الدستور و حيل الفقهاء (2-3) / الحبيب الجنحاني

– قال صاحبي : لفت حوارنا حول التنصيص في توطئة الدستور على “ثوابت الإسلام” الانتباه، و طرح أسئلة جديدة، و قد اكتشفت عبر الجدل حول المشكل أن كثيرا من الناس، و ضمنهم من ينتسب إلى فئة النخبة، لا يعرفون بدقة ماذا يعني مفهوم “ثوابت الإسلام”، و سيطرت عليهم الحيرة لما أوضحت أن المذاهب و الفرق الإسلامية ليست متفقة على الثوابت الإسلامية باستثناء قواعد الإسلام الخمس، و النص القرآني، و ما ثبت من السنة النبوية، و هو قليل بالقياس عما دونته كتب الحديث.

– قلت : إنه أمر طبيعي ألا يدرك عامة الناس، و حتى خاصتهم هذا القضايا، و لا بد أن يترك الخوض فيها لأهل الاختصاص.

– قال صاحبي : قد أدركت مع الزمن، و مع ما تعيشه بلادنا حاليا أهمية إلحاحك المتواصل على ضرورة فصل الدين عن السياسة حتى لا يوظف لمآرب سلطوية، و قد أثبتت جميع التجارب أنه كلما حصل ذلك تفشت ظاهرة الضلالة و التضليل، و أسيء إلى سمعة الإسلام، و ما بعد العيان من بيان.

– قال صاحبي : مما يؤرقني، و يحزن الغيورين على الإسلام الحق أن يضطر العارفون بالحضارة الإسلامية، و بمدارسها الاجتهادية المتعددة و المتنوعة إلى الصمت، و أن تعلو أصوات الناعقين ليخرجوا على الناس بفتاوى غريبة لا علاقة لها لا بقيم الإسلام، و لا بتراثه السياسي الثري مثل تلك الفتوى الصادرة عن مؤسسة رسمية تحرم الخروج على ولي الأمر، و لو كان ظالما ظلوما، و ناهبا ثروة شعبه، و هي فتوى تدين الشعوب العربية التي انتفضت ضد حكامها المستبدين، و من العجب العجاب تلك الفتوى الأخرى التي تندرج ضمن نفس السياق، و قد أباحت تدخل الحلف الأطلسي في الشؤون الداخلية لشعوب مسلمة بالرغم من المجازر التي ارتكبت ضد الأبرياء لما تدخل الأجنبي عسكريا في أقطار إسلامية لم يبق منها اليوم إلا معالم الخراب.

و اللافت للنظر في هذا الصدد أننا لم نسمع من احتج من المسؤولين المنتسبين لتيار الإسلام السياسي على هذه الفتاوى، و هم الذين قذفت بهم الانتفاضات ضد النظم الاستبدادية إلى سدة الحكم، ألا يدعو هذا إلى الريبة و الارتياب ؟

أود العودة الآن إلى مسألة التنصيص على “ثوابت الإسلام” في الدستور متسائلا : أليس من قيم الإسلام و ثوابته التسامح و العفو ؟

– قلت : إنني أميل إلى القول : إن العفو من أبرز قيم الإسلام، بل قل من أنصع ثوابته، و لا غرابة أن نجد في القرآن الكريم ما يربو عن خمسين آية تتضمن كلمتي الصفح أو العفو، و بعض الآيات تجمع بين العفو، و الصفح و الغفران، و تربط ذلك بغفران الله “و إن تعفوا و تصفحوا و تغفروا فإن الله غفور رحيم”، و في آية أخرى يتم الربط بين العفو و الصفح و بين حب الله للإحسان “فاعف عنهم و اصفح إن الله يحب المحسنين”.

هذا في المستوى النص القرآني، أما في مستوى سيرة الرسول (ص)، و المبادئ التي أسس عليها نواة الدولة الفتية في المدينة فإن البرهان يأتي باهرا و رائدا في تاريخ الفكر السياسي ليس الإسلامي فحسب، بل العالمي.

هنا أعود إلى التاريخ قليلا لعل يتخذ منه العقلاء، و من هو على حسن نية درسا و نبراسا.
من قرأ تاريخ الدعوة الإسلامية في المرحلة المكية يعرف جيدا ما لقيه النبي العربي (ص) و أصحابه من مقاومة عنيفة و شرسة من مشركي قريش بلغت التعذيب، و الحصار الغذائي، و مصادرة الأملاك، و اضطر المسلمون إلى الهجرة، و مفارقة الأهل و الديار، و من المعروف أن الهجرة إلى المدينة قد خففت الوطأة، و لكنها لم تنه مكائد مشركي قريش ضد المسلمين بتخطيط من أبي سفيان.

بعد ثمانية عشر عاما حاصر جيش المسلمين مكة، و انتظر سكانها أن تبدأ المجزرة، و الأخذ بالثأر، فإذا بالرسول (ص) ينادي قائلا : اذهبوا فأنتم الطلقاء، “من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، و من أغلق بابه فهو آمن، و من دخل المسجد فهو آمن” !

فأنت تراه جعل دار زعيم المشركين، و أشدهم عداوة للإسلام في مستوى المسجد الحرام !

و أذكر في هذا الصدد بأن هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان هي التي دبرت اغتيال حمزة عم الرسول في غزوة أحد، و بقرت بطنه ولاكت كبده !

– قال صاحبي : هنا أتساءل : لماذا لم نسمع صوتا واحدا من المدافعين عن ضرورة التنصيص على “ثوابت الإسلام” في الدستور يذكر أصحابه المتمسكين بقانون “تحصين الثورة” بإن قيم التسامح و العفو هي كذلك من “ثوابت الإسلام”، ناصحا بالاقتداء بسمو أخلاق النبوة، و بالدرس في حكمة القيادة الذي قدمه محمد بن عبد الله (ص) يوم فتح مكة ؟

– قلت : هنا يبرز الشك في حسن النوايا لدى كثير من المواطنين، ذاهبين إلى القول : إن الاستماتة في الدفاع عن هذا القانون ليس لوجه الله، و لا لوجه الوطن، و إنما “تحصينا” لمصالح فئوية أنانية على حساب المصلحة العامة، إذ أن الإقصاء السياسي الجماعي، و حرمان فئات واسعة من حقوقها السياسية و المدنية خارج منظومة العدالة سيحدث شرخا في المجتمع يهدد الانتقال الديمقراطي، و يغذي الأحقاد، و إذا مرّ هذا القانون فسيبقى نقطة سوداء في تاريخ دستور يطمح الناس أن يؤسس لجمهورية ثانية تسعى أن تكون ديمقراطية.

عن جريدة الشروق التونسية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق