السكين في المائدة / عباس بيضون

آخر ما رأيت من أعمال يوسف عبدلكي، سكيناً مغروسة في خشب الطاولة. ليس سوى شفرة السكين وقد غاصت في لحم (خشب) الطاولة، السكين إلى نصفها في الخشب والخشب أطبق عليها. لم يكن واضحاً أيهما أمسك بالآخر. لم ينبجس من الخشب شيء، ليس من جرح سوى ذلك الشق الذي أطبق على السكين. إنه فن يوسف عبدلكي، واقعية جديدة، واقعية لفرط واقعيتها تقول أكثر من واقعها. لفرط واقعيتها تلطم العين. تحول الواقع المفرط إلى لغز، إلى اقنوم، إلى كيان ممتلئ، إلى مفارقة ميتافيزيقية، إلى إنذار. السكين في عمق الخشب، ولا شيء أكثر، كانت هي العنف ليست إشارة إلى العنف، لكنها العنف ذاته. هذا العنف وقد تشيّأ، وقد صار اختراقاً أخرس، وقد تحول إلى خشب ومعدن. الجسد وقد تخشب والسلاح وقد تسنن، هذا العنف الذي بلا صوت وبلا معالم سوى نفسه. ليس شيئاً سوى هذا الاختراق وسوى انطباق الجسد، ليس شيئاً سوى الاعتداء والشق الملغوم، سكين يوسف عبدلكي في داخل الخشب، له ما بعده. انه العنف وما بعد العنف. يمكننا ان نرى هكذا العنف الصامت وهو يُخمد الجسد، وهو يحيله أخرس متيبساً، وهو يهينه إلى حد مسخه، وهو يشيئه ويحوله إلى أداة.

لا أنسى لوحة يوسف عبدلكي، لم تكن جسداً مسلوخاً ولا دامياً. لم تكن زوراً مقطوعاً ولا قلباً مقتلعاً. لم تكن صفاً من الأطفال المسفوحين على دمائهم. لم تكن صدراً ممزقاً ولا رأساً مهشماً. كل هذا سيكون أمثلة للعنف. مجرد تهويل به، استعراض له، معالم منه، لو كان الأمر كذلك لهاجت أنفسنا ونحن نرى، ولخرست أعيننا ولارتعدت قلوبنا. لقد غصنا في العنف ولم يبق إلا أن نتطهر منه، إلا أن نلفظه خلفنا، الا أن نزيحه عن صدورنا. ليس لهذا العنف ما بعده. انه مشهد ينتهي في ذاته وليس أمامنا إلا أن نتحرر منه. أما لوحة يوسف عبدلكي، السكين الغائصة في الطاولة، فإنها مشهد لا نكتفي منه بمجرد رؤيته. هذه السكين ليست تهويلاً ولا استعراضاً، إنها ساكنة في الخشب الذي لا تفغره بل ينطبق عليها. سنشيح عنها لكنها ستبقى طويلاً تمشي في ذاكرتنا وفي أعيننا. لم نشاهد نموذجاً للعنف ولا مشهداً له، لقد شاهدنا العنف نفسه، العنف القادر على أن يفرز نماذج ومشاهد، ما رأيناه هو فكرة العنف، هو أُس العنف ومبدأه، لن تفزعنا لوحة يوسف عبدلكي لكنها ستتردد طويلاً في مخيلاتنا وأفكارنا، ستبقى طويلاً ما بعدها. وحين نفكر في العنف، العنف في سوريا ستخطر لنا هذه السكين المترقبة المتحفزة المنصوبة في لحم الخشب. وسنفكر أكثر في هذا العنف الذي لا دم فيه. ليس فيه سوى نفسه.

حين علمت باختفاء يوسف عبدلكي. لنقل اختطاف يوسف عبدلكي. لنقل اعتقال يوسف عبدلكي فهكذا تحدث الأشياء، فكرت طويلاً بلوحة يوسف، فهذا الاعتقال الذي لا يتميز عن الاختفاء والاختطاف والذي يتم بسكينة ودون صوت، يشبه سكين عبدلكي المغروس دون صوت في لحم الخشب، ولنقل انه «مختف» «موقوف» في الخشب، تبدو لوحة عبدلكي لذلك نبوئيه، فهذا العنف الصامت هو ما يسمى بالاختطاف. انه عنف لا يترك أثراً ويتم بدون ضجة وبدون أي جواب وبدون مشهد تحطيم وتكسير يدين كما تعرض له علي فرزات من قبل. انه بالطبع العنف الأخطر إذ لا يعلم أحد ماذا يحدث في الخفاء وماذا يحدث في الغيبة، ولا يعلم أحد ماذا يحدث لشخص وحيد بين أربعة جدران وربما تحت الأرض، وبين جلاديه المدربين، ستمشي السكين ببطء في لحم الخشب وستُخنق الصيحات العالية وستُخمد في الجسد. لوحة عبدلكي النبوئيه تبدأ تخيفني الآن، يخيفني ما بعدها، اسمع آله العنف تجري على جسده. اشعر بها تأكل من لحمه، اشعر بصرخاته تختنق في جوفها.

لوحة عبدلكي شهادة على رفض العنف. انها بقيه من النضال السلمي الذي بقي عبدلكي أمينا له، لكن العنف المستشري يأكل، أول ما يأكل، السلميين، عبدلكي الفنان الذي هو من كبار صناع اللوحة في سوريا، الذي يجعل من سمكة أو من حذاء نسائي قوة للواقع وأكثر واقعية من الواقع، سيحاسبونه على فنه قبل كل شيء. لن يطيقوا رجلاً يشعر انه بريشته أقوى منهم. لن يطيقوا رجلاً قرر أن يأتي من تلقائه إلى بلاده وان ينهي هكذا عمراً من التشرد والمنفى. لن يطيقوا رجلاً لا يخاف منهم ولا يراهم أكثر من سكين تحز في الخشب، يوسف عبدلكي الموهوب الرقيق اللطيف، لن يطيقوا موهبتك، لن يطيقوا موهبة لا تخدمهم. لن يطيقوا فناً لا يسايرهم، هم الذين لا فن لهم سوى فن السكين.

أخشى أن تكون لوحة يوسف عبدلكي نبوئيه حقا. أخشى أن تكون قالت العنف وما بعد العنف. حين تفرغ السكين ولا يبقى سوى الرعب في الفراغ.

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This