الشرعية الغائبة / عباس بيضون

انقلاب أم ثورة. لا نخرج بسهولة من هذا الجدل. هناك من يستدعي ما حدث في الجزائر حينما انقلب الجيش على الانتخابات ما أفضى إلى حرب أهلية طاحنة. قد تكون المقابلة ظالمة لكنها ليست تماماً باطلة. مرسي رئيس منتخب وليس من حق قائد الجيش أن يعزله، هناك سبب لحرج أوباما تجاه الحدث المصري، الكلام عن الشرعية الشعبية يبدو لأول وهلة تخريجاً فحسب، الانقلاب على الشرعية قد يتم بهذه الحجة، هذه بالطبع قراءة لا تخلو من قوة وليس دفعها سهلاً.

الشرعية مغدورة لكن الشرعية ليست فقط ماثلة في الرئاسة، ليست محاولة الاستيلاء على الدولة شرعية والرئيس مرسي الذي سمى أشخاصاً من الأخوان المسلمين لكل مناصب الدولة لم يكن بذلك يترك للدولة أي شرعية، الرئيس الذي جابه مؤسسات ذات حصانة كمؤسسة القضاء لم يكن يحترم شرعيتها. كان بذلك بالطبع يمارس صلاحيات منصوص عليها، لكنها نصوص وضعت لتنتهك وليتم القفز عليها، لن يكون مشروعاً أن يقيم الرئيس دولته داخل الدولة، ذلك لا يتم إلا بكسر كل الشرعيات وما يحدث عندئذ لا يتعدى أن شرعية الرئيس تغتصب كل الشرعيات الأخرى، ما فعله الأخوان المسلمون ومرسي بالدولة لا يتوافق مع أي مفهوم للدولة. إن التهام الحزب للدولة لا ينّم عن أي احترام لها ولحدودها، ذلك يعني أن مرسي لم يحترم الشرعية وتلاعب بها. ذلك يعني أن مسألة الشرعية لم تكن في يوم موضع حرص الأخوان أو مرسي. لقد سبق الأخوان إلى تفريغها من ماهيتها وإلى تجويفها.

لن نحتج بالشرعية الشعبية فهذا قد يكون سفسطة فحسب. لكن الأخوان المسلمين هم الذين بادروا إلى القفز على الشرعية والزراية بها، ليس في مشروع الأخوان التاريخي أي معان للديموقراطية أو تداول السلطة، أي ليس في مشروع الأخوان التاريخي أي مكان للشرعية، أن اعتدادهم الآن بالشرعية والديموقراطية من دواعي السجال السياسي فحسب. من المؤكد ان توليهم للسلطة لا يختلف عن تولي الحزب النازي أو البلاشفة للسلطة، لم يكن مشروعهم للسلطة سوى ابتلاعها.

مع ذلك لا نفرح بفشل أول تجربة ديموقراطية في مصر، لا نفرح رغم ان الأخوان أنفسهم حرضوا على الأقباط وذلك يعني انهم يستبعدونهم من ولايتهم، ما يعني إخراج عُشر الشعب تقريباً من هذه الولاية. وهذا بحد ذاته يطعن في شرعيتهم، مع ذلك فإن ما جرى ليس باعثا على الغبطة، ثمة خوف من أن تتحول الثورة، تحت أي مسمى، إلى عبادة نفسها، وإلى تصنيم أفرادها وغاياتها، فليس في عزل رئيس منتخب مثل يحتذى. هذه سابقة ينبغي أن لا تتحول إلى تقليد.

لقد لعب الأخوان ومرسي بالدولة، جعلوا القانون نفسه ألعوبة فالإعلان الدستوري وبعده الاستفتاء على الدستور لم يكن فيهما أي احترام للدولة، يمكن ان نتكلم هنا عن انقلاب قصر، عن انقلاب على الدولة من داخلها، حارب الأخوان الدولة من داخلها. نشروا عشرات الآلاف من الأخوان فيها، عششوا في أجهزة الحكم في العاصمة والمحافظات، كان هذا يعني أن نماذج أخرى، ديدنها الطاعة والامتثال والقيام بالفروض أصبحت هي السائدة، وليس هناك دليل على ان اللحى الطويلة والجباه المدموغة والنفوس الطائعة هي الصفات التي ينبغي توافرها في رجال الإدارة. سبق لكرومويل الانكليزي أن رفع إلى البرلمان رجالاً مثل هؤلاء اغرقوا البرلمان في مناقشات لاهوتية، لكن كرومويل المتدين اضطر إلى صرفهم لانعدام الحاجة إليهم في مجلس النواب. الأغلب ان كثيرين مثل هؤلاء صاروا محافظين ووكلاء وزارات في عهد الإخوان ولا ينفع هذا الدولة ولا ينبغي ان تغدو الطاعة للمرشد وتقبيل يده في رأس الكفاءات.

مع ذلك فإن السؤال الراهن هو ما العمل بعد عزل الرئيس، هذا بالطبع سيستفز الأخوان وربما أخرجهم عن طورهم وربما بالغوا في الشطط. هل يعني ذلك اعتبارهم أعداء واضطرارهم إلى الخروج. صبر الأخوان المسلمون على عهودا عملت فيهم إرهاباً وقمعا ولم يخرجوا. ان تجربتهم الطويلة جعلتهم أكثر تحنكا من ان يقدموا على محاولة انتحارية وإلى مجابهة الجيش. لكن الفوضى الحالية قد تشجع البعض على تجاوز الحدود. بدأ ذلك وينبغي أن لا نتركه يستشري. للإخوان المسلمين نسبة محترمة في المجتمع المصري. ان معاداتهم واضطرارهم إلى العصيان يعنيان استفزاز قسم وازن من المجتمع. إن استرداد الأخوان إلى الدولة والمجتمع يتطلب في أقله التخلّص من اللغة التشهيرية العدائية. كما يتطلب بالتأكيد تنازلات حقيقية. على الحكم الجديد الا يعتبر نفسه منتصراً. لا بد من حرص وحذر كبيرين لئلا يؤدي أمر آخر إلى تكرار تجربة الجزائر. إن حملة اعتقالات عشوائية قد تخرج الأخوان وتؤدي بهم إلى المواجهة، إن حملة دعوية قد تفعل الشيء نفسه، لقد توسط الجيش لتجنب حرب أهلية، ليكن حذراً من أن يؤدي تدخله إليها.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق