التحولات العربية أدخلتنا جميعاً في أزمة / شاكر الأنباري

التحولات العاصفة في المنطقة أدخلت الفكر العربي بمختلف مشاربه، في بلبلة عارمة، لم يشهد لها مثيلا منذ عصر النهضة وحتى اليوم. وهذا ينطبق كذلك على الوعي الشعبي، الذي يقف حائرا أمام تلك التحولات. هي غير مفهومة، ومتناقضة، وأحدثت رجة في المسلمات، سواء كانت نظرية أم دينية أم اجتماعية. وعلى المدى البعيد، ورغم ما فيها من خسائر وآلام، ستجعل الركود التاريخي لتلك المجتمعات مجرد ذكريات لعصر مضى، كما وضعت الكتلة السكانية كلها، في عين الأزمة. ويمكن المغامرة بالجزم أنها تجاوزت المقولات الماركسية، تحديدا، فالطبقات كلها تعيش تلك التحولات، وتعيش فوضاها، نظريا وعمليا.

من هنا فالملاحظ على نتائج التحولات التي أعقبت سقوط أنظمة قمعية ديكتاتورية، أنها لم تكن ناجحة، أو مقنعة، من جهة الحفاظ على اللحمة الوطنية للشعوب، وهذا ما يمكن رؤيته بوضوح في أكثر من بلد عربي، ومن ذلك العراق. البعض يعود الى نظرية المستبد العادل الذي يستطيع جمع الشعب بمختلف مشاربه تحت مظلته، كما عشنا ذلك طوال عقود، حيث كان النظام يضع الهوية العراقية فوق كل شيء، متجاوزا الهويات الفرعية عبر قمعها، والتغطية عليها، واستبعادها، بل واستخدام قدسية المصطلح لتبرير العسف، والتهميش، والملاحقة، وخنق التعددية والحريات.

إما في أنظمة أخرى مشابهة بعض الشيء كليبيا، فقد أنتج انهيار نظام القذافي اهتزازات اجتماعية واسعة لها علاقة بالروح القبلية والمناطقية. لذلك ثمة تمردات وتخندقات كثيرة أعقبت سقوطه. وكان لهكذا ظاهرة سمة تمزق الهوية الوطنية، وتباعد المشتركات بين مدن وأخرى، أو بين تكوينات إثنية وقبلية ما زالت محكومة بروابط ما قبل الهوية الوطنية، وما قبل الدولة. لكن السؤال هو: هل أن ذلك يعود الى صحة النهج الذي سار عليه الديكتاتور في جمع شمل الشعب، وتوحيد هويته الوطنية؟ أم أن الخلل يكمن في واد آخر؟ في البديل غير الناجح، وتعقيد الملفات والمعضلات المتراكبة؟

نحن نعرف تماما كيف كانت الأحوال الداخلية في ظلال حكام ديكتاتوريين مثل أولئك، ويمكن إيجاد عشرات الأمثلة التي تكذب تلك الفرضية، في ليبيا واليمن وسوريا والعراق، وغيرها من البلدان، وهذا البلد الأخير نموذج جلي على فشل هذه الأطروحة إن تذكرنا مجازر الحروب الداخلية، والمقابر الجماعية، واستخدام الأسلحة الكيمياوية، وضرب الرموز الثقافية والإجتماعية والدينية، وتعطيل الحياة الحزبية طوال كل تلك العقود. وهذا السرد الحدثي يمكن تشخيصه في البلدان الأخرى، المحكومة ديكتاتوريا، دون أدنى عناء. والتصور الشعبي البسيط عادة ما يميل الى دور الديكتاتور في حفظ الأمن، وتوحيد الهويات، ولمّ شمل المكونات سواء كانت دينية أو إثنية تحت مظلته. هذا التصور، ونتيجة لعنف ما أنتجته آليات سقوط الديكتاتوريات، في جانب التشظي الاجتماعي، والحساسيات بين المكونات، وعدم وصولها الى عقد اجتماعي صريح وناجح، يبدو وكأنه يمتلك مصداقيته الخاصة.

لسان حال البعض يقول، وأحيانا نسمع ذلك يتردد في الشارع، قبل سقوط النظام لم نكن نسمع بهكذا تسميات وتوصيفات، ولم نكن نعيش حساسيات حادة بين المكونات. وباعتبار هذا القول هاجسا شعبيا، يمكن أخذه بعين الإعتبار، لكنه لا يرتقي الى مستوى التحليل النظري، والفهم المعرفي. بعد انهيار أي نظام فردي، ديكتاتوري، ينبغي أن يعقبه نظام ديموقراطي، أو على الأقل نظام يستعيد عافية المجتمع بفترة قياسية، كي يكون بديلا مقنعا لحقبة زالت وانتهت. ينبغي أن يكون النظام الجديد بديلا عن سلطة الفرد والحزب، وهذا لا يتم الا بخلق وتطوير مؤسسات بديلة، مثل البرلمان، الحكومات المحلية، سلطة قضائية، سلطة اعلامية، الخ من مقومات الدولة المدنية الحديثة. لكن الملاحظ أن ثمة عجزا في هذا الجانب يمكن رؤيته في أغلب الأنظمة البديلة، وهي حالة موضوعية بشكل من الأشكال، اذ ليس من السهولة بناء مؤسسات ديموقراطية متماسكة بوقت قياسي. أولاً، بسبب ثقل التركة القمعية، والكبت الشامل، وهيمنة الفرد الذي كان بديلا عن المؤسسات. وثانياً، لأن العملية الديموقراطية لها علاقة بالزمان والمكان، وهي ليست وصفة جاهزة تهبط على المجتمع.

هي تفاعلات مستمرة بين التجارب النظرية والنسيج الاجتماعي، وهي تحتمل بعض الأحيان التجريب، الخطأ والصواب، بشرط أن لا تقاد من فرد، انما عبر تخطيط، ومأسسة، واستشراف قد يستغرق سنوات من عمر التجربة. ان تنفتح مكونات المجتمع دفعة واحدة ليس بالأمر السهل، كونه ظاهرة تحدث لأول مرة، في مسيرة الاستبداد الشرقي الذي حكمنا قرونا وقرونا. انفتاح المكونات، ويقظتها، وبحثها عن هوياتها الفرعية، ليس عيباً في التحول الديموقراطي، شريطة أن يكون ذلك محكوما بقوانين وآليات لا تؤثر على السلم الأهلي، وفكرة التعايش. وهذا ما يدعو بإلحاح الى البحث عن المشتركات، والبحث عن المشتركات يرتبط بالمؤسسات الديمقراطية التي يفترض أنها اكتسبت شرعيتها من الجميع.

اكتساب الشرعية من الجميع هو ما يكشف مصداقية العملية الديموقراطية، وهنا تحديدا يكمن الفرق بين حكم ديكتاتوري يوحد المكونات بقوة السلطة وعسفها، وبين عملية ديموقراطية شرعية يتفق عليها الجميع طوعا وقناعة. العقد الاجتماعي في الأنظمة البديلة هو ما تفتقده أنظمة ما بعد الديكتاتوريات، لكي تكون البديل المشروع لحكم تسلطي. معظم الاشكالات تأتي من اختلال عملية إدارة البلد، اذ إن النظرية القائلة بهيمنة حزب وحيد، أو طائفة، أو قومية، على إدارة الدولة ثبت فشلها، ونظرية المستبد العادل لا تتسق مع التطور العالمي في فن ضبط الصراعات، سواء كانت داخلية أو خارجية، وقد تكون هي من خطوط الفشل البارزة في تجارب الحكم الجديدة. هذه الرؤية لا تكون مجدية الا اذا انتقلت من أروقة السياسة، ودوائر صنع القرار، الى الشارع، وهي التي ستشكل الوعي البديل في علاقة المجتمع بالسلطة الحاكمة.

نحن، وحتى هذه اللحظة، ما زلنا في مربع تأكيد الهويات، وإبرازها، وتنشيطها، وتحصينها بموازاة الهويات المجاورة، سواء كانت دينية أو إثنية أو مذهبية. لكن هذه الفسحة المتاحة أغفلت جانبا مهما واستثنائيا من بنية الديموقراطية، ألا وهي ايقاظ وترتيب وتنشيط المشتركات. وهذا ما ينبغي العمل عليه بحذر شديد، وحساسية فائقة، وذكاء مؤسساتي. اذ من دون الأخذ بالاعتبار لهذا الجانب يصعب الاحتفاظ بالسلم الأهلي، وإدامة العقد الاجتماعي. وتتحول المرحلة الديموقراطية الى صراعات قاتلة لا تنتهي بين الهويات، قد يقود الى حروب أهلية، وانقسامات مناطقية، وعاطفية، واجتماعية. الأمر الذي يجعل المواطن البسيط يصدق مقولة المستبد العادل، الذي كان غطاء للجميع، وحاميا لوحدة البلد. وهنا تحل المأساة، وتلعب التراجيديا الفجة لعبتها، حيث تصبح الأوطان ريشة في مهب الريح، وضمن تاريخ لا يرحم الحمقى.

عن جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق