التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط‏:‏ فراغ السلطة /:‏رحاب جودة خليفة

رغم أن أحد أسبابها الرئيسية هي ضرورة إرساء الديمقراطية بأسرع وقت‏,‏ ورغم ما أثارته ومازالت تثيره من جدل واهتمام خلال السنوات الثلاث الأخيرة لكن الانتفاضات الشعبية والثورات في الشرق الأوسط العربي مازالت تعاني من فراغ ديمقراطي وفراغ أكبر في السلطة‏.‏

إذن, كيف يسعي المجتمع لملء هذا الفراغ, بغض النظر عما إذا كان النظام سيسقط أو سيبقي, هو السؤال المطروح لأنه مطلب أساسي لتحقيق الهدف الأول من الثورات وأساس لاستقرار الدول مهما يكن اتجاهها السياسي أو الأيديولوجي. ولذلك, يتميز كتابالتحول الديمقراطي في الشرق الأوسط: فراغ السلطة وللمرة الأولي بأنه, أولا, جاء في توقيت مناسب لأنه يبحث عن مطلب لا بديل عنه بعد اندلاع الثورات; وهو سبل إرساء الديمقراطية وممارستها وسط حالة التخبط التي تعيش فيها دول الربيع العربي حتي الآن. وهو ما يكشف عن عدم فهم حقيقي للممارسة السياسية وتقبل الديمقراطية. وثانيا: فالكتاب يتناول هذا المسار المشترك في سبع دراسات تحليلية في السلطة الناجمة عن الانتفاضات الشعبية مع التركيز علي مصر, البحرين, العراق, لبنان, سوريا, واليمن. وعبر ثمانية فصول جمع محررو الكتاب الذي خرج للنور مع بداية العام الحالي دراسات ومقالات لعدد من الأكاديميين والإعلاميين الغربيين والعرب تثير تساؤلات يطرحها الشارع العربي ويحاول المحررون الثلاثة فك طلاسمها وهم الدكتور هايكو ويمن بجامعة فري ببرلين وزميل المؤسسة الألمانية للدراسات الدولية والألمانية, والبروفيسور لاربي صديقي أستاذ العلوم السياسية في جامعة إكستر البريطانية, وكذلك ليلي الزبيدي مديرة مؤسسة هينريتش بول الألمانية للأبحاث السياسية في جنوب إفريقيا.

ويسعي هذا الكتاب الذي يعد مرجعا للسبل الصحيحة لاتباع النهج الديمقراطي إلي الكشف عن حالة الفراغ الديمقراطي في ثلاثة مجالات مترابطة هي: الديمقراطية والشرعية والعلاقات الاجتماعية. وخلال ذلك, فإن نهجه يرفض اتباع الطرق التقليدية لعلاج الديمقراطية باعتباره عملية خطية, رسمية, نظامية ومنهجية كما يعيد تقييم سياسة القوة وعلاقتها بعملية التحول الديمقراطي. وعبرالفحص الدقيق للحالات الخاضعة للدراسة فإن الدراسات والمقالات التي يضمها هذا الكتاب, تضع القارئ أمام الروايات الأصلية عن كيفية انتزاع السلطة والتفاوض عليها سواء من قبل النماذج الديمقراطية المتعارف عليها أو من قبل أولئك الذين يسعون لإعادة تشكيل الشرق الأوسط العربي عقب ثورات الربيع العربي. وتتناول وجهة نظر هذا الكتاب, علي وجه التحديد, سبل بحث سياسات التحول الديمقراطي عن طريق إعادة تقييم سياسة السلطة بشكل نقدي ومن زاوية أصلية مبنية علي أبحاث وتحليلات وخبرة عملية. وبشكل خاص, فإن هذه الزاوية الأصلية تتناول المحاولات المتنوعة والمختلفة دون مستوي الدولة لإقامة مساحة للنضال الديمقراطي في الشرق الأوسط العربي. وهذه المساحة هي أمر مفترض في هذا الكتاب وتأتي علي شكل فراغ ديمقراطي داخل دولة تعاني من التراجع ونهوض المجتمع.

والتوقيت الرائع لهذه المقالات يظهر بشكل واضح حيث أنها كلها كانت مكتوبة للتركيز علي إمكانات التغيير في بلدان معينة في الشرق الأوسط العربي وقبل انفجار عملية التحول السياسي عقب الربيع العربي في المنطقة. ولذلك فإن هذه المقالات تعد مصادر قيمة لفهم الديناميكية السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعمول بها حاليا, كما أن لها دافعا مشتركا في وصف المساحات التي انفتحت علي أنواع جديدة من النشاط الذي, في وقوعه, يمكننا أن نري كيف ساهم في اندلاع الربيع العربي.

والتركيز هنا علي نشاط يتضح أن الهداف منه هو هي الحصول علي مجموعة أدوات للنضال الديمقراطي بدلا من التنافس علي السلطة أو احتلال الدولة. وتتناول المقالات قدرة الشبكات غير الرسمية التي اعتمدت علي اتصالات الإنترنت لتوفير قواعد للعمل, خصوصا فيما يتعلق بمصر, حيث يعود الفضل في الإنترنت إلي رفع ثقة الناس لتحدي مؤسسات الدولة والاحتجاج في الشوارع. وكذلك في البحرين حيث تعرض الشكل التقليدي للسلطة الدينية إلي التحول من خلال شبكات الإنترنت وأصبحت مكانا للتحدي والنقاش, وممهدة للتغيير السياسي.

وتناول الكتاب أيضا الطرق التي تستخدم فيها النظم السياسية الطائفية لتشجيع الولاءات العمودية للقادة الذين يريدون الاستغناء عن الجهات الراعية المعروفة من خلال شبكات العملاء, سواء كانت علي شكل قبائل كما هو الحال في شمال اليمن, أو الطوائف الدينية في لبنان. وتمكن الكتاب من فحص ذلك من حيث التوقيت والسبل التي تمكن الناس من خلالها من الخروج من سيطرة هذه التحالفات للتنظيم علي خطوط أكثر ديمقراطية وتتعدي حدود الطائفية. وفي ضوء ذلك, يحلل الكتاب أيضا الجهود الملموسة للحركة المناهضة للاحتلال في العراق.

والحواجز التي تحول دون القدرة علي العمل ضد الدولة دون التعرض للسجن أو التعذيب, وكذلك لكتابة مدونة أو نشر مواد معادية للدولة, أو للبدء في تطوير الوسائل الديمقراطية للتنظيم, هي إلي حد كبير يختص بها تاريخ كل بلد. وفي الفصل الثامن المتعلق بتفاصيل الأوضاع في سوريا يوضح كيف أن التغييرات الاقتصادية ربطت مجموعات اقتصادية جديدة في النظام السياسي القائم ويعطي نظرة ثاقبة لماذا كانت سوريا تفتقر إلي المعارضة المنظمة من العاملين في القطاع العام الذين عانوا من وطأة الخصخصة.

والنهج المتبع في هذه المقالات تم وضعه بشكل متعمد خارج الطرق التقليدية في التحليل الاجتماعي. وتبرأت المقالات عمدا من وضع عبارات مثل الاشتراكية والشيوعية, والماركسية في إطار الحزب السياسي. والطبقة العاملة المنظمة تظهر بوضوح, خاصة في اشكال المقاومة اليومية, والتي مازالت مستمرة في مصر, حيث تعد إضرابات عمال النسيج بالمحلة وموجة الاحتجاجات العمالية, ضرورية لسياق الاحتجاجات في القاهرة خاصة منذ عام6002 وحتي عام9002 وأهمية الدور الذي لعبته في سياق الأحداث. ويشير الكتاب في مواقع أخري عن الدور الذي لعبه الإسلام في تشكيل الحياةالسياسية الجديدة. وإضافة إلي ذلك فإن هذا الكتاب يعد مساهمة مهمة لفهم الطرق التي اتبعتها المعارضة ضد الدول الاستبدادية قبل1102, واحتمالات نجاح هذا الكفاح والعقبات التي تقف في طريق النضال من أجل حياة أفضل لشعوب الشرق الأوسط العربي.

وفي الفصلين الخامس والسادس, يعرض الكتاب تفاصيل التحول الديمقراطي وأشكال الانشقاق الثقافي والاجتماعي التي ظهرت في المعارض والندوات الأدبية في وسط القاهرة وما تبعها من التعبير عن المعارضة. ويكشف أن أشكال الفن التقليدي من رسم وتصوير أظهرت المعارضة الكامنة بين أبناء الشعب المصري وكيف حاول الفن أن يعبر عنها باستحياء آنذاك. ورغم اختلاف الأذواق لكن أشكال الفن المتنوعة اتفقت علي تصوير المعارضة بصور مختلفة. وظهرت المعارضة أيضا في الفضاء الإلكتروني والمدونات والمناقشات عبر الوسائل التكنولوجية المتنوعة وانبثق منها الحشد الشعبي في كل مكان. ومن هنا ظهر روجه المعارضة الجديد القوي الذي اتفق مع كل الطوائف علي مقاومة النظم الاستبدادية سعيا للتحول الديمقراطي. ولكن الفصلين يكشفان أيضا أن المشكلات الأخري التي دفعت إلي وقوع الثورات مازالت موجودة بشكل أكبر مما سبق مثل حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية ومكافحة الديكتاتورية. ورغم كل أشكال كبح المعارضة المسلحة لكن الثورة استمرت وانبثق عنها ما يسميثقافة التظاهر ونتجت عنها حركات منظمة جديدة وأحزاب كثيرة استمر معها الإنترنت في تعظيم دور التجمعات السياسية وتأكيد مطالبها الواحدة والأساسية. لكن بقاء النظم الاستبدادية لفترات طويلة منلاحقة أصبح هو في المقابل السبب الرئيسي في تكوين ما يتعارض في الوقت ذاته مع تحقيق مطالب منظمي الثورات وهو الفراغ السياسي و عدم الوعي الصحيح بتطبيق الديمقراطية وتقبلها رغم المحاولات المستمرة للقضاء علي نظام بائد وتبعاته التي مازالت ملتصقة بمؤسسات الدولة والفكر العربي بشكل عام والمصري تحديدا.صحيح أن الربيع العربي نتج عنه شكل جديد من أسلوب التعبير عن الرأي والحشد العام, ورغم انتشار الاعتراض عبر مواقع التواصل الاجتماعي لكن الرقابة والسبل الأخري للحد من التعبير عن الرأي مازالت موجودة وتتخذ أيضا في المقابل أشكالا جديدة تحاول صد المزيد من المعارضة. لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد بل أن النتيجة الحقيقية التي أنشأتها ثورات الربيع العربي هي عدم السأم والعمل الدءوب للبحث عن الحقيقة دون خوف أو تردد. فمن ينتصر في النهاية ويثبت وجوده; الفكر المنظم أم الفراغ السياسي والثقافي؟

عن جريدة الأهرام

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق