الشباب المصري (والعربي) بين خيانتين / جهاد الزين

في العديد من الحالات التي نعيش ونشاهد في مصر وتركيا والبرازيل، يتصادم “صندوق الاقتراع” مع الشارع. فهل هي الديموقراطية الجديدة التي تُعلن نوعاً من قصور صندوق الاقتراع، بما هو أكثرية المقترعين، عن تمثيل كل تطلّعات التحديث و هموم القوى الشبابية الحيّة في المجتمع؟

خانت الطبقاتُ الوسطى العربيةُ القضيّةَ الديموقراطيّةَ طويلاً لصالح القضيّةِ الوطنية. هذا باختصار تاريخ الجيوش العربية منذ العام1948 وتاريخ القوى الاجتماعية التي دعمت الانقلابات العسكرية أو وُلِدتْ من الحصيلة الاقتصادية السياسية لهذه الانقلابات. وبالتحديد في مصر وسوريا والعراق وليبيا والسودان.

لكنْ هذا تاريخُ سِجِلِّ الطبقات الوسطى المخضرمة منذ منتصف القرن العشرين. أما الشرائح الجديدة المولودة من “حقبة ما بعد الحداثة” أي حقبة ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي التي شهدت انتشار الانترنت وثورة الاتصالات ووسائلها… هذه الشرائح الجديدة من الطبقات الوسطى العربية قلبت المفاهيم وتصنع حاليا نوعاً من “خيانة” القضية الوطنية (الصراع العربي – الإسرائيلي) لصالح القضية الديموقراطية.

كانت “الاشتراكية”، أي دولة سيطرة الدولة على الاقتصاد، العنوان الاقتصادي للخيانة الأولى! أمّا اقتصاد السوق فهو عنوان “الخيانة” الثانية الجارية!

حَصَلَتْ الحربُ الأهليّةُ اللبنانيّةُ (المسيحية – المسلمة) بين 1975 و 1990 في مناخ الخيانة الأولى. وتحصل الحربانُ الأهليّتان السورية والعراقية (السنية – الشيعية) اللتان أصبحتا حرباً واحدة، في مناخ “الخيانة” الثانية.

كما تلاحظون أضع كلمة الخيانة الأولى بدون هلالين لأن الأنظمة العسكرية أقامت أنظمة غير ديموقراطية صريحة ولكني أضع الخيانة الثانية بين هلالين لأن تكوين الثانية أكثر تعقيدا وأقل تبلورا حتى الآن وتحتمل تلاوينَ عديدةً من الإحباطات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والسيادية إنما الجوهري فيها هو أنها تُعبّر عن انتقال المنطقة من أولوية وطنية إلى أولوية ديموقراطية.

في الدول العربية القائمة كدول هناك، بعكس الحالة الفلسطينية التي لم تستقر شخصيتُها “الوجودية” بعد، بُنْيَة تسمح بالانتقال التاريخي الحاصل من الوطني إلى الديموقراطي. أو تسمح بالانتقال بين “الخيانتين”. وهذا ينطبق على الحالتين المصرية والتونسية، بينما في الحالة السورية ومع تحطّم موجات “الربيع العربي” بمعناها الأصلي على شواطئها، فهي تواجه معضلاتٍ أكثر تعقيدا مع تحوّلها إلى حرب أهلية حادّةِ الاستقطاب الإقليمي والدولي عسكريا وسياسيا.

كتب فرانسيس فوكوياما مقالاً في “الوول سْتريت جورنال” نُشر في الثامن والعشرين من حزيران المنصرم يقيّم فيه كل حركات التظاهر التي حدثت في العالم، من تظاهرات 25 يناير في مصر وقبلها في تونس إلى تظاهرات ساحة تقسيم وريودي جنيرو، باعتبارها تعبيراً عن قوى شبابية جديدة من الطبقة الوسطى تفتح نوعا من صراع الطبقات على مستوى العديد من مجتمعات العالم.

لقد دخل صاحب نظرية “نهاية التاريخ” على هذا المناخ الشبابي العالمي من زاوية تقييم القدرة السياسية المتفاوتة لهذه الحركات ولكنْ مُؤكّدا وجودَ عناصرَ مشتركةٍ بينها ولو كانت المطالب والشعارات مختلفة. إلا أن بعض أهم ما جاء في مقالته هي تحذيره الدول الغربية أن لا تعتبر نفسها بمأمن عن هذه الموجات من ديناميات الطبقات الوسطى الجديدة لأن هذه الثورة الديموقراطية يمكن أن تغيّر النظام العالمي.

وبعيداً عما جاء في نص مقالته نفسه ومدى التوافق أو الاختلاف مع توصيفاته لتباينات هذه الحالات كما في الصين التي يعتبر السمةَ الأساسيّةَ لفئاتها الجديدة هي الاستهلاك (سبعة ملايين خريج جامعي سنويا) في حين تقبع اعتراضاتها السياسية في خلفية نشاطها بعكس تركيا والبرازيل وتونس ومصر… بعيدا عن ذلك يمكنني القول أن فوكوياما له الأحقّيّة الكاملة في الدخول على هذا النقاش كون هذه الثورة الديموقراطية العالمية تأكيداً لنظرية “نهاية التاريخ” وكون هذه النظرية إعلانا للانتصار النهائي للفكرتين الديموقراطية و الليبرالية وما يحصل حاليا يأتي من داخل منطق هذه النظرية.

***

في العديد من الحالات التي نعيش ونشاهد، يتصادم “صندوق الاقتراع” مع الشارع.

هل هي الديموقراطية الجديدة التي تعلن نوعا من قصور صندوق الاقتراع، بما هو أكثرية المقترعين، عن تمثيل كل تطلّعات التحديث و هموم القوى الشبابية الحية في المجتمع؟

هذا هو جوهر الموضوع: في البرازيل، باعتراف كل الطبقة السياسية حكما ومعارضة، وفي تركيا برفض الاعتراف العنيد من رئيس الوزراء رجب طيّب أردوغان وقيادة حزبه، وفي مصر برفض اعتراف “جماعة الإخوان المسلمين”.

لم يعد بإمكان الحاكم المنتخَب أن يستكين فقط إلى شرعيّته الانتخابية. حيوية الشارع النخبوية أو “المليونية” وتفاعل الشارع مع النخبة الجديدة هما اللذان يطرحان تحدّيا عميقا على النظام السياسي الديموقراطي. وإلاّ ما معنى أن يتحوّل اعتراضٌ في ريو دي جنيرو على زيادة 20 بالماية على كِلَفِ النقل العام إلى “ثورة” على المستوى الوطني في كل البرازيل؟ ما معنى أن يتحوّل الاعتراض من منظّمة بيئية على قطع أشجار في ساحة عامة في اسطنبول إلى حركة احتجاجات سياسية على المستوى الوطني في تركيا؟

هذا هو التحدّي الكبير الذي يبدو أن هذه الحركات الشبابية تطرحه على “فلسفة” الفكرة الأكثرية في النظام الديموقراطي.

عن جريدة النهار البيروتية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق