات منهجية لهدم كيان الدولة المصرية، سواء بطريقة واعية أو بطريقة لا واعية، تكشف عن عدم إدراك خطورة إسقاط الدولة.

وقد بدأت هذه المحاولات من قبل جماعات ثورية خططت لإسقاط مؤسسة الشرطة بأكملها، بزعم أنها بكل أعضائها مارست قمع الشعب واستخدمت فى ذلك وسائل التعذيب المرفوضة، وبلغت ذروة تعسفها فى محاولاتها التصدى لقمع مظاهرات 25 يناير باستخدام القوة المفرطة، مما ترتب عليه سقوط مئات الشهداء وآلاف المصابين.

وقد أدى الهجوم الكاسح على جهاز الشرطة عموماً وبدون تمييز إلى إحداث فجوة عميقة من عدم الثقة بين الشرطة والشعب، مما أدى إلى حالات واسعة من الانفلات الأمنى، بحيث أصبح غياب الأمن إحدى المشكلات الجسيمة التى تواجه المواطنين بعد ثورة 25 يناير.

غير أن أخطر ما حدث من محاولات لهدم الدولة هو الهجوم غير المسئول على المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وصعود الهتاف الشهير «يسقط يسقط حكم العسكر» هكذا بدون التمييز الدقيق بين الوظيفة السياسية للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، والتى يقوم بها بصورة مؤقتة وبين الجيش ذاته.

وخططت ائتلافات ثورية شتى سبق لها أن افتعلت معارك صدامية مع قوات الشرطة لاختلاق معارك صدامية مع قوات الجيش ذاتها، سواء بالمظاهرات الألفية التى توجهت إلى وزارة الدفاع بالقاهرة، أو إلى المنطقة الشمالية العسكرية بالإسكندرية، وكأن الهدف الثانى من إسقاط الدولة بعد إسقاط الشرطة هو إسقاط القوات المسلحة.

وليس هذا مجرد استنتاج من الوقائع، بل إن «الاشتراكيين الثوريين»، وهو فصيل سياسى محدود العدد جهر بأن أحد أهدافه الكبرى هو إسقاط الدولة وإسقاط الجيش.

فكأننا بعد ثورة 25 يناير حصدنا إقامة ديكتاتورية سياسية دينية يتزعمها الإخوان المسلمون والسلفيون، وتم إسقاط الشرطة، وكانت هناك محاولات لإسقاط الجيش، ولكن أخطر الظواهر هو بروز نمط من الممارسات الغوغائية انخرطت فيها مختلف الفئات والطوائف موجهة إلى السلطة فى كل المواقع، وتهدف لتجريدها من كل هيبة وافقادها أى احترام، والهجوم الشخصى عليها.

غير أن موجات السلوك الفوضوى التخريبى برزت مؤخراً فى مظاهرات جماهيرية شتى، وعلى رأسها تلك التى قامت بها جماعات «الألتراس»، وخصوصاً بعد صدور حكم المحكمة فى قضية بورسعيد حيث تجمع الآلاف من أعضائها، وأحرقوا مبنى اتحاد كرة القدم ونادى الشرطة. وقد تحولت روابط المشجعين الرياضيين هذه والمنظمة تنظيماً سرياً دقيقاً وكأنها جماعات «ماسونية» من التشجيع الرياضى إلى العمل السياسى الغوغائى. ويكشف عن ذلك المظاهرة الكبرى التى قام بها «األتراس الأهلى» فى القاهرة مطالبين بالقصاص للشهداء فى بورسعيد، سواء قبل إحالة المتهمين إلى القضاء أو بعد صدور الحكم لعدم رضائهم عنه.

وباختصار يمكن القول إن الفوضى العارمة أصبحت هى السائدة فى البلاد.

هل نبالغ لو قلنا أن هذه هى محصلة اليوم التالى للثورة فى مصر؟

ديكتاتورية سياسية جديدة تتشح بثياب دينية متشددة كفيلة بتخلف المجتمع المصرى قروناً عديدة إلى الوراء، ومحاولات لإسقاط الدولة لكى تصبح فريسة للأطماع الداخلية والخارجية على السواء، وأخيراً السلوك الغوغائى غير المسئول الذى أدى فى الواقع إلى نسف التراتبية الاجتماعية، والتمرد غير العقلانى على السلطة، والزحف المنظم لاقتلاع القيم والأعراف التى قامت عليها المؤسسات فى مصر، ومعنى ذلك تفكيك المجتمع.

كيف يمكن لنا أن نخرج من هذا النفق المظلم؟

ليس هناك من سبيل إلا ممارسة النقد الذاتى من ناحية، وتوجيه سهام النقد الاجتماعى المسئول من ناحية أخرى، والذى لا يكتفى بالإشارة إلى الأخطاء وإنما يعطيها التكييف الصحيح.

وتبقى الحكمة التقليدية صحيحة، وهى أن الثورة قد تؤدى إلى التحرر، ولكنها قد لا تحقق الحرية!

عن مجلة الديمقراطية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق