الإسلام السياسي… وغياب النقد الذاتي / عمّار علي حسن

تفتقر حركة ما يسمى بـ«الإسلام السياسي» إلى ممارسة النقد الذاتي، إلا في حالات فردية قليلة، غالباً ما تم طرد أصحابها من صفوف الجماعات والتنظيمات المسيسة التي حولت الإسلام إلى أيديولوجية فجة أو دعاية سياسية رخيصة. وعلى هذه الحركة أن تعيد النظر في سبع مسائل قبل أن تدعي قبولها بقواعد الديمقراطية، بما فيها تداول السلطة واحترام حقوق الإنسان وعدم المساس بالحريات العامة والفردية. ويمكن ذكر هذه المسائل على النحو التالي:

1 ـ قيام المشروعية على الأمة، بحيث يصبح الشعب هو مصدر السلطة، فعلى رغم أن بعض هذه الجماعات يقول بهذا شفاهة، إلا أن تصرفاتها في الواقع تبين أن قبولها هذا محض تحايل، وأنها تدريجياً تغيّب “الإرادة الشعبية”، وتدعي أنها الأوْلى بالحكم نظراً لاصطفائها المزعوم.2 ـ توحد مرحلتا الصبر/ الدعوة، والتمكن/ الدولة، فلا يكون الفكر والسلوك في الأولى معتمداً على المجاراة والمداراة، بحيث إذا وصل هؤلاء إلى السلطة انقلبوا على قواعد اللعبة السياسية التي أوصلتهم إلى سدة الحكم.

3 ـ تديين السياسة لا تسييس الدين، أي منح السياسة إطاراً أخلاقياً ممكناً، على غرار ما ذهب إليه فلاسفة سياسيون مسلمون أقدمون، أو ما فعله كانط في الفلسفة السياسية الغربية، دون استغلال الدين في الممارسة السياسية، ما يضر بجلاله وقدسيته، ويشكل تلاعباً بعقول الجماهير المصرية المتدينة بطبعها.

4 ـ التماثل لا التمايز، أي الاندماج في المجتمع، وعدم تكفيره، أو احتقاره ونعته بالجاهلية ، ونعت أتباع الجماعات الإسلامية بأنهم “الفئة المؤمنة” أو “المسلمة” أو “الناجية” وغيرهم دون ذلك. وهي الآراء التي بلورها سيد قطب في كتابه “معالم في الطريق”، وأكملها شقيقه محمد قطب في “جاهلية القرن العشرين”، وطبقها بالفعل شكري مصطفى، أمير “التكفير والهجرة”، وحمل اسمها تنظيم نشأ في الثمانينيات من القرن المنصرم، وهو “الناجون من النار”. ومن الضروري أن يمتد هذا التماثل في شقه السياسي والاجتماعي إلى المختلفين في التوجه السياسي والدين، وليس فقط أتباع هذه الجماعات السياسية.

5 ـ الديمقراطية لا الاستشارة، فالديمقراطية بآلياتها العصرية تبدو مطابقة للشوري كما قصدها الإسلام، وكما يرى بعض فقهاء السياسية ومفكريها. أما الثانية، فغير ملزمة، ما يعني تكريس الاستبداد باسم الدين أو الشرع. وهنا يجب أن يفض التنازع النظري، أو الجدل المفاهيمي، حول الشورى والديمقراطية، وخاصة أنه ليس هناك اتفاق بين الفقهاء على كون الشورى أساس الحكم الإسلامي من عدمه، فبعضهم يرى أنها الأساس، وبشكل دائم وثابت، منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وحتى قيام الساعة، وهناك من يؤكد أنها الأساس في زمننا الحاضر، وخاصة فيما لا نص فيه، ويرفض الشيعة أن تكون الشورى أساساً للحكم لا بعد وفاة الرسول ولا في زماننا الحاضر، ويطرحون بدلاً منها “ولاية الفقيه”.

وحاول البعض حل هذه المعضلة عبر اصطلاح توفيقي هو “الشوراقراطية”، وركز آخرون على المضمون دون الشكل، أو اللفظ، باعتبار أن العلاقة بين الشورى والديمقراطية جوهرها المشاركة، وربما يتسنى بتحليل الأخيرة كمفهوم شامل متعدد الأبعاد، وتحليل مفهومي الشورى والديمقراطية كآليتين سياسيتين مرنتين في أشكالهما وأساليبهما، الخروج من دوامة رفض إحداهما، أو الظن باستحالة الجمع بينهما، أو الخلط بين استيراد الطرائق والأساليب الديمقراطية، وبين إحلال المنظومة القيمية الغربية محل المنظومة القيمية الإسلامية، كإطار مؤسسي حاكم لتلك الطرائق والأساليب. وقد يعفينا ذلك أيضاً من الجدل العقيم الذي يفرغ الشورى من محتواها بالزعم أنها غير ملزمة.

وقد حسم الرعيل الأول من التجديديين الإسلاميين في العصر الحديث هذه المعضلة، فالأفغاني لم يكن يفرق بين الشورى والديمقراطية، ومحمد عبده كان يرى أن الأولى مطابقة للثانية، ومحمد رشيد رضا، كان يعتبر الديمقراطية هي حكم الأمة الشوروي. ولكن صعود التفكير السلفي أعاد العجلة إلى الوراء، وجدد الجدل حول مفهومي الشورى والديمقراطية، ورشحت عليهما تصوراته حول الخصوصية والهوية والصراع الحضاري، فزادت المسألة تعقيداً، وهو ما يظهر في بعض خطاب “الإخوان”، الذين يتكلمون عن الديمقراطية لفظاً، ويحصرونها في إجراء واحد هو صندوق الانتخاب، دون تقديم ضمانات لتكافؤ الفرص بين المتنافسين أو وضع قواعد لتداول السلطة، وتسمح للمعارضة بأن تطرح البديل، ولا تكتفي بمجرد تقديم النصيحة إلى الحاكم.

6 ـ الانتخاب لا البيعة، فالأول يعني الاحتكام إلى الجماهير في ظل تنافس، أما الثانية فتبدو مرادفة لعملية الاستفتاء حول شخص واحد. ويبدو هنا من المعيب أن تطالب جماعات الإسلام السياسي بديمقراطية، تتوسلها لتبلغ بها ما لم تصل إليه بالعنف، في وقت يعاني فيه أغلبها غياب الديمقراطية الداخلية. فإذا أخذنا “الإخوان”، نجد أنهم إن كانوا قد جعلوا من قرارات “مجلس الشورى العام” الذي هو بمنزلة السلطة التشريعية للجماعة، ملزمة، وحددوا ولايته بأربع سنوات هجرية، فإنهم لا يزالون رهن مبادئ أساسية تبعدهم عن الديمقراطية، مثل “البيعة”، التي اهتم بها حسن البنا في تشكيل علاقة التنظيم الداخلية، باعتبارها ضماناً لتماسك الجماعة واستمرارها، و”الأبوية”، التي تقوم عليها العلاقة بين القاعدة والقيادة داخل الجماعة، واعتماد “الواجبات قبل الحقوق”، ما جعل الجماعة توسع من الإجراءات العقابية التي تتخذ ضد العضو المقصر في أداء دوره، فضلاً عن “السرية”، خاصة في الفترة التي تعاظم فيها دور “التنظيم الخاص” حتى سيطر على الحكم في مصر، علاوة على تكلس الجماعة وشيخوخة قيادتها وتمركزها، ذهاباً وجيئة، حول “نص” مؤسسها حسن البنا، وتضييقها الخناق على الجيل الجديد من نشطائها، الذين يريدون أن ينزعوها من حضن التقليدية ويرمون بها في قلب الحداثة، وكذلك غياب “البرنامج العصري المتكامل” لديها بما يفقدها أحياناً حسن التعاطي مع المشكلات القائمة، وهو ما بان من الحالة البائسة التي ظهر عليها ما يسمى “مشروع النهضة” لدى “الإخوان”.

7 ـ المصلحة القطعية قبل النص الظني، فالأولى تقدم على الثاني، حسبما حدث غير مرة في عهد الخلافة الراشدة، ولعل المثل الأنصع في هذا الشأن، هو ما أقدم عليه الخليفة العادل عمر بن الخطاب، حين أوقف في عام الرمادة حد السرقة. وهنا من الواجب أن تنتبه الحركات الإسلامية إلى أن الشريعة، التي تنادي دوماً بتطبيقها، “حقوق قبل أن تكون حدوداً”، فالحق هو الأصل، والحد تابع له، أو مترتب عليه، وليس هو جوهر الشرع، كما هو سائد في خطاب أغلب الجماعات التي ترفع الإسلام شعاراً سياسياً لها.

عن جريدة الاتحاد الإماراتية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This