الصوت الثقافي ساهم في إغراق سفينة الأخوان / وارد بدر السالم

(1)

بين 25 يناير و30 أكتوبر. بين سنتين وثورتين وحالتين ومصيرين. هناك شعب واحد وزمن واحد وميدان تحرير واحد ونسق ثقافي واحد، لكن في أدوات اختلفت، وشعارات تغيرت، ورؤية لا تتشابه، وطريق سالك الى الحرية الثانية في مسار شعب قُدّر له أن يكون الشعب العربي الوحيد الذي تمكن من مسح عار الثورات العربية التي وُصفِت بثورات الربيع العربي التي سرقها إسلاميو الزمن الجديد في غفلة من الثورات أنفسها!

ما حصل في 30 أكتوبر ان ميدان التحرير عاد الى رشده، فتلفع بلفاع ثورة مليونية لم تشهد لها تاريخ المظاهرات عدداً، وأظهرت الصور الجوية التي فاجأت العالم ان الطوفان البشري المصري لم يبلغه شعبٌ يوماً ما، وهذا في أقل تقدير يعني في ما يعنيه إرادة منتشرة في النفوس قبل الأجساد بإنّ التغيير الجديد هو استكمال لثورة ناقصة تُركِت عارية لـ«الأخوان»، بعدما أسفرت الثورة الأولى عن وصول مجاميعهم الى رأس السلطة في سنة مكبوسة على الأنفاس، وفي تحولات، بعضها مشبوه، غير مُرضية للشعب المصري الذي أسقط كابوس مبارك في ملحمته الأولى، ولكي تكون الثورة الثانية تصحيحية لوضع عجلة الثورة الأولى على سكة الوطن بشكل خاص والحياة بشكل عام.

(2)

تمكن ملاحظة نسقين كانا متوازيين في مسار هذه الثورة العملاقة، هما النسق السياسي والنسق الثقافي اللذان تعاشقا بطريقة مثالية وسارا بيد واحدة بطريقة المصالحة الوطنية لاستبعاد هدف واحد كان يشكل خرقا للنسقين في معنييهما التقليديين، وبما أضرّ بمنظومتيهما كثيراً، في محاولة لجعل الثقافي لصيقاً بالسياسي في مرحلة حرجة من مراحل الإنجاز الثوري بطريقة التظاهر الطوفاني العارم، بما يشكل رديفا لا غنى عنه في رفد السياسي بالكثير من الرؤى والملامح الفورية لبناء قيم أخلاقية ولوجستية وسلوكية تناسب الموقف الخاضع لقوته المباشرة وتأثيره الروحي والنفسي.

(3)

في الثورة المصرية الجديدة التقت أنساق السياسة وجماهيرها المليونية المعجزة، بأنساق الثقافة ووسائلها الحيّة في منظومات الاتصالات المرئية الصورية والسمعية والمقروءة، وبطريقة التكافل الملحوظ في تغذية الثورة بأنماط تعبيرية جدية في الصورة والصوت والكتابة والشرح والتحليل وضخ وسائل تعبيرية مختلفة ومتعددة للبرهنة على جدية الحالة الخارجة من لهيب احتقان لم تستطع الجماهير من تجاوزه في الحالات كلها.

النسق الثقافي ومعادلاته الموضوعية ووسائله الضاربة اقترب كثيراً هذه المرة من النبض الاجتماعي بطريقة فاعلة جدا، عبر الصورة التلفزيونية والبوستر المعبّر المنتشر في وسائل الاتصال الاجتماعي / الفيسبوك ـ التويتر / وصورة الجريدة والمقال اللاذع والكشف الميداني لوسائل الطرف الآخر الذي طوقته حشود الثورة وأبعدته عن مثابة النصر الأول كي لا يجدد وجوده ثانية، وهو الذي أثبت عجزه عن مواكبة الطوفان المليوني الذي لا سابقة له في تاريخ المنطقة.

(4)

الصدمة غير التقليدية التي أحدثتها الثورة المصرية في المنطقة العربية غيّرت من مفاهيم سياسية و«اسلامية» متعددة ومتداخلة في بنية هذه التنظيمات وإيديولوجياتها وأفكارها المعروفة، والتي أحالتها بطريقة مشروعة الى الفحص الميداني المباشر، فثبت أنه يمكن حرق كل الأوراق المتشبثة بقشور السياسة أو الدين للوصول الى مرفأ أكثر أماناً وواقعيةً في تبني الخطاب الجماهيري الواحِد المطالب بوطنية مصر واسلاميتها الحقيقية من دون البقاء تحت أفكار مريضة لا ترى في الحياة غير وجودها وتنظيماتها، وهو أمر أثار جدلاً غير منظور حينما وصل الأخوان الى رأس السلطة، تبنته السعودية من جانب خفي وقطر من جانب مكشوف، فالسعودية باثّة الفتن الطائفية ترى إن وجود الأخوان في رأس سلطة أكبر دولة عربية هو إزاحة لدورها (الإسلامي) المعروف في تبني الفكر الوهابي مصدّر الانتحاريين الى العالم وبالتالي ظلت السعودية طيلة الفترة الماضية تديم علاقاتها التسليحية مع الجيش المصري، فيما وضح إن قطر كانت تدعم الجماعات الأخوانية بطريقة لا لبس فيها، وهو أمر أحدث شرخاً؛ ربما غير منظور كثيراً؛ في منظومة مجلس التعاون الخليجي ولو من الناحية المعنوية. والأكثر وضوحاً هو الدعم السعودي للعسكر المصري بإعلان تنحي مرسي بالانقلاب الناعم الذي قاده الجيش المصري بطريقة مفاجئة وذكية لا تخلو من أسئلة كثيرة. وموقف السعودية السريع بتأييد مثل هذا (الانقلاب) الذي أقصى الأخوان بعد ثلاثة أيام فقط من دون مواجهات صعبة في بادئ الأمر.

(5)

تمكن الطوفان المصري المليوني من إسقاط «شرعية» الأخوان وإزاحة مرسي الذي بدا صورة كاريكاتورية لرئيس أكبر دولة عربية عبر شهور حكمه، بل وأسقطت تلك الشرعية التي طالما تبجح بها، فأثبتت الجماهير انها أكبر من الدساتير والقوانين الوضعية، وأكبر حتى من صناديق الاقتراع؛ كما أثبتت انها تسير وفق أنساق وطنية غير عابئة بمخلفات ثورتها الوطنية؛ فألغام الدساتير وصناديق الاقتراع تساقطت هي أيضاً خلال ثلاثة أيام، لتثبت إن الشعوب يمكنها أن تقهر فكرة «الديموقراطية» الوضعية المتسلطة التي تنظر الى المجتمع بعين واحدة ضيقة لا يمكنها أن تكون عادلة، وبالتالي فالجماهير وأحزابها العلمانية وقيمها الحضارية والثقافية تصدت لمشروع «أخونة» مصر فأحدثت هذا الانقلاب الجوهري في بنية الشرعية المزعومة، قبل أن تستفحل ظاهرة الأخوان باختراق المجتمع المصري المدني ومؤسساته الحكومية وإخضاعه الى إيديولوجية فكرية ودينية متطرفة تمسخ أهلية المجتمع وتحوله الى مجتمع متطرف لا يليق بسمعة مصر تاريخيا وحضاريا وثقافيا، ومن ثم تحطيم كل هذا الإرث المتحصل عبر آلاف السنين.

(6)

هذه أول مرة يشتغل فيها النسق الثقافي الى جانب السياسي بروح مجاهرة لوطنية البلاد. وهذه أول مرة يعلو فيها الصوت الثقافي من دون مواربة، ليشق طريقه الى العقول بروح رياضية غير مؤدلجة، بل منفتحة الى مصير وطني مشترك تتقاذفه رياح الأخوان في ترتيبات مشبوهة كان لها أثر سيئ في بنية المجتمع العام، لذا فالثقافي المنفتح تضافر الى حد كبير في تهيئة المناخ العلماني الصحي لمواجهة هذا السيل الأخواني الذي حاول اغلاق أبواب الحياة بطريقته المصحوبة بالعنف والتخوين والتخويف وتوفير الحجج المطلوبة للتكفير، تساعده في ذلك فضائيات محلية فتحت النار على الجميع، بمرافقة فضائيات تخوينية ذات نفس عدائي للعروبة والإسلام (الجزيرة)، لذلك وجدنا إن الثقل الثقافي هذه المرة برع في تقديم براهينه للحياة المصرية على ان الأخوان ومن معهم خارجيا هم ضد الحياة بكل ما فيها من بقاء وديمومة وعناصر جذب ايجابية. ولا شك إن الصوت الثقافي الذي يُعدّ مهمشاً في العادة في مثل هذه الثورات العارمة، بدا أكثر سطوعاً وإبهاراً، وكان للمثقفين المصرين من صحفيين واعلاميين وأدباء وفنانين أدوار متناوبة في شحذ الهمم الجماعية بمغذيات خطابية وتحليلية من دون اللجوء الى التحفيز المجاني الذي يرافق مثل هذه التظاهرات المحتشدة. كما بدا واضحاً إن الآلة الإعلامية المحلية تمكنت من عزل الخطاب الأخواني وتهميشه وتقزيمه وسحقة بالنتيجة’ لتفوز مصر بثورة ثانية استطاعت فيها فعلا مسح عار الثورة الأولى ومهدت الطريق الى ثورات عربية ستأتي لإزاحة كوابيس الإخوان والتكفيريين ومن على شاكلتهم.

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق