الكبت والسادومازوشيّة المتأسلمة

في عزوف الشّعوب العربيّة المسلمة عن الاعتراف بتخلّفها عن موكب الحداثة̨ استفحال النرجسيّة المفرطة كوسيلة للردّ على كل من ينعتها بذلك. علاو ة على أنّ عدم التحرّر من التراكمات التي نسجت خيوطا سميكة لدى العامة لا تسمح بالإقرار بمدى التأخّر الذي تعيش فيه̨ بل وترى أن أي مس بالمنظومة القائمة انتهاك لقداسة الدّين والحط منهم كشعوب محافظة.

والعلة تكمن في أوّل إجابة تتلقاها ممّن يصنّفون أنفسهم محافظين بأن اتهامهم بالتخلف والجهل لا يستقيم طالما أنهم لا يتشبهون بالغرب الكافر. كما لا يسعى الواحد منهم للخوض كثيرا في مسألة تخلفنا العلمي والاقتصادي والثقافي والفني الخ… بل يتم التركيز عادة على أنه يدافع على مبادئ إسلامه التي لا تعير تقدم الغرب أهميّة بقدر ما تستنكر التحرّر المفرط لديه وطريقة عيش شعوبه التي فيها الكثير من المجون والفسق على حدّ تعبيره.

كما أن فكرة الجزاء الأخروي الذي يروج له دعاة الدين من جنة حور عين ونبيذ وملذات… تجعله على اعتقاد جازم أن كل خطاب عقلاني يسعى لتحرره من هذه الجنان الحسيّة هو فكر جاهل بدينه أو عدوله. ولوأن العاقل بالدّين يدرك جيدا أن النص القرآني عند وصفه للفردوس العظيم هو محاولة لتجييش المسلمين كما فيه طمأنة لشعوب أرهقها لفح شمس الصحراء بجنة خلد تجري من تحتها الأنهار وكأن الرسالة السماويّة تسد فراغ شعورهم بالحرمان.
لكن هذا الخطاب لا يقبله مجتمع تتوفر لديه الأنهار الجارية والطبيعة المغرية والنساء الجميلات نظرا لأن الجزاء الحسي متوفر لديهم وهو ما لم يستوعبه المسلم عند طرح مسألة هل أن الجزاء الغيبي بالنعيم لا يتحقق إلا في تهميش أو إقصاء كل ما هو مادي بالدّنيا ورفض كل تأويل للنص الديني الحافل بالرموز الجوهريّة.

إن المتمعن في هذا التشبث بكل ما هو مادي محصلة للكبت المتولد والمتأصّل الذي تشكو منه الشـعوب المسلمة يلاحظ تفشــي السادو-مازوشيّة الدينيّة بحيث أن الذات التي تخال نفسها واعية تتنصل من الاعتراف بالكبت المطبق وعدم تحررها من العقد سواء المتوارثة بتجذر الخرافة أو المتعلقة بزرع منطق التحريم عند تربية أطفالهم سواء في ما يخص علاقاتهم بالجسد أو ضرورة عدم الصدام بقيم المجتمع.
وبالتالي يدرج الكبت ضمن مواضيع التابو. ونادرا ما نجد من يحلل نوازعه الذاتيّة باللجوء إلى المستجدات العلميّة الحديثة في علم النّفس.

 
إضافة إلى أنّ الرّؤيا المهينة للجسد وتهميش اللذة هي ما تفسر الخطاب الديني الذي لا يخرج من إطار مادي متعلق بالمرأة والشهو ة وعقاب الذات. خطاب يجد رواجا عند فئتين:

الفئة الأولى: لا تتقيد بحدود وتعيش حياة صاخبة وغير متزنة خلسة وتظهر بوجوه المحافظين.

الفئة الثانية: تعيش في بيئة منغلقة لا تقبل هذا الطرح حتّى من باب التّوعية بل وترى في انفعالات الجسم الطبيعيّة خطيئة لا تغتفر وشعورا بالذّنب يمسّ من قداسة الإيمان عندهم.

إلا أن ثقافة الألم وتعذيب الذات لا تقف فقط عند الخطاب الدّيني أو عدم الدراية بالثقافة الجنسيّة بل هناك استفحال مرضي آخر متوارث في نفس السّياق أكثر خطورة ويستقطب الكثير من هواة الألم في اعتبار الحب تجربة مؤلمة إذ يزرع باللاشعور حتّى قبل خوض هذه التجربة أنه عذاب مزمن وتترسّخ هذه الرؤيا بما يتلقاه في الثقافة السّائدة التي تجعل الحب أسيرا فقط للغرائز علاوة على أن فكرة الحب كعقاب يجعله ممزقا بين جسد محروم وبين لذة مرادفة للخطيئة. ولو قام الفرد بإثراء حبه ليشمل دوافع أخرى نبيلة سيجد نفسه حرا بالعطاء المقترن بالحب.

إنّ التحرّر والتقدّم والخروج من دائرة الألم المتشعّبة في كلّ جزء من حياة الشّعوب المسلمة لا يمكن تحقيقها طالما أن الفرد لم يتصالح مع نفسه ليتحرّر من جميع العوائق النفسيّة ولم يع جسده كموضوع للدرس والبحث ليتعامل معه بعقلانيّة وحكمة ويهجر كل الموروث المؤلم ويطلق النوازع الداخليّة المكبوتة وعدم الاكتراث بالمحبطين لقدراته والمنساقين في طريق السودويّة وتعذيب النفس أو تعذيب الطرف المقابل وذلك بتحرير الإرادة الذاتيّة المسلوبة منها. إذا اجتمعت هذه الشروط فإنّه سيوفر على نفسه شوطا هاما في التقدم بشخصه ليكون واعيا أن الكبت والألم والخطيئة هي علامة فشل الشعوب العربيّة المسلمة في التحاقها بركب التطور العلمي وبقائها سجينة الجسد منذ عقود وعدم محاولتها التجرد من كل ما هو حسي.

إضافة إلى أنّ الحب الواعي والعقلي ينعش الأمل والعطاء ويحقّق مصالحة مع النّفس وعن طريقه يمكن قبول الآخر مهما كانت عقيدته أو فكره أو لونه والانفتاح عليه يضمن تحرّره من ثقافة الموت التي تؤسّس للخرافات والترهيب من الدّنيا ليقبل على حياة لا يكون فيها اللسان ممنوعا للمرأة أو الرّجل على حدّ السّواء من الخوض في كل المسائل الحياتيّة حتى تلك المتعلقة بالحميميّة دون استنفار ولا نفور بل نافذة حل ليتحدث دون أسر سجنه الدّيني في عقده وكبته إعلانا لتطلعه للشفاء.

فهل نأمل يوما أن تتحطّم سطوة الفكر الدّيني الغيبي التقليدي لننطلق نحو رحاب أوسع والاعتداد بالفكر الإنساني أم أننا سنبقى خاضعين لهيمنة الكبت والسادومازوشيّة المتأسلمة؟
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق