التصدير القرآني في قصص بورخيس / عائشة زمام

يستهلُّ بورخيس قصة «موت ابن حاقان البخاري في متاهته» بآية قرآنية دون أن يشير إلى اسم السورة، مكتفياً برقم الآية (كتب أنها الآية 40، في حين أنها الآية 41):
«… كمثل العنكبوت اتَّخذت بيتاً»

…Ils ressemblent à l’araignée qui cons-
truit sa maison.
Coran، XXIX،40.

أولاً، لا بدّ أن نلاحظ أن الترجمة لم تكن سليمة للآية المقتبسة من «سورة العنكبوت». فقد جاءت كلمـة «بيت» نكرة في السورة، فيـما أوردها القاص مضافة مسندة إلى العنكبوت في الترجمة. ثانياً، يلاحظ أن صيغة التشبيه أيضاً جاءت تفيد الجـمع لتحيل بذلك على ما قبل هذه الجملة في الآية «مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء». كذلك يُبيِّن المسح البصري للنص المقتبَس، أن بورخيس لم يضع الآيـة القرآنية بين مزدوجتَين، وكأنه يحاول بذلك فكَّ تأطيرها وإلحاقها بنصِّه.

يبتدئ بورخيس قصَّته بآية تتضمَّن تشبيهاً ببيت العنكبوت، ولكنه لا يكمل بقية الآيـة التي تتضمَّن وصفاً لهذا البيت بأنه أوهن البيوت، بل يستعجل قطع الاقتبـاس وإنهاءَه بنقطة، فيما أورد النقط المتتالية في بدايته. هذا الترقيم يعرض الخطاب بصرياً وكأنه مقتطع في مقدّمته لكنه تام في آخره، حيث يُوزِّع وحدات الآية على سطرين رغم قلَّة عددها، راسماً خطّية لا متصـلة. غير أن الفضاء الأبيض الذي يفصلها عن النص الكبير يجعل المحور الأفقي التلاصقي ينمحي لمصلحة «محور عمودي يُبرز اللاحركية النسبية للكتابة» بحسب تعبير الناقد محمد الماكري، ويُسمِّي النقاد هذا النوع من البنيـة الخطـية بـ: المحـور الانفصالي.

ونحسب أن هذا الانفصال شكليٌّ فقط لأن القاص يُعوِّض فصم عرى الارتبـاط التركيـبي بين النصين بارتباط دلاليّ. أي إن التحكُّم في حـدود النصّ المستعـار بما يرافقه من تكثيف البيـاض وتخفيف حدَّة السواد بالصفحة، يستدعي تأويل الكتابة وبنيتـها معاً، أو بمعنى آخر فهم شبـكة العلاقات بين الدوال الخطية واللفظية. لقد آثر بورخيس اقتباس صيغة الشبه (بيت العنكبوت) لكنه حذف وجه الشبه (أهون البيوت)، وقدَّم المشبَّه بصيغة التنكـير (ضمير منفصل لم تُحدَّد هـويته). ويوحي شكل هذا الاقتباس، أن القاص يستهـدف في الآية بؤرة واحدة لا أكثـر، وهي بيـت العنكبوت، في حين لا يبدو أن نصَّه يحتاج إلى استشهاد بالكلام السابق عن هذه الجملة. أما الكلام اللاحق فيها، فقد حذفه إضماراً لا استغناء. ذلك لأنه يعد مفتاحاً لتأويل وفهم نصِّه.

يروي بورخيس في هذه القصة أن وزيراً سرق مالاً وبنى قلعة على البحر، واتَّخـذها متاهةً وفخاً، ليجهز فيها على خصومه. وبعد تضليل سردي يربك القارئ لتحديد هوية الوزير من هوية الملك، ندرك أن الشخص الذي ادَّعى أنه ملك كان في الأصـل هو الـوزير اللص والقاتل. وتنتهي القصة بمعرفة مكائده لانتحاله صفة غيره بعد قتله. ومن ثمَّ يتبيَّن أن بيت العنكبـوت الوارد في الآية لم يكن سوى وصف استعاري للقلعة التي بناها الوزير، ذلك أنها فضحت خططه بدل أن تحجبه عن أنظار الناس.

والجدير بالإشارة أن توظيف بورخيس لكلمة «عنكبوت» داخل النص يُهيِّئ سلفاً لهذا التأويل. فقد رأى الملك في منامه أنه أسيرٌ في شبكة من الأفاعي، وحين أفـاق خمّن أن وجـود شبـكة عنكبوت على جسمه هو الذي أوحى له بذلك الكابوس المفزع. لكن الرؤيا تتأكد لاحقـاً، حين تسـوق القلـعةُ الضحيةَ إلى حتفه مرة ثانية. لقد وقع فعلاً في فخ عدوّه الذي استدرجه إليه، عبر بناء بيت ضخم على قمة جبل، فكان سبباً في إشاعة خبره بين الناس وإرشاد عدوه إليه.

وبالتالي يتناصّ النصّ مع الآية المصدِّرة له على مستويين: تارة على مستوى دلالة البيت الضعيف كالقلعة التي لم تُخـفِ المجرم بل كشفت ألاعيبه وجرمه، وتارة أخـرى على مستـوى دلالـة الخسـارة والوقوع في الهاوية، كمصـير الملك الذي تأكدت رؤياه بوقوعه في شبـاك وزيـره، ويقابله في الآية مصير أولئك «الذين اتخذوا من دون الله أولياء» فما احتموا بهم ولا تلقُّوا منهم أمناً ولا خلاصاً.

من جديد، أيضاً، يتَّضح أن نصَّ التصدير الذي يعلو الصفحة الأولى للقصة يتمركز داخل منظومة النص ويتَّحد بتوليفتها، فحتى وإن بدا أنه يحتلُّ حافة هذه الصفحة ويملأ هامشاً صغيراً، غـير أنه في الأصل لا يقلُّ شأناً في قيمته الدلالية وتركيبته اللغوية الموحية عن النص الكبير. ذلك أن القاص ينتقيه ببراعة، واعياً بدوره في جمع شتات النص في آخر القراءة بعدما بعثره في بدايتها، وبصمتـه الصادر من اجتزائه وقطعه في استنطاق نصِّه. يقول فوكو: «للعبارة دوماً هوامش تقطنها عبـارات أخرى». من هنا أيضاً تطالعنا عبارة العنوان (الجملة) «موت ابن حاقان البخـاري في متـاهته» بما يسكنها من عبارات أخرى، ونقصد بذلك كلمة «المتاهة» المتكررة في النص والواردة في العنـوان، المستوحاة من البيت المتشابك النسيج للعنكبوت.

لقد استثمر بورخيس دلالة العنكبوت القرآنية والصوفية؛ تارة بمحاكاته لنص الآية في وصـف البيت الهزيل الذي لا خير في الاحتماء به، وتارة باقتباسه لرمزية العنكبوت التضليلية، مثلـما رأينا من قبل حين أعاد القاص كتابة المعنى الصوفي للعنكبوت كما جاء عند جـلال الدين الرومـي. ويتضح من توظيف الكلمة في النص، وكذا توظيف مرادفها المجازي في جملة العنوان (متاهة)، مدى هيمنة النصّ المصدِّر على القاص، ومدى تأثيره في تنشيط مخيلته الأدبية للكتـابة تحـت سلـطته ونفوذه.

«المعجزة السرية»

يستعين الكاتب الأرجنتيني بالقرآن مرة أخرى في تصديره لقصته «المعجزة السرية» الصادرة ضمن مجموعته القصصية «خيالات»:

«فأماتَه اللهُ مائةَ عام،
ثم بعثَه قال:
– كم لبثْتَ؟
– قال لبثْتُ يوماً أو بعضَ يوم».
القرآن، 2، 261.

Et Dieu le fit mourir pendant cent ans،
puis il le ranima et lui dit:
– Combien de temps es-tu resté ici?
– Un jour, ou une partie du jour,
répondit il.
Coran, II, 261.

ههنا، أيضاً، يُوثِّق بورخيس الآية المستشهد بها من «سورة البقرة» تحت رقم خاطئ، فقد جـاءت في تسلسلها السياقي تحت رقم 259، بينما بورخيس يوردها تحت رقم 261 دون ذكر اسم السورة (ربما تكـون نسخـة القـرآن الفرنسية، حسبما تُبيِّن لغة المصدر المقتبس منه، هي التي تضمَّنت الخطأ). من جانب آخر، يـرد نص الآية مثلما هو مكتوب في مجمـوعته القصصـية في خطية منفصلة متقطعة، تساوقاً مع هيكل الحوار، ولم يرد في خطية متصلة كما جـاء في القـرآن.

ومثل مصير عزير الذي نام قرناً من الزمان، حاول بورخيس أن يمنح بطله في القصة معجزة النوم الطويل ثم البعث بعد سنة كاملة. لكنه كعادته لا يكتفي بذكر القرآن فقط، بل يبـحث في التراث اليهودي لتأثيث سرده بعناوين منه، محاولاً تغطية الأثر الإسلامي بآثار يهودية يدمجها دمجاً في نسيج نصّي واحد.

يعتـقل جنود الرايـخ الثالث بطل القصة يارومير حلاديك مؤلف تراجيديا غير مكتملة بعنوان «أعداء مقاومة الخلود» ومترجم «سفر يزيرا» (Sepher Yezirah) وهـو كتاب يهودي يتحدَّث عن فعل الخلق. وبعدما يتحدَّد تاريخ إعدامه يوم 29 آذار، يدعو ربَّه في آخر ليلة قبل تنفيذ الحكم، أن يُمهله عاماً آخر. وفي المنام يسمـع هاتفـاً يقول له: «لقد مُنِحت الزمن لإنجاز عملك». غير أنه حين استيقظ رأى جنديَّين قد حضرا إلى زنزانته لاقتياده إلى حتفه! وفي ساحة رمي السلاح، عندما أعلن الضابط إطلاق النار عليه، «توقـف العـالم المـادي» وتوقفت حركة الضابط، وبقيت ذراعه أبداً مرفوعة، أما الجنود فبدوا جامدين. وفي هذا الزمن الصامت الأخرس، نام الضحية لوقت غير محدَّد. ولما أفاق، كان العالم لا يزال مشلولاً جـامداً. ومرّ «يوم» آخر، ليفهم كلاديك أن «الربَّ أنجز له معجزة سرّية: لقد قتلته القيـادة الألمـانية في الساعة المحدَّدة، لكن في عقله مرَّت سنة ما بين أمر القتل وتنفيذه. فمن الحيرة تحوَّل إلى الذهـول، ومن الذهول تحوَّل إلى الإنكار، ومن الإنكار تحوَّل إلى شكر مفاجئ».

لقد تدفقت سنة كاملة في آخر لحظة من عمر البطل، وهو يستعد لاستقبال الموت أمام جنود صوَّبوا بنادقهم نحوه. والملاحظ أن بورخيس يحاكي مضمون الآية القرآنية نفسه، وذلك حين أنام بطله في لحظة إطلاق النار، لزمن لم يُحدِّده، فهذا شبيه بذاك الزمن الذي توقَّع عزير استهلاكه في نومه حين أماته الله. وللعلم، فإن النوم باصطلاح الصوفية الإسلامية يُسمَّى «الموت الأصغر»، أما «الموت الأصلي» باصطلاح ابن عربي، فهو ما سبق الخلق، أي العدم الذي يليه الولادة، للقول القرآني: «كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً» (سورة البقرة، الآية 28).

لقد اقتبس بورخيس من القرآن مرتين: الأولى حين صدَّر قصته بنص قرآني ظاهر تضمَّن حوار عزير مع ربِّه بعد بعثه. والثانية حين بدّد وأخفى بعض ما جاء في النـص المصـدّر ومقدّمة الآية التي حذفها من استشهاده، لكن ما حذفه في النص المُصَدِّر ضمَّنه في قصته بعدما حوّل معانيه إلى سرد تخييلي لتبرير المعجزة السرّية التي خصّ بها الربُّ الضحيةَ التشيكيَّ عقب احتـلال النازيين الألمان لبلده. من ذلك مثلاً، محاكاته لنوم بطله ثم بعثه، إلى جانب افتتاح نصه بتعريف عن بطـله الذي كتب كتاباً عن الخلود لم يتمّه، وترجم السِّفْر اليهودي عن مسألة الخلْق، وكـأنه بـذلك يحاكي سؤال عزير عن الخلق حين تساءل وهو يمرُّ بقرية خاوية على عروشها: «أنّى يُحيي هذه الله بعد موتها» (سورة البقرة، الآية 259). وبالتالي، فإن عنوانَي الكتابين اللذين اشتغل عليهما الضحية ليسا حشواً سردياً، بل هما جزءان فاعلان ومبرِّران، إلى حد بعيد، لبقية القصة، اقتبست تفاصيلهما العامة (الخلق والخلود) من الكلام القرآني المحذوف من الاستشهاد.

ففي توليفة تخييلية مُحكمة تبدو منبثقة من الأصـول الإسلامية (القرآن) ووهجـها الصـوفي، ومطرَّزة بخيوط يهودية، يطلعنا السارد أيضاً في لغة تكاد تكون صوفية بالهاتف الذي سمعه البطل في المنام، مخبراً إياه بتحقيق طلبه وزيادة عام آخر في روزنامة عمره، وكذا باعتقاده أن الرؤيا «تنتمـي للرب»، ولذلك فهو يؤمن بصدقها وصفائها. كما يعرض بورخيس تفاصيل أخرى تبدو وكـأنها مستوحاة من ختام الآية التي يستشهد بجزء منها، وذلك حين يصف قطرة ماء انحدرت ببطء على وجنة البطل، لحظة إطلاق النار عليه لإعدامه. فبعدما يُميته الربُّ لزمن غير محـدَّد، يستيقـظ مـن جديد، ويرى كل العالم جامداً من حوله، ثم تُستأنف الحياة ثانيةً، وقد مرت سنة، وهو في مكان إعدامه، ليسمع بعدها إطلاق النار الذي يرافقه انحدار نقطة الماء التي كانت لا تزال على وجنته!

إن هذا التصوير المكثَّف للَّحظة القصيرة – الطويلة التي لم تتغيَّر فيها الأشياء رغم مرور سنة، كان قد ورد في الجزء الأخير من الآية التي استشهد بورخيس ببعض منها: «فانـظر إلى طعامك وشرابك لم يَتَسَنَّهْ وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس» (سورة البقرة، الآية 259). إنها محاكاة واضحة للنـص القرآني، إذ لا تقيم القصة علاقة تواصلية مع النص المُصَدِّر لها فحسب بل تقيم شبكة صلات واسعة ذات مراتب متنوِّعة مع أجزائه الأخرى التي لم ترد في الاقتباس، وإنما كُتبت متبدِّدة في داخل النص. ومن ثمَّ فإن المحذوف من الآية الذي سكت عنه القاص استنطقه وأعاد كتابته في السطـور وما بينها.

إن عمل اليد الثانية بتعبير الناقد أنطوان كومبانيون يُجلي بوضوح إعادة كتابة قصة قرآنية في شكل قص أدبي، تغيّر فيه الزمان والمكان لكـن لم تتغيّر المعجزة ولا مقدّمتها ولا خاتمتها. فقد حافظ بورخيس على كل التفاصيل بدءاً من مسألة الخـلق التي شغلت بطله كما حدث لعزير، وصولاً إلى ما بعد المعجزة والمتمثِّل في ديمومـة الأشيـاء واستمرارها دون أن تتأثر بالزمن.

معنى هذا أن النص البورخيسي لم يتناصّ مع الوحدة المقتبسة من الخطاب القرآني، بل بوحدات أخرى من الخطاب ذاته، غاب حرفها وظهر معناها. ولذلك نجده يعيد كتابة معظم العناصـر الواردة في القصة القرآنية المستشهَد بجزء منها من ذلك مثلاً: النوم، البعث، سؤال الخلق، عدم تغيُّر الأشياء، ثم الموت من جديد. كما يسكت نص بورخيس في المنطقة نفسها التي سكت فيها النص القرآني، فلم يذكر في ما انقضت سنة النوم التي أُضيفت لعمر بطله، ولم نعرف ماذا رأى مثلاً في نومه، تماماً كما جاء في قصة عزير في النص القرآني.

من هنا، تبدو حدود التحويل للنصّ المصْدر والمُصَدِّر في آنٍ واحد، ضيقة جداً، نظراً لإعادة كتابتـه دون اختراق كبير لنسيجه، أو معارضته أو تحطيم بنائه، بل اقترضه القاص اقتراضاً حَرْفياً، باستثناء ما استدعاه خياله من تأثيث جديد للفضاء النصّي في بُعدَيه الزماني والمكاني، وكذا في إضفـاء سمات يهودية للتغطية على الأثر الإسلامي. وقد يكون سبب ضعف تحويل النص إلى خطاب أدبي مغاير للخطاب القرآني، يعود إلى تملُّكه والاستحواذ على مخيلة القاص الإبداعية، بحيث أن النـص القرآني لم يتسرَّب خلسةً إلى القصة، وإنما صنعها وكان نواة تكوينها منذ البداية، مثلما توضـح العناصر المتناصَّة في نوعيتها وتراتبيتها داخل حكاية بورخيس، بدءاً من جملتها الأولى وصولاً إلى جملتـها الأخيرة.

استراتيجية الخطاب الأدبي القصصي

خلاصة ما تقدَّم، هو أن بورخيس لا يلغم نصوصه فحسب بل حوافيها المتاخمة أيضاً، مـن خلال انتقاء استشهادات نصية على شكل تصديرات تتقدَّم قصصه وتُشتِّت تركيز القارئ وتبعثر رؤاه في أكثر من اتجاه، أمام اتساع فضاء الإحالات. ومن ثمَّ يفقد التصدير وظيفـته التواصـلية والتداولية أحياناً، لأنه يضاعف من أسئلة النص القصصي ولا يُعين القارئ على بلورة الإجابـة، إذ يُعرَض تارة مبتوراً أو مقتطعاً عن سياقه، وتارة أخرى يحجب نصاً ثالثاً يكشف عـنه التنـافر أو التعالق بين النصَّين البورخيسي والمستشهَد به. وسواء كان المصدِّر بورخيس الكاتب أو السـارد، وسواء كان المصدِّر له القارئ الحقيقي أو المسرود له، فإن اختراق صمت النصّ المقتبَس يستدعي فهم استراتيجية الخطاب الأدبي القصصي الملغَّم بالأسرار واللعب بالاستعارات.

من هنا نجد أن بورخيس يعمد أحياناً إلى اقتباس نصّ بعد نسف خصوصيته كما فعل مع نـص توماس هوبس الذي حوَّله ضدَّ مقوله الأصلي بعد استئصاله وانتزاعه من سياقه العام، وحذفه لنـبرة السخرية والنقد الموجَّه للكلام المقتَبس، ليغدو الاستشهاد بذلك تشكيلاً ساخراً من النص الساخر وتشويهاً له. كما يعمد أحياناً إلى اشتقاق أحداثه القصصية أو بعض رموزها من النص المقتبَس، كما فعل في قصَّتَي «بحث ابن رشد» و«موت ابن حاقان في متاهته». غير أن أهم شـيء تجـدر الإشارة إليه، هو أن بورخيس يظلُّ ملتزماً بمصدره الإسلامي، سواء تعلَّق ذلك بالاقتباس من القرآن أو من نصّ أجنبي يشاركه الاهتمام بالمجال الثقافي المشرقي عموماً، ويكشف تواصـله أو تضاده بالنص القصصي عن نص ثالث، يحمل سماتٍ إسلاميةً مثلما تجلَّى ذلك بشكـل أعـمق في التصدير الذي رافق قصة «الخالد».

المصادر والمراجع:
– القرآن.
– الألف، خورخي لويس بورخيس، ترجمة: محمد أبو العطا، دار شرقيات للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 1998.
– تداخل النصوص في الرواية العربية، حسن محمد حماد، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، الطبعة الأولى، 1997.
– حفريات المعرفة، ميشال فوكو، ترجمة: سالم يفوت، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1987.
– موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان، محمد عبد الكريم الكسنزان الحسيني، الجزء الخاص بحروف الضاد والطاء والظاء، دار آية، بيروت، الطبعة الأولى، 2005.
– الشكل والخطاب مدخل لتحليل ظاهراتي، محمد الماكري، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1991.
– Borges (Jorge Luis), L’Aleph, Traduit de l’espagnol par Roger Caillois et René L. F. Durand، Editions، Gallimard, Paris, 1992
– Borges (Jorge Luis), Fictions, Traduit de l’espagnol par P. Verdevoye، Ibarra ET Roger Caillois, Editions Gallimard, France, 2007
– Drillon, Jaques Traité de la Ponctuation Française, Editions Gallimard, Seuil, Paris, 1991.
– Evelyn Fischburn and Psiche Hughes، A Dictionary of Borges, Forewords by Mario Vargas Llosa and Anthony Burgess, Gerald Duckworth and Co LTD, London,1990.

«الغاوون»، العدد 55، 1 أيار 2013

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق