الحماسة في زمن اليأس / سحر مندور

يستيقظ الواحد منا تعباً، منهكاً. الثقل على الرقبة والكتفين هائل، لم يفكّكه النوم. منا من يذكر كوابيسه، وينقلها إلى رفاقه كلما حلّ اللقاء فتخيّم على حديث النهار، ومنا من يحميه لاوعيه من تذكّر أحلامه وكوابيسه. ما عاد الليل يغسل النهار، ولا النهار يمحو أفكار الليل. انصهرت الأيام في بوتقة الخوف. عالقون هنا، والدمار كبير.

الظلال تحكم سلطتها على النهار المتوسطي المشمس في هذه المدينة، كأنها تفوقت على نور الشمس.. بينما الليل مرتعٌ للظلام، تكرّسه في كل بيتٍ ونفس شركة «كهرباء لبنان». لا يقوى بعضنا على خوفه المتشبث بالقليل الباقي من معالم الحياة العادية. ولا يقوى بعضنا على رفع الشعارات الما – فوق خوفية. لكن بعضنا الآخر «يفعلها». يقوى على الخوف الإنساني بشعارات خارقة، تهضم الموت. فهو سيحلّ بلا استئذان.

في بؤس الشارع هذا، يمرّ المتحمّس لصواريخ التوماهوك، وإلى جانبه المخوّن لكلّ متحمّسٍ لصواريخ التوماهوك. الحال مأساوية. سنتقاتل، سنتهم بعضنا بالعمالة، سندين بعضنا بالتبلّد، كأن السياق وطني لن يعكّره سوى التوماهوك.

ألا ترون موتاً خارج التدخل الأميركي؟ ألا ترون التدخلات اليومية؟ ولكن، هل ستحلّ الضربة أزمةً؟ وهل ستشعل الحرب حلاً؟ المرحلة تحتاج نقاشاً، والنقاش مستحيل. كلا الرأيين يبحث في الواقع عن موقعٍ له، لكن الواقع انفجارٌ، لا موقع فيه إلا للضحايا.

المؤيّدون

لمؤيدي الضربة الأميركية على النظام السوري أكثر من منطقٍ، منبع معظمها اليأس. غير اليائس، يبدو إما متخففاً من «الهموم» منفعلاً للتشويق والإثارة، أو مراهناً على امتلاك الحياة التي تسوقها الطبقات الميسورة في شوارع نيويورك. التخفف من الهموم يأتي من نفوسٍ لم تعرف الحياة يوماً إلا حربية، فلا تأتي الضربة الأميركية بجديدٍ تحت شموس أيامهم. وهم بذلك ضحايا. أما الحالمون بيسرٍ نيويوركي ونظام رعايةٍ صحيّة بريطاني فكلنا منهم، فهل الصواريخ مدخلنا إليهما؟ لطالما انهارت علينا، تلك الصواريخ، ولم تأتنا يوماً بغير المزيد من الذلّ اليومي. ليتنا نقتنع بآمالهم، لكن التاريخ الحديث هدّها أكثر من مئة مرة، وهم لا يصدّقون. يشبهون بذلك الحالمين القوميين، ولو أنهم على طرف النقيض منهم. كلاهما يقتات أوهام فرجٍ، بينما الظلال تحكم سيطرتها على الواقع.

أما مؤيدو الضربة الأميركية يأساً من الحال فيبنون موقفهم على سؤال جوهري: ماذا سيجري أكثر مما يجري؟ من يوقف النظام عند حدّ؟ يجدون في الضربة مدخلاً إلى توازن الرعب الذي يتيح إمكانية تفاوض، أو ربما نهاية مأساوية لكنها نهاية، سيبدأ إثرها شيء آخر، قد لا يكون مستهل السعادة، لكنه حكماً مستهلٌ للتعامل مع واقع ما بعد الأنظمة الديكتاتورية.. واقعٌ مرير، لكن لا مفر منه. فمن يفتح البالوعة، لن يتوقع وروداً وتيجان الغار.

يأسهم مغرٍ، يشبه ما يشعر به كل مواطن يقف عارياً تحت الدوش في منزله أو في خيمة اللجوء، في لحظة حساب مع الحياة. لكن حلولهم انتحارية. إن كانت الحياة موتاً، فليكن الموت اختيارياً. يقولون إن رفض الضربة يتساوى مع تأييد الفاشية، بشكل غير مباشر. ينظرون حولهم على الكرة الأرضية، لا يجدون سوى هؤلاء الأطراف يتحاورون ويتحاربون، فيتصيدون في كل حركةٍ ما يخدم هدفاً مرحلياً. والدنيا مراحل، والواقع مأزق، فلتكن الضربة محرّكاً نحو مفاوضات جدية. وماذا سينتج عن هذه المفاوضات؟ أيشبه ما نتج عن اجتماع «شكراً قطر»، يوم أمّها السياسيون اللبنانيون المتعادون بالنار حينها، فأعادت إنتاجهم كلّ في موقعه، والأزمة في موقعها، والموت المدني مستمر؟ نعم.. فليكن.. فذلك حراكٌ في مستنقع الدم. وفي المستنقع، كلّ حراكٍ يذكّر بالحياة. يمكن للنقاش أن ينمو من هنا، لولا وجود أصوات مرتفعة بينهم تصيح بك إن خالفتها الرأي: ساذجٌ، عفنٌ، عاشق للديكتاتوريات.. هم أيضاً يخوّنون، متسلّحين بالسخرية، مدّعين حداثةً عجز عنها الآخرون.

المناهضون

مناهضو الضربة في لبنان أنواعٌ أيضاً. منهم من يأتي من سياقٍ مؤيد تماماً للنظام السوري، ولتدخّل «حزب الله» في سوريا. هؤلاء، لن يمانعوا ضربةً روسية للمعارضة، إن استهدفت جيشاً حرّاً أو «جبهة النصرة». سيعدّون حينها القتلى كخطوات تفصلهم عن «النصر». فتراهم يهجمون على النقاش ولا يناقشون، يجيبون قبل طرح السؤال، يدينون قبل أن يتعرّفوا إلى الشخص الجالس أمامهم على طاولة البحث: «نعرفكم مسبقاً يا خونة».

ومنهم أيضاً من يناهضها إغداقاً في استحضار المشاعر القومية والأفكار الستينيّة. وهؤلاء، بات المرء ينظر نحوهم بعين فيها شيء من الشفقة، لأنهم حلموا يوماً واستمرت الحياة إثر حلمهم، لكنهم رفضوا استمرارها، وراحوا يحاربون الواقع بأسلحة الماضي. تسمعهم يحتفون بالاستمرار في موقفٍ واحد منذ عقود، رغم تبدّل البلاد والشعوب والأفكار والأدوات. يجرّدون الحال، يربطون مبادئهم بالقيم العامة، يضحون تجسيداً للقيم، على تبدّل العصور. ويربطون بؤسهم بالتراجيديا الإغريقية، يفسّرون التعب البادي على وجوههم في المرآة كثمنٍ نبيلٍ للإصرار. لهؤلاء، الضربة شرٌّ كلها، على عكس الديكتاتوريات العربية التي ناصروها لعقودٍ. فكيف يستقيم النقاش معهم؟

يبقى المعارضون الذين يقيسونها بمقياس الربح والخسارة، فلا يجدون في التدخّل إلا الفوضى مصيراً، والتفاوض على صلاحيات المجرمين تسوية بينهم. النقاش معهم يبدأ من موقعٍ سويّ على الأقل، لأنهم يسقطون كل ما هو جاهزٌ من أزمنةٍ سابقة، كالمشاعر القومية والدينية والتهم، ويُبقون من الماضي تجاربه وخبراته. لا يجدون في النظام حليفاً، ولا في الظلم المحلي طعماً ألذ من ذاك الآتي من البعيد. كما أنهم يخرجون الموت الذي ستأتي به صواريخ التوماهوك، من سياق الموت الذي حصد مئة ألف قتيل حتى الساعة في سوريا. إنهم يفكّرون، يحاولون.

المأزق

الموقف مأزق، والضيق يأتيك من متطرفي هذا الرأي وذاك. يمنعون عنك رمقاً مغايراً لهما كي لا تهدّد الثنائية العالية الحدّة التي تعرّف بمواقعهم في لحظة الفوضى. لا يريدون أن تجتاحهم الفوضى. يقولون عنك إنك تلتحف بالمشاعر الإنسانية، لتموّه خبثاً سياسياً. ويقولون عنك إنك جبان، لا تتحمل مسؤوليات الرأي. وفي أحسن الأحوال، ستتهم بالطوباوية، تلك التي تخرجك من المعادلة موصوفاً كبسيط الذهن، وكأن بسطاء الذهن لا مساحة لهم بيننا. ثم، كيف يكون الأذكياء؟ أولئك الذي يتقنون الاختيار بين مجرمين إثنين، لكل منهما سجل قتلٍ لا قعر لسفالته.

لكنها التصفيات. نعيش سنين التصفيات الطويلة. كل ما في خزائننا من أفكار ونظريات، ها هي توضع مجبرةً على طاولة التشكيك، بعدما مرّت العقود عليها وهي مخبأة في خزائننا تصنع يقيننا. لا يقين بعد اليوم. الضربة تأتي من نظام مجرم لنظام مجرم، يبدّلان خلالها موقعيهما من التفاوض الذي لن يجري إلا بينهما. كل منهما يدعونا إلى جنازةٍ، والمفاضلة تتمّ بين جنازتين سبق لنا أن مشينا فيهما: الجنازة التي فرضها النظام السوري منذ أربعين عاماً نعرفها ونكرهها، وجنازة الصواريخ الأميركية نعرفها ونبغضها أيضاً.

لسنا هواة كره، ولا هواة هزيمة، ولا هواة استسلامٍ وخيانة. ولا نرى الغد يشرق بهياً من وجنة أيّ من الممســـكين بزمـــام الأمور هنا. الوجوم يخيّم علينا، وسيخيّم لزمنٍ. فهو زمن اليأس، وإن كان لا بد من أمل، ترانا نتوقعه بعد عمرٍ طويل.. في الحقبة التالية من التاريخ.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق