الغرب والجدار التّاريخي بين الدّين والدّولة

هل عاش الغرب فصلاً علمانياً بين الدّين والدّولة حقاً، أم أنّ الخطابات السياسيّة والثقافيّة كانت متناقضة تماماً مع الممارسات على أرض الواقع؟ يرفع الرّئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر السّتار عن هذا اللغز حين يقول في كتابه الأخير المسمّى؛ قيمنا المهدّدة: “إنّ الفصل محدّد في القانون، لكن بالنسبة إلى الشّخص المؤمن لا يوجد محدد يجمع بين الاثنين، لأنّنا لا نستطيع أن نفصل المعتقدات الدينيّة عن الخدمة العامّة”.
وهي دلالة على أن العمل قد يكون مخالفاً للدستور، وإنّ العلمانية المتضمنة في الدّستور كثيراً ما تنتهك حرمتها على أرض الواقع. وفي عام 2000 “أسقط قادة المؤتمر المعمداني الجنوبي من قانون عقيدتهم الجديد فقرة: ليس للدولة حقّ في فرض أيّة ضرائب لدعم أي شكل من الدّين، وأيّدوا بالتالي جمع تبرعات مالية لصالح مدارس خاصّة وتعديل دستوري لإقرار الصّلاة الإلزاميّة في المدارس العامّة، وتحدّوا علانية الفصل الصارم بين الكنيسة والدّولة”.
أعط ما لقيصر وما لله لله:
إنّ هذا التّعليم الإنجيلي يعتبر إحدى أهم مرتكزات الفقه السياسي المسيحي، فتعاليم الإنجيل تعلن عن توجه سياسي صريح في الدّعوة إلى الفصل بين مملكة الله، ومملكة الدّنيا، حين يقول: أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله. لكن تُظهر الدّراسات السياسيّة والثقافيّة إنّ هذا الأمر الإنجيلي يتم الآن اغتياله، فـ “المسيحيون المحافظون في أمريكا يرفضون نصيحة السيّد المسيح في أن يُعطى ما لقيصر لقيصر وما الله لله بشكل متزايد وعلني خلال العقدين الأخيرين”.
وهذا الكلام لجيمي كارتر الذي عاش خضم السّياسة الأمريكيّة كسيناتور في مجلس شيوخ ولاية جورجيا، وحاكم لنفس الولاية عام 1970، ورئيساً لأمريكا 1976. وأظهر هذا الرّئيس التزاماً عميقاً بالمسيحيّة منذ سنّ مبكّرة، وخدم مدرّساً في مدرسة الأحد الدينيّة طوال حياته وحتى في البيت الأبيض كان يصلي عدّة مرات كل يوم، واعترف أنّ يسوع المسيح قوة دافعة في حياته، وله كتابان دينيان هما: حياة الإيمان، ومصادر القوة. وعلى الرّغم من أنه كان حريصاً على فصل الدولة والكنيسة عن بعضهما البعض من خلال رؤيته بأنّ الحكومة والكنيسة مملكتان مختلفتان للخدمة.
وأنّ مُثل الإيمان الديني يجب تفريقها عن الواجب العام؛ إلا أنّه يعترف بأنه عمل خلف الكواليس مع “رئيس المؤتمر المعمداني الجنوبي جيمي ألن على تطوير ما دعوناه الحركة التبشيريّة الشّجاعة، وهي برنامج إبداعي مألوف ومصمّم لتوسيع العمل المعمداني التّبشيري العالمي”
النّهضة الأوروبيّة والعلمانيّة:
تقول الدكتورة فريال مهنا وهي إحدى اللواتي درسن الغرب ثقافياً وفلسفياً: “أمّا فيما يتعلق بالعلمانية الغربية فلعلّ من الضروري الإشارة إلى أنّ مُبدعتها أوروبا لم تفصل قط الدّين عن الدّولة، لا في عصر النّهضة ولا في عصر التنوير، ولا في عصور التصنيع المتتالية، ولا الآن في عصر الثورات التكنولوجية”، فملامح النهضة الأوروبيّة شرعت في الوجود على ضربات أزميل وفرشاة ميكيل أنجلو الإيطالي، الذي نحت تماثيل للسيدة العذراء ويسوع الطفل، وقصّة الخلق وسير القديسين، مودعاً تضاعيف الحجر أجمل معاني النهضة والتحرر!!!
أمّا عن مفكّري النهضة وفلاسفة التنوير فهي ترى أنّهم كانوا أكثر مسيحيّة من مفكري الكنيسة الرسميّة، ولم يقولوا بنبذ الدّين أو حصره في العبادات، بل حثّوا الدولة البرجوازيّة الجديدة الناهضة من بين أنقاض الإقطاع على العودة إلى تعاليم المسيحيّة الأصليّة القائمة على العدل والسلام والتسامح.
فالنهضة وحركة التنوير العقلي بحسب رأيها لم تتجسد في انسحاب الدّين من حياة الدّولة والمجتمع، بل في تكريس رؤية جديدة للدّين جعلت منه قوّة ذاتية دافعة لا معيقة. وتُعطي مثالاً على ذلك بالأخلاقيات البروتستانتية في إحداث التراكم المادي للنهوض بالثورة الصناعيّة في ألمانيا الموحدة خلال الثلث الأخير من القرن التاسع عشر.
وكتب القاضي وليم رنكوست رئيس المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية ومثّل رأي الأقلية فيها إنّ جدار الفصل بين الكنيسة والدولة هو مجاز قائم على تاريخ سيء، وهو تشبيه أثبت أنه عديم الجدوى كمرشد للقضاء ويجب التخلّي عنه بصراحة ووضوح”. وكما هو مبين فأنّ خرق جدار الفصل بين الكنيسة والدّولة لم يتم خرقه فقط من قبل المؤسّسة التنفيذيّة ممثلة بالحكومة ورئيس الدّولة، بل أنّ المؤسسة القضائية بدأت تحاول محاكاة ذلك الفصل أيضاً.
وفي نفس الوقت فإنّ المؤسّسة الدينيّة كطرف مقابل للدّولة تتدخّل عبر مؤسّساتها ومرجعيّاتها وجماعاتها وأفرادها في تفاصيل الحياة الدنيويّة للشّعوب الغربيّة. وهو – أي الدّين- يمارس نفوذه في عمليّة البت بجميع القضايا المطروحة على بساط البحث، بدءاً بالزواج والطلاق وقوانين الأسرة، مروراً بالإجهاض وحمول الأنابيب، وتحديد النّسل وزرع الأعضاء البشريّة والاستنساخ، وانتهاء بمختلف الشّؤون السياسيّة المتعلقة بالأحزاب والمسائل الانتخابيّة والتّشريعات والقوانين الاقتصاديّة المرتبطة بالمؤسّسات الإنتاجيّة والماليّة والتّنظيمات العماليةّ والمهنية والتعليميّة المتصلة بمفاهيم التدريس في المدارس والجامعات، بالإضافة إلى كل المشكلات الاجتماعيّة والثقافية والقيمية التي يتم تداولها في مجتمعات الغرب.
وفي النّهاية تسأل الدكتورة فريال مهنا أصحاب نظرية الفصل بين الدّين والدّولة، أين تقع الدّولة المفصولة عن الدّين إذا كانت المرجعيات الدينيّة المسيحيّة تتدخل مباشرة وعلانيّة في كل هذه الشّؤون العامة ممارسة تأثيرات مهمّة على مجرياتها ومساراتها واتّجاهاتها وطرائق التعاطي معها ونتائج هذا التعاطي؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق