المرأة السورية الآن / ريما فليحان

عانت المرأة السورية خلال الفترة الماضية من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، ومنها العنف الجنسي والبدني وقد وصلت إلى التعذيب والاغتصاب والقتل والتهجير، كما عانت ظروف اللجوء والتشرُّد والنزوح والخوف والاستغلال.

لقد نصَّ القرار 1325 الصادر عن مجلس الأمن سنة 2000 على تفعيل دور المرأة في صناعة السلام وفي كل مجالات الحياة (بما فيها السياسة والحياة العامة) كما نصت القرارت التي بُني عليها على اعتبار الانتهاكات الواقعة عليها من اعتداءات جنسية أو تعذيب في الحروب جرائم حرب، وثمة آليات خاصة في «الأمم المتحدة» معنية بمتابعة تطبيق هذا القرار وتفعيله في المراحل الانتقالية.

في 18 كانون الأول 1979، اعتمدت «الجمعية العامة للأمم المتحدة» اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو Cedaw»، ودخلت الاتفاقية حيّز التنفيذ في 3 أيلول 1981 كاتفاقية دولية بعدما صادقت عليها الدولة العشرون. وبحلول الذكرى السنوية العاشرة للاتفاقية عام 1989، كان ما يقرب من مئة دولة قد وافقت على الالتزام بأحكامها. وقد جاءت هذه الاتفاقية تتويجاً للجهد الذي بذلته لجنة «الأمم المتحدة» المعنية بوضع المرأة طوال نيِّفٍ وثلاثين عاماً. فقد تأسَّست هذه اللجنة عام 1946 لرصد ومراقبة وضع المرأة والترويج لحقوقها، وكان لجهودها أثرٌ مساعد كوسيلة في طرح وإبراز جميع المجالات التي تُحرم فيها المرأة من المعاملة على قدم المساواة مع الرجل. وقد أدَّت هذه الجهود الرامية إلى النهوضِ بالمرأة والارتقاء بوضعها إلى صدور العديد من الإعلانات والاتفاقيات الدولية التي تُشكِّل فيها «اتفاقية سيداو» المحور الرئيس والأكثر شمولية. وتحتل هذه الاتفاقية موقعاً مهماً بين المعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، تتمثّل في إقحام قضايا المرأة التي تشكّل نصف مجموع البشرية في صُلب الموضوعات التي تتناول هموم حقوق الإنسان.

الحالة المجتمعية السورية اليوم تمرُّ بمرحلة وجود المرأة على رأس الأسرة أو انفرادها لأسباب عديدة، وهذا يعني أن التركيز على المرأة في هذه المرحلة والمرحلة الانتقالية ضرورة وطنية ومجتمعية بما في ذلك بناء قدراتها وتعزيز مشاركتها السياسية والاقتصادية والثقافية وتمكينها من إيصال هواجسها وآلامها ومشاكلها لأن المجتمع السوري بأكمله مهدَّد اليوم بالتفكك وبأمراض اجتماعية خطيرة ناتجة عن حجم العنف والقتل الذي يعيشه السوريون في كل لحظة، لذلك فإن قضية المرأة وطرحها اليوم ليست حالة رفاهية بل ضرورية وماسَّة من أجل إعادة الرباط للمجتمع وتخفيف الآثار السلبية ومحاولة لشفاء بعض الأمراض عبر المرأة التي ترأس الأسرة في المهاجر والمنافي والملاجئ والداخل السوري، وأحد أسباب ذلك هو الظرف الموضوعي المتمثِّل في غياب الرجل لوجوده في ساحات المعارك أو في المعتقلات أو الموت، ناهيك عن حقها الإنساني في المساواة والتمكين والمشاركة بعيداً عن هذا الظرف عموماً.

وإلى جانب ذلك فإن الكفاءة الاستثنائية التي تمتلكها النساء عموماً في بناء السلم الأهلي ولمّ شمل الأسرة وإعادة ترميم النسيج الاجتماعي تتطلَّب إعطاءها دوراً بارزاً في المرحلة الانتقالية والعمليات السياسية والمجتمعية في هذه المرحلة، وقد شهد العالم تجاربَ استثنائيةً للدور البارز للنساء في هذه العمليات، ومنها دور المرأة في رواندا بعد العدد الهائل من الضحايا للحرب الأهلية التي اجتاحت البلاد، حيث ساهمت المرأة في إعادة السلم الأهلي وترميم المجتمع، وحتى الأمهات الروانديات البسيطات ساهمنَ في ذلك، وأذكر هنا على سبيل المثال فقط دورهنَّ في كسر الحصار على المناطق من قبل أمهات الطرفين المتنازعين ونقلهنَّ الطعام أمام أسلحة أبنائهن. كما شهدت تجارب جنوب إفريقيا وتجارب عدد من الدول الأوروبية الخارجة من الحروب أو النزاعات أو الثورات دوراً كبيراً للمرأة ساهمت من خلاله في إعادة الحياة إلى تلك المجتمعات.

إن الحاجة الماسَّة لتشكيل فرق الدعم النفسي واللجان المجتمعية للاتصال وإعادة دمج النساء والأطفال بالحياة بعد تعرُّضهم للصدمات والرضوض النفسية أمرٌ في غاية الأهمية والخطورة لأننا مقبلون على كارثة مجتمعية بكل ما تعنيه هذه الكلمات من معانٍ إن لم يكن لدينا استعداد حقيقي لذلك. وهذا يعني ضرورة وجود وزارة للعدالة الانتقالية وضمنها هيئة خاصة لدعم وتمكين المرأة من أجل إطلاق عمليات الشفاء المجتمعي والتي تتضمَّن عملاً خارج البلاد في المخيمات والملاجئ والمنافي وعملاً في المناطق المحرَّرة وإعداد فرق ومشاريع تنموية بشرية للداخل فور سقوط النظام.

حين نطالب بزيادة تمثيل المرأة في الهيئات السياسية فهذا يعني إدراكنا لمدى الحاجة لإيصال المشكلات والعلل وإطلاق آليات الحلّ، فلا يمكن للرجل إدراك كل تلك المشاعر والمآسي التي تمرّ بها المرأة مثل المرأة، وأيضاً من منطلق الحرص على الانطلاقة الصحّية والسليمة في بناء المرحلة القادمة والتي يعكس سلوكُ «الائتلاف الوطني» وبقيةُ الهيئات السياسية برفضها بل وتقزيمها انخفاضاً في مستوى الوعي المجتمعي لحجم الحاجة لإيصال صوتها وإطلاق عمل سليم مجتمعي. وهذا لا يُحلُّ بوزارة الشؤون الاجتماعية فقط لأنه يتطلَّب وزارة للعدالة الانتقالية فيها هيئة خاصة لشؤون المرأة السورية تتخصَّص في حلّ هذه الإشكالات وفي إدماج المرأة في عمليات العدالة الانتقالية من خلال لجان تقصّي الحقائق والتي تتطلَّب وجود نساء لديهن القدرة على الاستماع لضحايا العنف وفرق للدعم النفسي، وهذه مهارات تحتاج إلى دورات وبناء للكوادر التي ستعمل في هذه المجال، بالإضافة إلى فرق حقوقية وطبّية وإغاثية وإنجاز الدراسات الضرورية وإعداد الداتا المناسبة بالكفاءات والمهارات الموجودة لدينا أصلاً أو بالخبرات العالمية ودراسات وداتا بالأماكن المتضرّرة وتوصيف الحال اقتصادياً واجتماعياً وإنسانياً ونفسياً للشرائح التي تعرضت للأذى وخصوصاً النساء والأطفال. بالإضافة إلى أهمية توثيق الانتهاكات المتعلّقة بهذا الموضوع من أجل الاستفادة من القرار الأممي في المحاكمات اللاحقة لسقوط النظام.

«الغاوون»، العدد 55، 1 أيار 2013

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق