“الفكر العربي الحديث” لرئيف خوري:تقصّي أثر الثورة الفرنسية في النهضة العربية / وفيق غريزي

يستعرض المؤلف أفكاراً وآراء ومواقف كوكبة من الأدباء والمصلحين، كالأفغاني والكواكبي والمراش والنديم واسحاق والشميل والريحاني وجبران وغيرهم.. ممن لم يبتروا ما بينهم وبين ماضينا؛ ثم لم يقطعوا ما بينهم وبين الدنيا؛ ثم لم يقفلوا على أنفسهم في صوامع وأبراج، ولكنهم شخصوا إلى قديمنا وتعلموا، وأطلّوا على العالم وتفقهوا، ونظروا في أحوالنا وشؤوننا، وطلعوا من ذلك كله بلواء نقشوا عليه مطامحنا ورسموا أمانينا.

يتضمن هذا الكتاب الذي تمت اعادة اصداره بعد عقود من طبعته الاولى، باقة من المقالات التي حاول أصحابها طرح بعض المسائل والقضايا التي كانت موضع بحث وجدل ونقاش في العالم العربي، خاصة في ما يتعلق بمفردات الثورة الفرنسية وحروب نابليون، لا سيما في ظل تفاقم أمراض الامبراطورية العثمانية، ومساعي الامة العربية للتحرر من العثمانيين، والسير على خطى الجمهوريين الفرنسيين، فبدأت تظهر مصطلحات جديدة في كتابات ومناقشات المثقفين والكتّاب والباحثين والمفكرين العرب، مثل “البرلمان” والانتخابات، والعقد الاجتماعي، وبشكل خاص في أفكار وأطروحات دعاة الإصلاح والتحديث.

مجاري الثورة إلى الشرق

ثمة سؤال يطرحه الكاتب وهو: “كيف اتصلت الثورة الفرنسية بالشرق العربي؟ وأية مجار سلكتها؟”. يعرض لنا هذا السؤال، وفيه ما فيه من أسباب الصعوبة، لأنه لا يزال موضوعاً غير مطروق، ولأنّ تعيين الانتقالات الفكرية في التاريخ أمر بطبيعته يتعذر البت فيه. وقد تتيسر للانتقالات الفكرية مسالك خفية لا يدركها المؤرخون على رغم اهميتها، أو هم يدركونها ولكن ادراكاً عاماً غامضاً يعوزه التدقيق وينقصه التفصيل.

ومع ذلك يقول رفيق خوري: “فليس البحث في مجاري الثورة الفرنسية إلى الشرق العربي خلواً من كل أساس، ولا شك ان ما ستكتبه محاولة جد بدائية تقبل التحسين والتوسيع. ان أول مجاري الثورة الفرنسية إلى الشرق العربي، ولعله أعظمها، كان الفتح النابليوني لمصر عام 1798 أيام حكومة الادارة، وكانت الرجعة النابليونية، إذ ذاك، في أوائلها، على أنها كانت بالغة الأثر”.

هزّ الفتح النابليوني جو الجمود الذي كان مخيماً على مصر فنهضت أيام محمد علي الكبير نهضة سياسية، عسكرية، صناعية، ثقافية، وأخذت من عهد نابليون تتجه الميول الثقافية المصرية إلى الارتشاف من ينابيع فرنسية، حتى كان زمن الوالي محمد علي باشا، تقوى الترابط الثقافي بين البلدين، وعزّزه التفاهم السياسي. “وأنفذ محمد علي البعوث العلمية، فكانت من أسباب الاطلاع على فرنسا الثائرة والمبادئ التحريرية التي حركة شعبها الى انتفاضات جبارة، ثم كانت في مصر تلك القافلة من الأدباء والمفكرين من رفاعة رافع الطهطاوي إلى طه حسين اليوم”.
ومن حسن الحظ ان أحد أعضاء البعوث، وهو الطهطاوي، قد ترك لنا كتاباً نفيساً عن رحلته الى باريس وما تلقاه فيها من ثقافة، وما شاهده وتأثر به في فرنسا، ولا سيما عاصمتها العظيمة. ويشير المؤلف إلى أن الطهطاوي شهد ثورة الايام الثلاثة المجيدة، وهي تعتبر صفحة تالية للثورة التي سقط فيها شارل العاشر واقيم مكانه لويس فيليب على أساس صك جديد، ووصفها وصفاً طريفاً دقيقاً في نصوص كتابه، تخليص الابريز في تلخيص بايتر“.

وطبيعي أن يتنبه الطهطاوي إلى هذا كله، وهو الشرقي العربي الذي يلتمس لوطنه أسلوباً في الحكم يسير عليه ويساير الأمم الناهضة في نظام يشترك فيه المواطنون جميعهم في حقوق وواجبات مفصلة مصونة متساوية، مبدئياً على الأقل.

ومن الأمور التي أبدى الطهطاوي اعجابه بها ثقافة المرأة الفرنسية فيقول:”إن للنساء تآليف عظيمة، ومنهن مترجمات للكتب من لغة إلى أخرى، مع حسن العبارات وجودتها، ومنهن مَن يتمثل بانشائها ومراسلاتها المستغربة“.

وهكذا، نستطيع أن نقول ان الطهطاوي، مع رجال البعوث الذين أرسلهم محمد علي باشا إلى فرنسا، كانوا من أعظم المجاري التي تسرّبت خلالها إلى الشرق العربي آثار من مبادئ الثورة الفرنسية وكبار مفكريها.

دروس في الفكر والإصلاح

ما هي الدروس الأساسية التي قبسها أدباؤنا ومفكرونا من فرنسا الثائرة وأعلام مفكريها الثوريين؟ يبدو أن هذا هو المحور الذي يدور حوله وعليه كتاب رئيف خوري هذا، وليس من ريب ان أدباءنا ومفكرينا، كما اتجهوا بقلوبهم وعقولهم شطر فرنسا الثورة، كانوا يرمون إلى دروس ومبادئ يتعلمونها، لا إلى تأييد دولة في غرض من أغراضها الخاصة. ومن جهة نظر المؤلف ان أول هذه الدروس التي تعلموها فهو:”فكرة الثورة نفسها، لقد رأوا أن حياة الأمم ربما اعترتها المفاسد والظلامات في شؤون الحكم والسيادة والاجتماع والاقتصاد، ورأوا ان الاصلاح ربما أصبح غير ممكن عن طريق الاقناع والتسوية السلمية، فآمنوا بوجوب الثورة في بعض الأحوال، ورأوا بناءً على الانقلاب الفرنسي العظيم، ان الثورة، إذا أجدت وكانت في موضعها، أتت بخير كثير، بل خلقت الامة والبلاد خلقاً جديداً“.

إلا ان مفكرينا الأحرار الذين فرقوا بين الثورة والفتنة، ورأوا أحوالاً يصبح فيها التبديل والتحويل ضروريين، أدركوا ان أصحاب الامتيازات وأنصار النظام الراهن لهم منطق يبتعد بهم عن منطق طلاب الانقلاب ومريدي الاصلاح بحيث يتعذر الحل السامي الناجع، رأوا عند ذلك ان الثورة ضرورة واجبة. ولما كانت واجبة، كان لا بد من قبول كل ما يرافق طبيعتها، اعتقاداً بأن ذلك مغرم لا مفر منه لمغنم مرغوب فيه. وهكذا أجاب ادباؤنا ومفكرونا عن السؤال الذي عرض لهم فيما يتعلق بعنف الثورات وقسوتها بما يلي:”ان التنديد برجال الثورة والاستياء من النهضة بجملتها والنفور من حولها والفرار من نارها المحرقة المثيرة، ذنوب لا تغتفر للمؤرخ اذا اقترفها، فالطفل يولد في الالم والعذاب، والجمهوريات تنشأ من الثورات والحروب، والأم تتألم ساعة الولادة وكذلك الأمة“.

والذي يستفاد من احدى كلمات اديب اسحاق انه لا يحمّل الثوار تبعة العنف الذي يرافق الثورات، بل هو يرى ان ما يأتيه الثوار ليس سوى رد فعل مسبق، ويخاطب الجماهير الهائجة:”ما أنتم بأصحاب الثورة وإنما أصحابها الذين يوجبونها بما يظلمون“.

ووجد أدباؤنا ومفكرونا أنفسهم أمام قيم ومثل ومعقولات جديدة شاعت على الألسنة والأقلام ابان الثورة الفرنسية، وتناقلتها الأفواه والقراطيس في الشرق العربي.”فقد طفق الناس يتحدثون عن الوطن والوطنية، والأمة، والقومية، والحرية، والمساواة، والحقوق الطبيعية، وشؤون أخرى، فكان النظر فيها واجباً على أدبائنا ومفكرينا“.
فرصة درس آخر أفاده ادباؤها ومفكرونا من الثورة الفرنسية واعلامها القطريين، هو فصل الدين عن الدولة. وقد شاءت بعض الجهات في الثورة الفرنسية أن تدخل في أمر الدين، فترسم للناس عبادة جديدة هي عبادة العقل ممثلاً في امرأة، لكن الرأي الأخير قرّ على ان يفصل الدين عن الدولة، فيحال بين السلطات الروحية والتدخل في الشؤون الزمنية.

الفكر أرهاص الثورة

إن الفكر كانت له يد في ايقاد الثورة الفرنسية، فذلك ما لا يضعه مؤرخ موضع الشك والجدال. وقد كان للفكر، ولا يزال، أثره الكبير في أحداث الانقلابات، من عنيفة سريعة أو سلمية بطيئة.

ويرى المؤلف ان موضوع كتابه هذا يستدعي فصلاً عن اعلام المفكرين الفرنسيين الذين سبقوا الثورة، فكانت آراؤهم ومذاهبهم عاملاً من عوامل التمهيد لها، ثم كانت أشبه بمصابيح درج على ضوئها كبار الثورة وقادتها. على أن المؤرخ، حين يعرض لتأريخ الأفكار، يجد نفسه فوراً أمام عقدة محيرة: من أين يبدأ؟ فحقل الأفكار، الذي يجده زاهراً في دور من الادوار، يجد منه بذوراً في عصور سبقته حتى بمدى طويل أحياناً”، وكان ثمة معلم يستخف بالمؤلف كلما عالج موضوعاً، وبدأ ببدء العالم، وقال في فاتحة الانشاء: خلق الله الدنيا.. على أن عمله، والحق يقال، لم يكن خلواً من الحقيقة، لأن،ّ كل موضوع يكاد يبدأ تقريباً ببدء العالم.

ويشير رئيف خوري في كتابه، إلى ان حركة الكشوف الجغرافية، وإن اقترنت بمطامع في الكسب التجاري والنهب وكانت مقدمة للاستعمار الحديث، فقد صرفت نظر الانسان الاوروبي الى الأرض، ودفعته نحو التفكير والبحث العلمي والاختراع. “وحركة الإحياء، بما بعثت من كنوز القديم اليوناني والروماني، وبما أحيت من المثل الكلاسيكية، وبما استقت من مناهل الحضارة العربية في الاندلس خاصة، أيقظت الانسان الأوروبي على تذوّق الجمال الدنيوي، وتلمس المعرفة العلمية، وحب الاستقلال في البحث”. فكان في أوروبا موسم عظيم من اللوحات الفنية والرسامين، ونتاج خصب في التأليف الفلسفي والأدبي في أصول الفكر الخلق والتعامل الانساني. يضاف إلى ذلك فتوحات في الدراسات الفلكية والطبية والطبيعية على وجه عام. ولمعت في الأفق أسماء: كليونارد دوفنشي، وغاليله، ورابليه، ومونتين وسرفانتس واراسم وكوبرتيكوس ونيزال الطبيب وجيوردانو برونو، أسماء تلتفت إلى القديم البعيد أو القريب، وتقترن بأرسطو وأبو قراط وابن رشد وابن سينا، وتفتح القافلة المجيدة، قافلة بيكون وكيلر وديكارت وسبينوزا ولينبتز ونيوتن وباسكال ورهط كبير من الادباء، وتستمر السلسلة في قافلة القرن الثامن عشر، قافلة مونتسكيو وروسو وكوندياك وهيوم ولوك ولامتري وآدم سميث وكستاي وفولتير وديدرو وكوندورسيه ودولباخ وغيرهم.

ويذكر المؤلف ان المفكرين والأدباء الفرنسيين اتجهوا إلى العقل يعقلونه ويتسلحون به، وإلى الطبيعة يدرسونها ويتعلمون منها؛ واستعملوا ذلك كله في بحث الاجتماع والدولة والسياسة، وفتحوا الأنظار على النقص الهائل، واشتقوا طرقاً إلى الإصلاح.

“ولا ريب في أنهم وجدوا لهم معيناً في المفكرين البريطانيين وغيرهم، وفي الثورات التي سبقت عهدهم كثورة”البلدان المنخفضة“على فيليب الثاني الاسباني، وثورة الانكليز، ثم الثورة الأميركية القريبة العهد”.

وبالطبع إن قسط كل من هؤلاء المفكرين والأدباء في التهيؤ النفسي للثورة يختلف باختلاف نزعاتهم ودرجاتهم. وكثيراً ما كانت أدوار بعضهم، في هذا الصدد، لا تتعدى هتفة عاطفية يهتفون بها، أم لغزاً كاللغم يخفي مظهره المموه قوته الناسفة. وقد يقرأ المرء خرافات لافونتين في القرن السابع عشر فلا يتنبه الى ما فيها من المغازي الاجتماعية والسياسية، ثم يقرأ كتاب هيبوليت تين عن لافونتين فينشق له حجاب عالم الحيوان، الذي يسبح فيه الشاعر، عن عالم الانسان، بل عن المجتمع الفرنسي في زمانه.

ان المفكرين والأدباء الفرنسيين أفاقوا على المجتمع، قبل الثورة، فوجودوا ان معظم الفرنسيين، من حيث وضعهم في الهيئة والدولة ومسالك السياسة، إنما هم وسائل لبعض الفرنسيين، وليسوا غاية كما يحق لهم أن يكونوا، فعمد هؤلاء الأدباء والمفكرون إلى الاحتجاج على الحالة الراهنة، وتلمس أسباب الفساد، ووضع الخطط، ورسم هيئة المجتمع الجديد، فكان لنشاطهم وتوجيههم اثر بليغ في الثورة ونهضتها.

الأدباء والمفكرون العرب أمام الثورة

اندفعت هجمة فكرية عربية عنيفة ضد الاستبداد العثماني، عهد السلطان عبدالحميد، في سبيل الحرية والدستور والاصلاح. فكان الانقلاب العثماني عام 1908، ولكن بقوة الجيش. واستمرت اليقظة العربية الفكرية، وقد كانت، ما برحت، للثورة الفرنسية يد قوية فيها.

ومن القافلة العظيمة من كتّاب العرب ومفكريهم، يذكر المؤلف السيد جمال الدين الافغاني، ويقول: “وإن لم يكن عربياً، فقد اتصلت حياته اتصالاً وثيقاً بالشرق العربي، وأتقن اللغة العربية، وله فيها آثار أدبية، تنزله منزلة الأديب العربي” ومن طلائع المفكرين العرب فرنسيس فتح الله فراش. وكان هذا المفكر عميق التأثر بما بلغته فرنسا من التقدم في صحّة أساليب الحكم، وروعة المظاهر العمرانية، وكان شديد التفاؤل بتيار الاصلاح الذي دب دبيبه أيام السلطان عبدالعزيز. ففي كتابه وغاية الحق، فهو قوي الايمان بفوز العدل والحرية والعلم والعقل، وقوى الدعوة إلى تأمل الطبيعة وأحكامها وعبرها، كثير التحدث عن نزاهة الطبع الانساني وحرية الفطرة. ومن القافلة ايضاً بذكر المؤلف: أديب اسحاق، “وقل بين كتاب العرب، في مطلع النهضة الحديثة، من تصرف بقلم وبيان كقلم اديب اسحاق وبيانه، وهو من أعمق كتابنا صلة بالثورة الفرنسية وبمبادئ مفكريها، وله لفتات إلى الثورة تملأ كل ما سطره قلمه”. ومن طلائع طلائع كتّاب العرب ومفكريهم الذين ناضلوا ضد الظلم في سبيل قيم ومبادئ يظهر عليها طابع من الثورة الفرنسية وآراء مفكريها، هو عبدالله النديم، الذي اضطر للاختفاء من ملاحقة السلطان له عقداً كاملاً من حياته، على اثر الثورة العرابية في مصر. وإلى جانب عبدالله النديم يقف عبدالرحمن الكواكبي الذي اشتهر بكتابه “طبائع الاستبداد، وأم القرى” وقد عرض في طبائع الاستبداد لذكر السبيلين الرئيسين من سبل الاصلاح اولهما سبل النبيين، وثانيهما سبيل الفئة التي اتبعت أثرهم. يعني “فئة الحكماء الذين لم يأتوا بدين جديد، ولا تمسكوا بمعاداة كل دين، بل رتقوا فتوق الدهر في دينهم، بما نقحوا وهذبوا وسهلوا وقرّبوا، وكان الكواكبي معجباً بيقظة الشعب الفرنسي، وتوثبه الثوري”.

أما الدكتور شبلي الشميل، وهو فلتة زمانه في قول النظريات الجديدة في العلم والسياسة، واعتناقها اعتناقاً واعياً، وطبيعي أن يكون الشميل قد تأثر بالثورة الفرنسية ومبادئها، على انه لم يقف عند حدها، بل اعتبرها حادثة عالمية في مرحلة من مراحل التطور البشري الذي كان يعتقد انه سائر نحو الاشتراكية. ومع الشميل، يأتي ذكر فرح انطون، الذي “كان أول الأمر شديد الإيمان بمبادئ الثورة، ويعتقد انها الدواء لكل داء، ثم ضعف إيمانه، وبعدهم نذكر من قافلة الأدباء والمفكرين: مصطفى كامل الزعيم الوطني المصري، وولي الدين يكن، وأمين الريحاني وجبران خليل جبران، وروحي الخالدي، وجرجي زيدان، والدكتور طه حسين، والدكتور حسين هيكل وعبدالرحمن الرافعي ومحمد كردعلي، وغيرهم وغيرهم.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق