الحرب بعيون نسائية / جوزف الحاج

من صدف الزمن الحالي إنضمام المرأة إلى عداد مصوّري الحروب. قلّة منهن تحدثن عن تجاربهن، وعن نقاط الإختلاف مع زملائهن من الرجال.

عندما تتساقط القذائف في الصحراء، لا توجد هناك مخابئ. في آذار 2011، بينما كانت طائرات القذافي تحلّق على علو منخفض فوق مدينة بريقة النفطية، وجد فريق صغير من المقاتلين والصحافيين أنفسهم في وضع شديد التعقيد: المصورة الصحافية المخضرمة هايدي ليفين كانت هناك. وقعوا في الأسر. عندما أشعلت المتفجرات والذخيرة الصحراء من حولهم، لم يبق لهم سوى الإحتماء بالرمال الملتهبة. زحفت ليفين نحو زميل لها، قبّلته على جبينه: “أردت فقط أن أخبرك بأنني أحبك وأعتقد أن صورك عظيمة،” قالت له. “وأعتقد أنه إذا كانت لدي تلك الرغبة في تقبيل شخص ما في موقف شبيه، فذلك يعني أني حافظت على كوني مخلوقاً بشرياً: إمرأة ورجل”. من الصور التي إلتقطتها في ذلك النهار، واحدة حازت جائزة عالمية هي “صورة العام”.

بينما تكون الزمالة في زمن الحرب شيئاً إعتيادياً، لم يكن من المستحب في الحروب السابقة وجود إمرأة خلف الكاميرا. في العديد من حروب القرن الماضي، كان إستثنائياً بالنسبة للمرأة أن تعمل عند خطوط التماس. من حرّم ذلك، برهن أن الجبهات هي أحد الأماكن حيث مسألة الجنسين (الجندر) أمر قليل الأهمية عندما يتعلق بمهنة المصور الصحافي: عندما يتطاير الرصاص، تقتصر أهلية تأدية مثل هذه المهام على شجاعة الفرد.

في القرن الحالي، تدور العديد من الصراعات في أمكنة تحكمها تقاليد تفرض فصل الجنسين. برهنت المساواة بين المرأة والرجل، أن الأخيرة قادرة على بلوغ آفاق سُدّت حتى في وجه الرجال.

واجهت المرأة العاملة في الحروب سيفاً ذو حدّين، خصوصاً في المناطق حيث فصل الجنسين جزء من الثقافة السائدة. واجهن منعاً صارماً في الوصول إلى الميدان، وفرضت عليهن أقصى الإحتياطات كي لا يتحولن أهدافاً للعنف. غير أن قسماً كبيراً منهن اعتبرن أن هذه العيوب تنتفي أمام الأهلية والقدرة على بلوغ أماكن أخرى من المجتمع، بعيدة عن خطوط التماس.

عندما باشرت ليفين تصوير الحروب في مطلع الثمانينات، لم يكن مألوفاً وجود مصورة صحافية. تتذكّر إجابة رئيس تحرير إحدى الصحف بعدما طلبت منه تمويل تغطيتها لأحوال اللاجئين في الإجتياح الإسرائيلي للبنان في 1982: “ماذا سأقول لوالدتك إذا حصل لك سوء؟ كما أنك ما زلت من دون أولاد حتى الآن!”

إنتزعت ليفين الموافقة وبدأت مهنة لامعة. غطت الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لأكثر من 25 عاماً والحرب في لبنان منذ 1983. تقول: “تسمع المرأة الكثير من الكلام الذي لا يوجّه عادة إلى الرجال. كلما تعرضنا إلى إنتقادات إبتعد عنّا زملاءنا من الرجال. الشيء الذي لا يحب الرجل أن يراه على الجبهة هو إمرأة. أعتقد أنه شعور غريزي. كانت تراودني في الميدان رغبة ارتداء ثياب نسائية لا رجالية. أن أكون أنا نفسي، وإذا لم أتمكن، كنت ألبس قطعة تذكر بأنني إمرأة”.

واجهت ليفين معارضة مختلفة بعدما أصبحت أماً، حتى ولو كان أولادها في سن البلوغ. في 2011، قدمت إلى ليبيا: “عندما لمحني صحافي إيطالي للمرة الأولى وأنا أصوّر المعارك، راح يلتقط صوراً لي من دون أن يهتم بالحدث الدائر من حولنا. “ماذا تفعلين هنا؟ قال، أنت أم لثلاثة أولاد!” إنزعجت كثيراً منه. لا يُقال للرجال الذين يغطون الحروب أنتم آباءً ماذا تفعلون هنا” تقول بحسرة.

أن تكون إمرأة، فلذلك بعض الإيجابيات. تتذكر ليفين: “كان عليّ إرتداء زي نسائي محلي، لم يتعرّف زملائي عليّ. لا أريد أن أقول أن المرأة تصوّر بشكل مختلف، لكنها في بعض الأحيان تتمكن من بلوغ أماكن ممنوعة على الرجال. إستطعت الدخول إلى البيوت وإلى غرف نوم النساء”.

تُعتبر النساء أقل حشرية وتطفلاً، ما يجعلهن أكثر خفة “عليك أن تجيد التصرّف، لا أن تقبع في مكان ثابت. عليك لقاء مسؤولين، أو التنقل في شاحنة صغيرة مع ثوار ليبيين إلى نقاط خطرة”. قالت ليفين.

الأمومة بنظرها تعطي عملها بصيرة “أتواصل مع المرأة بسهولة قصوى في الحرب لكوني أماً. ذلك يساعدني على فهم النزاعات، ويشجعني، لأنني كلما صورت حروباً أكثر كلما أصبح لدي رفض لها”.

الرقيب ستايسي بيرسال خدمت كمصوّر في فرقة تصوير المعارك بين 2002 و2008. نالت جائزة “جمعية المصورين الصحافيين الوطنية” في 2003 و2007. تقول عن تجربتها: “كنت في السابعة عشرة عندما إنضممت إلى سلاح الجو في 1997. بعدما أنهيت دراسة التصميم والفوتوغرافيا”.

في العراق لم تكن مهماتها تختلف عن مهمات المصورين المستقلين سوى في أمر وحيد، كانت تحمل سلاحاً لكونها مجنّدة: “الهوية الجندرية مهمة. كانوا يثقون بي. بعد كل مهمة شاقة، كانوا يأتون إليّ ليخبرونني بأنهم فقدوا زميلاً”.

سُمح للمرأة بالعمل في الأماكن البعيدة عن القتال. في الماضي القريب، كان على المراسلات الصحافيات، أن يعملن كممرضات او سائقات لسيارات الإسعاف والتموين ليكونوا أقرب إلى الحدث. ظلّ وجود المرأة على الجبهة مرتجلاً.

تصف أندريا بروس، التي رافقت الجيش الأميركي 20 مرة بين 2003 و2010، إلى العراق وأفغانستان، تجربتها كالتالي: “لأنني إمرأة كانوا يفصلونني عن الرجال، عشت في أماكن منعزلة خارج المعسكر. في الجبال كانوا ينصبون لي خيمة بعيداً عن الرجال”.

اليوم، وقد رفع الجيش الأميركي الحظر على انخراط المرأة في مهام قتالية، ترى بروس أن الوضع إختلف لكن ليس بشكل جذري: “تحتاج الفرق العسكرية لوقت طويل قبل أن تثق بالمرأة. كان علي البقاء على درجة عالية من الإحتراف والشجاعة. هناك أرضيات مختلفة لا تقوم بالضرورة على الهوية”.

للمصورات الصحافيات صراع تاريخي من التحايل على القيود المفروضة عليهن في الحروب. في الحرب العالمية الثانية، منع قائد الأسطول الأميركي في المحيط الهادئ المصوِّرة ديكي شابيل من الإقتراب من جزيرة أوكيناوا وأمرها بالبقاء داخل مستشفى ميداني وتغطية أنشطته. مرّة، تسللت متنكرة إلى الجبهة، لكنها أوقفت تحت تهديد السلاح ونقلت إلى منطقة خلفية. وإذا كان المنع صارماً في بعض الأحيان، من المؤكد أن هناك حالات أخرى أكثر وقساوة. في منتصف التسعينات، وبعد أن سيطرتها على العاصمة، منعت حركة طالبان التصوير وحرّمت على المرأة العمل في الخارج. شجعت هذه الإجراءات المصورة الأميركية لينساي أداريو على السفر إلى أفغانستان.

“مع الوقت أدركت مدى تسرعي وجنوني، تقول أداريو، لم يكن بحوزتي هاتف فضائي، ولا حتى أي واسطة إتصال عادية في حال تعرضي لمشاكل للتواصل مع الخارج. كنت مقتنعة بأن لا شيء سيحدث لي”.

عندما وصلت أداريو إلى أفغانستان في المرة الأولى، أذنت لها وزارة الإعلام بتصوير البنايات والتنقل في محيط العاصمة برفقة حارس. “تظاهرتُ بأنني أصور المباني لكنني دخلتها فيما بعد، لكوني إمرأة، وصورت قاطنيها”. شهدت أيضاً سقوط طالبان في 2001، وثابرت على السفر إلى أفغانستان سنوياً حتى2011 لتغطية الحرب. صورت أيضاً الصراعات في الشرق الأوسط وأفريقيا بما فيها الحرب على العراق والأحداث في ليبيا، حيث كانت برفقة زملاء لها عندما وقعوا في أسر جيش القذافي وعوملوا بقسوة. نالت عدة جوائز (جائزة “بوليتزر”، منحة من “ماك أرثر”). في أفغانستان، بعيداً عن خطوط القتال، دخلت إلى البيوت لإستكشاف تأثيرات الحروب على عوالم حرّم عليها التعاطي مع الخارج ومُنع الرجال من دخولها: “أردت أن أشاهد تأثير الحرب على المجتمع”.

أعتبرت الفرق النسائية في المارينز إستثناءاً في رفع الحظر عن مشاركة المرأة في الحرب. كُلّفن بمرافقة الدوريات لتسهيل تعاطي الجيش في التواصل مع المرأة الأفغانية. الفصل الصارم بين الجنسين لدى الأفغانيين قابله تسامح داخل الجيش الأميركي، كانت تلك إحدى مفارقات الحرب. إنخرطت أداريو في هذه الفرق وشاركت الرجل في الإقامة داخل مخيمات مشتركة. “مع هذه الفرق النسائية، أصبحت لدينا فرص وإمكانيات لبلوغ أماكن لا يصل إليها الرجال” قالت.

الحروب تجارب معيشية متناقضة تحت سقف العنف الواحد. يعيش العسكريون والمدنيون في مناطق منفصلة، تتباعد تجارب الرجال والنساء، وتسعى الجماعة إلى الحماية من التدخلات الخارجية. تتحدث المصورة كايت بروكس عن عملها: “عندما تهدم الحرب مجتمعاً، تتقوقع الحياة على هويتها المحلية التي تصبح أكثر أهمية من قبل. العائلة في الدرجة الأولى، ثم الجار، القبيلة، الجماعة العرقية، الدين وأخيراً الوطن”.

بدأت بروكس التصوير في العشرين من العمر، عند غزو أفغانستان عام 2001 “في رحلتي الأولى إلى هناك، قصدت جبال تورا بورا التي كانت تقصف بعنف. كمصورة أميركية، لم يكن هناك مكان آخر يقع في منعطف تاريخي مثل هذا المكان. إستمريت 10 سنوات في تغطية أحداث أفغانستان وباكستان والشرق الأوسط وشمال أفريقيا… جمعت تجاربي في كتابي “في ضوء العتمة: رحلة مصور بعد 9/11″، صدر في 2011.

بعد أزمان من تغطيات الحروب وتأثيرها المدمّر على المجتمعات، تبقى الصورة الأشمل هي هذه الفسيفساء من التجارب الإنسانية التي يعيشها المصور الصحافي، أكان رجلاً أم إمرأة. إنها تمثيل للوعي الجمعي للشعوب في زمن معيّن، تفقد فيه السيطرة على الأحداث. الشهادة على حياة المرأة خلف الجبهات تأمّل في معنى الصراعات. بلوغ عالمها مهم جداً بفعل الدور الذي تمارسه في مجتمعات تقاسي ويلات الحروب. ينصرف الرجل إلى القتال، بينما تعيل هي الأسرة وتحضن مستقبل الأجيال الجديدة.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق