المرأة عدوّة المرأة؟ / عزّه شرارة بيضون

“المرأة عدوّة المرأة”، تقول بعض النساء، بثقة محمولة على أمثلة من جعبتهن تؤكّد صواب هذه المقولة وجواز تعميمها.

من مظاهر العداء

هي مقولة نسمعها، مثلاً، حين تعلن نتائج فرز الأصوات في الانتخابات العامّة ليرى الجميع، وبأمّ العين، كيف اختارت النساء رجالاً في المجالس التمثيلية وخذَلَتْ أخواتهن المرشّحات. كما تردّدها امرأة توقّعت دعماً من نساء في إطار مؤسسة تعمل فيها، مثلاً، لكن لم تلقَ منهن سوى الإهمال والعدائية. ناهيك بروايات عن غيرة مؤذية تنتاب النساء من أخريات حصلن على مكاسب كنّ يرغبن فيها؛ وهي غيرة تعيشها النساء – مواضيع الغيرة – بشحنة انفعالية غير قليلة الوطأة عليهن، ومن تعبيراتها ما يعرف شعبياً بـ“الإصابة بالعين” التي تقع النساء (ومن النساء) فريسة لها أكثر بكثير من الرجال.

من مظاهر عداوة النساء لبنات جنسهن، أيضاً، مواقف عامة تتخذها جماعة نسائية ضد قضية من قضايا النساء. لنا في ذلك في لبنان مثلٌ، غير بعيد في الزمن، حين تظاهرت نساء ضد مشروع قانون حماية النساء من العنف الأسري، وحين رفع تجمّعٌ من جمعيات نسائية مذكَّرة إلى مجلس النواب تبدو فيها المرأة المعنّفة مسؤولة عن العنف الذي تتعرض له، ومسؤولة، أيضاً، عن تداعياته على الرجل وعلى الأولاد.

في مجتمعنا تشعر الفئات النسائية الواقعة في مصنّفات اجتماعية أقلّوية، بأن النساء في الفئة الأكثرية- أي أولئك اللواتي تزوجن وأنجبن ولا يزلن في علاقة زواجية- يتجهن لإقصاء العازبات الدائمات والمطلّقات والأرامل، ناهيك بذوات الإعاقة والكهلات والمريضات نفسياً إلخ. الفئة الثانية تشعر بأن النساء من الفئة الأولى تقصيهن عن الدوائر الاجتماعية التي يتحركن فيها. هذا الإقصاء ذو وقعٍ سلبي عليهن ويُعاش بوصفه كرهاً وعداءً لهن، يُحلْنه على الكره إياه ويفترضْنه- أي الإقصاء- من بعض تجليّاته.

من مظاهر ذلك الكره أيضاَ ما يرشح من العلاقة بين الأم وابنتها. فالأم التي عانت من كونها أنثى في مجتمعات وثقافات أبوية تميّز ضدّ النساء، هذه الأمّ تمارس التمييز نفسه ضد ابنتها وبشراسة تفوق أحياناً شراسة أبيها، أو وليّ أمرها الذكر. بل هي تعمل على تربية ابنتها على قبول ذلك التمييز وعلى تربية أخيها على ممارسته ضدّها. تبدو المرأة- الأم في ممارساتها هذه كارهة لإبنتها ولنفسها ولكل بنات جنسها أيضاً.

انتظارات وتأويلات

تنطوي شكوى امرأة من “عداء” أخواتها النساء، على انتظارات معيّنة. الانتظارات هذه تبدو قائمة على وجوب التضامن والتعاطف الوجداني بين النساء تبعاً لاشتراكهن معاً في كونهن نساء. يصحّ ما نقوله في المجالات العامّة، على وجه الخصوص، لأنها مجالات لا تزال المرأة تتلمّس مواقعها وتحتاج لإثبات جدارتها فيها. يستدعي وجوب هذا التضامن وذلك التعاطف موقعهن في المنظومة الجندرية التي تنحو أحكامها لجعلهن في مصنّف هامشي أو أقلّ شأناً في فضاء احتكره الرجال لأمد طويل. هكذا تبدو سلوكات مخالفة لذلك التعاطف كأنها “خيانة” تستدعي إطلاق صفة العداء المطلق لجنس النساء. فتعمى من تتبنّى المقولة عن عداء الرجال بعضهم للبعض الآخر في وضعية شبيهة، جاعلة العدائية لامرأة ما دليلاً إضافياً على “عداء المرأة للمرأة”، وسِمة نسائية صرفة.

أصول ومصادر

الباحثون في الأصول البعيدة لهذا العداء يعزونه إلى نوازع قديمة تجد جذورها في أجواء “الحريم” الذي تضجّ رواياته بالمكائد التي تنصبها بعض النساء لبعضهن الآخر في سياق التنافس على الحظوة لدى صاحب السلطة للحصول على موارد عزيزة. تاريخنا -الحاضر أبداً – في الأساطير وفي المعتقدات وفي الأمثال الشعبية والقصص المرويّة في العشايا (على شاشة التلفزيزن حالياً) ينضح بإبداعنا، نحن النساء، في النميمة في أقلّ تقدير وصولاً إلى نصب المكائد بعضنا للبعض الآخر، رغبةً منا بالاستئثار بهذه الموارد.

لكنه كرهٌ قائمٌ أيضاً في واقع مجتمعاتنا حيث تسود القاعدة الذهبية: “حتمية” زواج الرجل من امرأة تصغره سناً. هكذا، فإن طبيعة الهرم السكاني (هناك عدد أكبر من الأصغر سناً، وعدد أقل من الأكبر سناً) لا تتيح للنساء خيارات متكافئة مع خيارات الرجل، وتُطلق- مبدئياً وموضوعياً – التنافس على “الموارد البشرية”/ الرجال الأقل عدداً. هو التنافس الذي يغذّي الكره ليستوي صفة ملازمة، موضوعياً، للمتنافِسات على الرجال النادرين عدداً قبل أن يكونوا نادرين كفاءةً!

التحليل النفسي جاهزٌ أبداً لتأويل عميق لكل ما هو “غير منطقي” و“لا عقلاني” في عداء النساء بعضهن للبعض الآخر. فهذا العداء يجد أصوله لدى فرويد، مثلاً، في كره الفتاة الصغيرة جنسَ الإناث غير المزوّدات آلة فخمة شبيهة بآلة الذكور، لذا فهن كائنات دونيات يستحققن الازدراء والكره. هو كره الفتاة الصغيرة لذاتها الناقصة، أساساً، لكنها أسقطته (بشكل لا واعٍ، طبعاً) على أشباهها من الإناث في الصغر (والنساء في الكبر) في الخارج رفقاً بتلك الذات واقتصاداً في شحنة المشاعر السلبية المرافقة لذلك الكره للذات. هو كره تستمر وطأته ثقيلة على مشاعر الإناث حتى في حيواتهن الراشدة. لكنها حيوات “راشدة” لمن تبقى من النساء مسجونة نسبياً، في طفولتها. وهي “طفولة” تستقرّ في الرشد وتكاد لا تفارقه لأنها تلقى تعزيزاً من المنظومة الجندرية الأبوية التي تضع النساء في ذلك الموقع تسهيلاً للسيطرة عليهن.

الواقع يقضي
وإذ يُحال عدم التضامن بين النساء على عداء النساء للنساء، فإن تلك الإحالة هي غالباً من بعض التعميم الذي يعشى عن وقائع أخرى أبدت فيها النساء تضامناً وتعاطفاً لبنات جنسهن. التعميم نفسه ينطوي على إهمال مقتضيات الواقع، أحياناً؛ إذ قد يكون تفضيل امرأة ما لرجل على امرأة أخرى في وضعية تتطلّب اختياراً بين الإثنين، ناجماً عن كون هذا الرجل بعينه (لا الرجال عامة، بالطبع) متمتعاً بسمات شخصية ضرورية لذلك الموقع أو مناسبة لمعالجته وضعية معيّنة، ليصبح التفضيل المذكور “موضوعياً”. فهل يُفترض بالمرأة أن تنتخب امرأة مرشّحة للندوة البرلمانية، مثلاً، لأنها “امرأة” بالرغم من أنها قد تكون أبدت تقاعساً في دعمها لقضية نسائية، فيما يسعها انتخاب رجل أكثر تعاطفاً مع القضية النسائية؟ وفي حال كان الرجل المرشّح في مواجهتها أكثر انسجاماً مع الاتجاهات السياسية للمرأة المقترِعة، فما هو مسوّغ اختيار ممثلٍ عنها ذي مواقف سياسية مخالفة لمواقفها؟ ولماذا تساند امرأة أخرى، اختُبر سلوكها المهني، مثلاً، ليتبيّن أنه غير مناسب لأداء مهمة بعينها؟ ألا تعتبر هذه المساندة وذلك الاقتراع من قبيل التعصب الجنسي؟ ألا تناهض النساء هذا التعصب قبل غيرهن؟

إن من يستنتج أن “المرأة عدوّة المرأة” في هذه الحالة، يشبه من يختار شخصاً لمهمة معينة بسبب انتماءاته الطائفية لا بسبب كفاءته في تنفيذها. التعصّب الجنسي هو صنو التعصّب الطائفي: الإثنان ينتميان إلى حقبة سابقة من النشاط في المجالات العامة التي كانت تستدعي تضامناً أعمى على قاعدة الانتماء إلى جماعة “طبيعية” من أجل البقاء؛ هذا، فيما تستدعي أحوالنا الراهنة، التي تجاوزت ضرورات البقاء، توسّلَ قاعدة أولوية الاجتماع الأشمل، فلا يمكن الركون إلى “الطبيعة” لإدارة ذلك الاجتماع للوصول به إلى إدارة أحوال اجتماعنا في ايامنا الحاضرة. هذا الركون نختبر ضرره الكارثي علينا كلّ يوم. أين الحكمة في استعادة ما يشاكِلُه؟

لعلّ تماهي المرأة/ الأم مع قواعد الرجل التمييزية- المذكورة سابقاً- تقع في إطار التعامل مع الواقع أيضاً. إذ يسعنا الافتراض أن التربية التمييزية التي تنتهجها الأم تجاه ابنتها هي بمثابة تهيئة – ليست غير واعية- لابنتها للتمييز والغبن اللذين سيلحقان بها في حياتها المقبلة في ظل ثقافة اجتماعية بطريركية. قد تكون التربية التمييزية التي تنتهجها الأم مدفوعة بخشية من تمرّد ابنتها على تلك القواعد الجندرية التي تستدعي عقاب المحيط لها قد يصل إلى حدّ النبذ والإقصاء؛ فيقتضي التكيّفُ مع الأحوال القائمة تكريسَ هذه القواعد في النفوس عبر تربية تمييزية. الملاحَظ أيضاً أن بعض النساء، ومن هؤلاء نجد نسويات، يُبدين تردداً في تربية أبنائهن الذكور، مثلاً، بطريقة مساواتية لئلا تخرّب على ذكورتهم القائمة، جزئياً، على إخضاع الإناث. باستثناء حالات خاصّة، فإن القرار بتوسّل نهج غير تمييزي في التربية معضلة يعصى حلّها على المرأة/ الأم منفردة، وقد تعصى على النساء كمجموعة. إن مَن تنتهج تربية تمييزية جندرياً، هي امرأة لا تملك إلا أن تكون متكيّفة مع المنظومة الجندرية؛ عدا ذلك، هو امتياز “الهامشيات” أو المقتدرات اجتماعياً، لا الأكثرية من النساء. في معرض الكلام عن تنشئة الأم لابنتها بشكل منسجم مع إملاءات المنظومة الجندرية “الكارهة للنساء”، ألا يُستحسن التريّث في الجزم بأن “الأم عدوة ابنتها”؟ هذه مسألة محتاجة للتدقيق.

أكثر من منطلق للفهم

ما سبق، كان معالجة تنطلق من شكّ في عمومية مقولة “المرأة عدوة المرأة”، ومن خصوصية عزو هذه العدائية للنساء؛ ما حاولتُ قوله إن المرأة ليست عدوّة للمرأة بشكل خاص. العدائية أراها، تماماً كالكره والحسد، مشاعر نشترك فيها جميعاً، نساءً ورجالاً. هكذا يسع امرأة لم تحظَ بأصوات النساء في الانتخابات التمثيلية العامة، مثلاً، أو تلك التي لم تتلقَّ الدعم الذي انتظرته من امرأة أخرى في موقع معيّن، أخاصاً كان هذا الموقع أم عامّاً، أقول يسعها البحث عن أسباب فعلية كامنة في سلوكها أو اتجاهاتها المسؤولة عن استنكاف النساء عن انتخابها أو دعمها. يسعها البحث ايضاً عن وضعية بعينها غير مواتية لانتخابها أو لدعمها ومن دون أن تكون المرأة، تحديداً، مسؤولة عنها إلخ. البحث في هذه الحالة يبدو ذا جدوى لأنه يحتمل فعل المراجعة والنقاش وإمكان التعديل، وجدير بأن يرتقي إلى مستوى الفعل الاجتماعي، بدل أن يقبع في مستنقع الأصولية التي تعزو للنساء مشاعر أو اتجاهات لصيقة بهن، لأنهن نساء.

الشك في عمومية مقولة “المرأة عدوّة المرأة” لا يُفضي، تبعاً لمبدأ الشك نفسه، إلى استبعاد صدقية شكاوى النساء الشائعة عن عداء النساء لهن، بل القبول باحتمال كون ذلك العداء خاصية نسائية، وفق ما يُشاع. فالشك واستبعاد اليقينيات هما من مبادئ المقاربة النسوية لـ“المعرفة”، ما يجعل صحّة تحليلاتنا – نحن النسويات – دالّة صحة منطلقاتنا ودقّة وسائلنا. النسويات منّا محتاجات، دائماً، إلى نظارات أوفر نفاذاً وإلى آذان أكثر “تلقّياً” وإلى استعدادات نفسية تجعلنا أقلّ انتقائية تسمح جميعها بأن نكون أكثر تعاطفاً مع النساء، من دون استثناء اللواتي يصرّحن بأنهن مواضيع عداء من نساء. النظارات والآذان والاتجاهات التعاطفية تسمح، كلها أو بعضها، بسبر أغوار المشاعر والتصورات المرافقة للعداء المعبّر عنه من أجل تظهير أسبابه، لفرز الواقعية من هذه الأسباب من الأخرى المتخيّلة: فيتمّ التعامل “الواقعي” مع الأولى وتوضع الثانية في متناول الفهم والترميز تمهيداً للتعامل معها، هي أيضاً، واقعياً.

هما منطلقان- من منطلقات أخرى؟- لفهم مقولة “عداء المرأة للمرأة”؛ والاثنان ينطويان على سعي لجعل هذا العداء موضوعاً واقعياً وفي نطاق السيطرة والمعالجة، لا حقيقة ذات أصول ثابتة تعصى على المواجهة والتعديل.

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This