«الإخوان» ومراجعة أسباب كراهيتهم / محمد خلفان الصوافي

لو أن الذي حدث مع «الإخوان المسلمين» في الإمارات وفي مصر خلال الأسبوعين الماضيين؛ عندما عبرت الشعوب عن غضبها الشديد من السلوكيات التي يقومون بها في مسعى لتمزيق المجتمع وزعزعة الاستقرار أو خلق الكراهية في علاقة الشعب بحكامه… أقول لو حدث هذا، مع أي قوة سياسية أخرى في العالم، لقامت قيادات تلك القوة بمحاولة للتعرف على الأسباب التي جعلت أغلبية الشعب لا تقبلها، وستسعى القيادات إلى تغيير سياساتها وتكتيكاتها لتنال رضا الشعب باعتباره مصدر الشرعية، وهذا هو مسعى كل حكومات العالم.

إنه التصرف الصحيح لمن يُعتقد أنهم زعماء سياسيون حقيقيون، لكن لغة الخطاب التي يستخدمها قادة «الإخوان المسلمين» ويعملون بها أقرب إلى لغة قادة «الميليشيات». فعلى الرغم من أنهم يواجهون رد فعل غاضب على سلوكياتهم، نراهم يلجؤون إلى تهديد المجتمع والتحريض على العنف أو التركيز على استرداد «الشرعية» أو التشكيك في القضاء الذي يعد ركناً من أركان الدولة، وكلها ممارسات لا تخدم الجماعة الآن أو في المستقبل.

الأمر الواضح للعيان أن تصرفات «الإخوان المسلمين» تؤجج الكراهية المجتمعية لهم، وتقودهم إلى طريق اللاعودة، ولن تكون النتيجة هي الرجوع إلى ما قبل ثمانين عاماً كما قال خيرت الشاطر، نائب المرشد، بل يخطون بأيديهم نهاية جماعتهم، وخروجها من الحياة السياسية إلى الأبد.

لدينا تجربة سياسية أخرى ذات بعد إسلامي، وهي التجربة التركية، غير أن بين هذه التجربة وتجربة «الإخوان» مسافة كبيرة من حيث إجادة اللعبة السياسية وفهم قوانينها. فعندما تم تكليف نجم الدين أربكان زعيم حزب «الرفاه» في عام 1989 بتشكيل الحكومة، وكانت المؤشرات المجتمعية آنذاك تُنبئ بأن هذه الخطوة ستكون سبباً في انقسام المجتمع، اختارت قيادات حزب «الرفاه» الانسحاب بهدوء، وآثرت مراجعة أسباب رفض المجتمع لها ودراستها. وتمخضت هذه المراجعة المتأنية والشجاعة عن إفراز قيادات سياسية قادرة على تقديم تجربة إسلامية ناجحة في الداخل والخارج.

أما تجربة «الإخوان المسلمين» في مصر خلال السنة الماضية، فقد أظهرت أن الجماعة تفتقر إلى العقلاء الذين يمكنهم إعادة قراءة التغييرات الحاصلة في المجتمع، والتعامل معها بوعي لتكون عاملاً مساعداً على البناء، وليس التدمير.

نقطتان اثنتان ساهمتا في تشكيل صورة «الإخوان المسلمين» لدى الرأي العام العربي خلال هذه السنة الأصعب على الشعوب العربية؛ الأولى هي غرور قادة «الإخوان» بما حصلوا عليه من خلال اختطافهم للثورات الشعبية، وقد امتد هذا الغرور ليصل إلى بعض منتسبي جماعة «الإخوان» في دول الخليج، وخاصة في الإمارات، عندما تجاوزوا العديد من المسلمات في المجتمع الإماراتي، وعجزوا عن رؤية أهم ثوابته السياسية والاجتماعية، وهي العلاقة الفريدة بين الشعب والحكام. وقد أعلن غرور الجماعة عن نفسه بوضوح في مصر، متمثلاً في التذرع بنتائج الانتخابات للسيطرة على مفاصل القرار، واستبعاد كل القوى السياسية الأخرى التي لعبت دوراً مهماً في الحراك الاجتماعي والسياسي. وتوهم قادة الجماعة أنهم قد أحكموا السيطرة على مصر، وهوّنوا من شأن التحذيرات التي وُجهت إليهم بشأن رد فعل المجتمع الغاضب تجاههم. لقد أعماهم غرورهم عن رؤية الحقيقة التي كانت واضحة للعيان، وهي أن المجتمع كان يلفظهم ويستعد لإزاحتهم، وهو ما حدث بالفعل.

والنقطة الثانية هي شهوة السلطة التي يسعى إليها «الإخوان» منذ ثمانين عاماً، فقد امتلكتهم هذه الشهوة التي بدا خلال الأسبوعين الماضيين أنهم على استعداد لارتكاب كل الفظائع من أجل استعادتها، حتى لو كان الثمن هو دمار الوطن. فكان مدهشاً أنه بمجرد أن أزاحتهم جموع الشعب الرافضة لهم، أصبحت تصرفاتهم تفتقر إلى أدنى درجات الحكمة والمنطق، وتوالت تهديداتهم بالدم والعنف وإحراق مصر وتدميرها، وخرجت عصاباتهم المسلحة إلى الشوارع لترتكب فظائع وجرائم في حق المدنيين سجلتها وسائل الإعلام.

لا يمكن غض الطرف عما فعله «الإخوان»، أو تمرير لجوئهم إلى السلاح لفرض سلطتهم التي نبذها الشعب، وسوف تتسع دائرة الكراهية لهم بعد ما جنته أيديهم، وبما أصابهم من جنون أعماهم عن كل شيء سوى السلطة التي فقدوها بما جنت أيديهم. فقد صموا آذانهم عن صوت الشعب الذي يزعمون أنهم يعملون من أجل صالحه، وذلك بعدما برهن أكثر من 33 مليوناً خرجوا إلى الشوارع لإسقاط حكم «الإخوان» على أن الجماعة لم يعد لها أي شرعية، وأن المجتمع يرفضهم بعد أن أثبتت السنة التي حكموا فيها مصر عجزهم الفاضح عن فهم متطلبات اللعبة السياسية، وأن الأمر أفدح وأعمق من قلة الخبرة التي كان يتشدق بها كثير من المراقبين، ويتجاوز ذلك إلى الفشل الذريع الذي يهدد مستقبل مصر لو تُركت لهؤلاء أكثر من ذلك.

إن احترام خيارات الشعوب وكسب ودها أهم بكثير من محاولة استرداد «الشرعية» المزعومة التي ابتذلوها. ولقد كانت الجماعة نفسها أول من هلل لإسقاط «الشرعية» عن النظام السابق، وحاولوا انتهاكها في دولة الإمارات. كان يجب على الأقل أن يثبتوا أنهم دعاة إصلاح حقيقيون، وهذا هو الوهم الذي حاولوا تسويقه للشعب الإماراتي، في حين اتضح أنهم دعاة تخريب.

«الإصلاح السياسي» أو «التعايش المجتمعي»، من بين المفردات التي يستخدمونها في صراخهم، وهي ليست إلا شعارات يطلقونها في الفضاء. وقد كشفت سلوكياتهم أن نية التعامل مع مطالب الشعب غير متوافرة، ويبقى أن نتعامل مع ما يفعله «الإخوان» في المجتمع على أنهم لا يجيدون سوى لغة القتل، وأن مسألة المنطق السياسي والتنافس السلمي ليست موجودة إلا في تصريحاتهم فقط. أما في الواقع فهي غير موجودة، والتاريخ خير شاهد عليهم.

يتفق كل المراقبين أن الذي أطاح بهذه الجماعة هو أخطاؤها المقصودة، وأن استمرارهم في تحدي إرادة الشعب من شأنه إنهاء الجماعة بالكامل. وعندما يتلقى كل أهل السياسة في أرجاء العالم رسالة واضحة من الشعب ولا يستجيبون لها، فلا يعني ذلك أنهم لم يفهموها، بل يعني فقط أنهم لا يريدون أن يفهموا.

على «الإخوان المسلمين» أن يقتنعوا بأن الشعوب العربية أصبحت مدركة لوعودهم المزيفة وأن الإنسان العربي ولد من جديد وفهم رغباتهم على حقيقتها.
عن جريدة الاتحاد

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This